كثيرا ما سمعت كلمة الأستاذ بهاء وأنا صغيرة، ثم وأنا كبيرة كذلك، وعرفت أن المقصود هو الأستاذ أحمد بهاء الدين رئيس تحرير مجلتى العريقة «المصور» ورئيس مجلس الإدارة أيضا فى الستينيات وحتى 1971، ويطلق عليه بمجلتنا العريقة صاحب الصحوة الأولى أو الكبرى بمجلة «المصور» وتغيير البوصلة إلى مجلة سياسية وثقافية، ولذلك ارتبط وجدانى باسم الأستاذ بهاء، خاصة أن أبى انتقل لـ«المصور» فى عهد الأستاذ بهاء، وحينما تفتح عقلى ووجداني قرأت أولا كتابه «أيام لها تاريخ» وليس مسمى شخصيات لها تاريخ، والفارق بينهما كبير ومهم لأنه يرصد عوامل التغيير والتأثير للمجتمع وحياته وتاريخه، وليس فقط دور الشخص على أهميته فى صناعة الحدث، كما أن الأستاذ بهاء من المدرسة الصحفية الفكرية التى تهتم بتحليل الأفكار أو ما وراء الأخبار، لذلك برع فى ملفات التحقيقات الصحفية حول موضوعات بعينها، وكذلك بكتابة المقال، وهو كان بدايته بالتحقيق الصحفى على عكس البداية الصحفية لأستاذ هيكل ومدرسته بالخبر، ثم تعمق أستاذ هيكل كأبرع ما يكون وتفوق على الآخرين، حينما اتجه بالكتابة إلى التحليل والعمق، فأبدع لنا الكتب التى تحتوى على المعلومات والسرد، وهى قضية هامة جدا، كما أن أستاذ بهاء اختلف أيضا عن مدرسة مصطفى وعلى أمين، وبعد أن عملت بالصحافة كان عمود الأستاذ بهاء بالصفحة الأخيرة هو أول ما أقرأ بالجريدة حيث يجبرك مقاله أن تتابع وتبدأ القراءة من الصفحة الأخيرة، حيث كان العامود ملهما بأفكار حتى لى بالتعليم، حتى لو كانت يتحدث فى شىء آخر، ومنها كان تعبيره السداح مداح، وأطلقه على عصر الانفتاح أو انفتاح السداح مداح، وبعد أن عملت بالتعليم وجدت أن التعبير ينطبق تماما على تعليمنا وأنه تعليم السداح مداح. ولهذا عاش التعبير فى العقل وأصبح يطلق على المرحلة بل وما بعدها وما أحوجنا إلى إعادة قراءته ودراساته بعمق وعمل احتفاء بهذه الكتابات.
فاهتمام أستاذ بهاء بالتعليم كان جزءا مهما من عمله الصحفى بصباح الخير، وتعمق بعمله كرئيس تحرير لـ«المصور»، ولذلك حرصت جمعية أستاذ بهاء على رعاية التعليم ليس فقط عبر إنشاء مدرسة بمسقط رأسه بأسيوط، ولكن أيضا هذا العام، فتم تخصيص جائزة أحمد بهاء الدين حول أبحاث ودراسات حول التعليم، وفاز بها بحث بعنوان «التعليم النقدى»، قام بها الباحث شادى جمال، ومن رأس وأشرف على لجنة الجائزة بالتعليم هو الأستاذ المفكر والأكاديمي التربوى د. حسن البيلاوى أمين المركز العربى للطفولة، ومصطلح التعليم النقدى كان أول من أطلقه لترسيخ أهمية التفكير هو المفكر البرازيلى باولو فيرارى، والذى قال عنهما د. حسن البيلاوى، أى عن الأستاذ بهاء وعن الكتاب الفائز، إن أستاذ بهاء هو منْ كتب عقب هزيمة يونيو هزيمة حضارية أيضا بمعنى أنها ليست عسكرية فقط، ووجه الشباب وقتها إلى البحث والأخذ بأسباب وسؤال كيف نتقدم، والكتاب الفائز طبق فكرة الأستاذ بهاء بالبحث عن التقدم، وعلى رأسه التعليم، وعرض لآراء وتطبيقات لأعظم القامات الفكرية بالتعليم فى العالم الثانى والثالث وأقصد به المفكر باولو فيرارى الذى شخص تدهور أوضاع التعليم لأنها -التعليم البنكى - ويقصد به حشو أذهان الطالب والمتعلم بمعلومات كثيرة، وفى التقييم والامتحان يطلب من الطالب استرجاع المعلومات من هذا البنك فى عقله وذاكرته، وليس للتفكير وإيجاد العلاقات بين الشىء، وهو ما شخصه فيرارى بأنه تعليم يكرس للصمت، مع أن التربية مفترض توجه إلى العكس أى إلى الحرية والتفكير وحق السؤال والمناقشة.
ومن هذا المنطلق وحيثيات فوز الكتاب، دار بذهني وأنا أستمع له أن التربية البنكية انتقلت فى التعليم إلى المستوى الأعلى، أى إلى مستوى وضع السياسات التعليمية، فهى أيضا مثل البنك يضع بها المسئول القرارات من أعلى كأنها بنك للتعليمات، ثم يستدعى سحبها بشكل عام على العاملين أو الفاعلين فى ميدان التعليم؛ مثل قرارات الواجبات المركزية اليومية من الوزارة وإلغاء شخصية المعلم أو القهر، كما وصفه فيرارى، فهذا المصطلح العبقرى التربية البنكية يمكن أن يمتد على استقامته، ونستخلص منه أيضا الإدارة البنكية للتعليم، تماما مثل اقتباس المصطلح العبقرى انفتاح السداح مداح، لنطلقه على التعليم وتعدد أنواعه وأشكاله وامتحاناته لكل طائفة تعليمية، من الطوائف المتعددة بالتعليم من حكومى، وحكومي لغات وحكومي إنترناشونال، ونظم دراسية، دولية من الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأمريكية. ولذلك ومن منطلق التعليم والتعليم الحقيقى المطلوب وهو التعليم المعرفى والثقافى، نظرت أيضا للمحاضرة الشيقة والقيّمة فى هذه الاحتفالية ببداية مئوية الأستاذ بهاء، والتى ألقاها الأستاذ محمد سلماوى؛ حيث قال إنه حين نذكر آداب الحضارات القديمة؛ فإن الذهن يذهب على الفور إلى الأدب الإغريقي والرومانى، بما يتضمنه من ملاحم ومسرحيات ونصوص فلسفية، ولكن هذه الصورة ناقصة -تعليم ومعرفة ناقصة ما لم نضع ونُعيد للأدب المصرى القديم دوره الحقيقى ومكانته فى تاريخ الإبداع الإنسانى، وأنه بدأ منذ عصور قديمة، وضرب الأمثلة الكثيرة من التاريخ والأدب المصرى القديم. هذه المحاضرة الشيقة والهامة دعتنا أيضا من باب التعليم النقدى أن أهتف فى أعماقى أننا نحتاج إلى رؤى ثقافية للتعليم أو الوزير المثقف، وليس إلى التعليم البنكى بكل أدواره من المناهج إلى غيرها من الأدوات التى تطبق بالتعليم.