كل خطوة بنصر فعلًا وقولًا، هكذا كان يوم السبت الماضى إثباتًا عمليًا أن كل خطوة بنصر، وهكذا ظهرت مصر كلها بشعبها وضيوفها، فرحة غامرة فقد آن الأوان لموسم الحصاد، حصاد انتصارات والفرحة، بعد عقود من الصبر والتحمل والثبات والتضحية والثقة فى القيادة، حتى وصلنا للحظة الحالية التى يخضع فيها التاريخ والزمان لمصر.
فرحة من القلب فى وقتها
فاليوم وطننا الحبيب مصر يقدم هديته للعالم والإنسانية جمعاء، يقدم المتحف المصرى الكبير -ليس مكانا يعرض الآثار بل مكان يحكى التاريخ ويصنع المستقبل- هديته بما يليق به كشعب ودولة حضارية عريقة بل أعرق دول العالم، قدم هديته فى احتفالية ولا أروع أذهلت المتابعين من كل أرجاء المعمورة، وأكثر ما أدهش العالم هو ذلك السلوك الحضارى للمصريين، والفرحة الغامرة التى زيّنت وجههم منذ الإعلان عن الافتتاح، فالشعب المصرى أخيرًا وجد الفرصة ليُظهر حبًا حقيقيًا ومن القلب لقيادته ولوطنه، ويُظهر انتماءه المصرى الخالص؛ ليس فقط فى صور المصريين القدماء على السوشيال ميديا، بل فى الحياة الواقعية، فملايين المصريين احتفلوا فى جميع العواصم بفرحة من القلب ومسيرات ومظاهرات وأعلام مصر ترفرف فى كل مكان، فرحة كانوا فى حاجة لها، وانتصار وإنجاز جاءوا فى وقتهم، ليذكر المصريون أن القيادة لم تخذلهم ولم تخلف وعودها بأن يومًا ما سيأتى ستكون مصر ليس فقط أم الدنيا بل «أد الدنيا» كما يقولها المصريون، وها هو ذا قد جاء اليوم الموعود.
هذا الانتصار وتلك الفرحة أكلت قلوب عناصر الجماعة الإرهابية وملأتهم غيظا وحقدا وكراهية، وأذهبت بعقولهم فأصابتهم بلوثة، فلم يتحملوا صدمة الانتصارات والأفراح المصرية، فالمساكين لما رأوا الالتفاف الشعبى حول الوطن وحول الرئيس وتقدير قادة العالم لمصر ومكانتها؛ طاشت عقولهم، وهم الذين أنفقوا مليارات الدولارات من جيوب المموّلين وأهدروا أعمار أتباعهم من أجل أن يتخلى المصريون عن وطنهم لصالح أوطان أخرى أو لصالح أيديولوجية إرهابية يعتنقونها، أنفقوا أعمارهم وأعمار أتباعهم وحياتهم، فإذا المصريون باختلاف انتماءاتهم وأعمارهم ومراكزهم الاجتماعية (طبيب ومهندس ومعلم وطالب وتلميذ وأستاذ جامعى ومعارض ومؤيد وناقم وراضٍ ومتشائم ومتفائل ورجل وامرأة وشاب وعجوز) كلهم فى لحظة واحدة انصهروا معًا وصنعوا مظاهرات حب للوطن واحتفالية لم تدفع الدولة فيها جنيهًا واحدًا، استفتاء شعبى على الهوية المصرية والوطنية، حب بلا مقابل ظهر فى فعاليات الافتتاح العظيم للمتحف الكبير.
«الجماعة» تكره فرحة المصريين
ولأن الجماعة الإرهابية تسوؤها دائما فرحة المصريين، تفتق ذهنهم عن خطة بلهاء لكبح جماح الفرحة التى لم نرَ مثلها فى مصر ولا فى العالم أجمع، وضعوا خطة للتشويش على المصريين، لكنهم فشلوا بجدارة، فكانوا كـ«عبيط القرية» الذى فشل فى أن يكون عمدة، فاكتفى بالترصد للعمدة فى الطريق يقذفه بقبضة تراب فى يده، ظنًا منه أنها ستمنع العمدة من الاستمرار، أو تدفع رجال العمدة عن التخلى عنه، أو ينجذب إليه وجهاء القرية ليختاروه عمدة بدلا من عمدتهم المحترم، فما جمع حوله سوى الأطفال يسخرون منه ويصيحون عليه ويعبثون به.
قامت الجماعة الملتاثة بمهاجمة الاحتفال، باعتبار أن فكرة إنشاء المتحف الكبير كانت منذ عهد مبارك ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، لا يحق للرئيس السيسى أن يفتتح المتحف لهذا السبب، ثم كانت المفاجأة أن مصر لا تنسى فضل أبنائها، فكانت أهم كلمة قدمت المشروع للضيوف كلمة الوزير الأسبق فاروق حسنى، فأصيبوا غمًا على غمّ.
ثم أشاعوا بين أتباعهم أن هذا الإنجاز تم بتمويل كبير وقرض من اليابان، وقبل أن يروجوا لكلمته السمجة (هل الفقراء سيأكلون من المتحف؟) و(أليس البلد فى غنى عن هذا الصرح المكلف؟)، فإذا البيانات الشفافة تخرج من الدولة ومن اليابان نفسها، أنه قرض بنسبة فوائد ضئيلة للغاية وبتيسير للسداد، وأنه تم من أجل الإنسانية والحضارة وليس للمكسب، فلما تبين تفاهة الفكرة وسخر منهم المحترمون؛ أصيبوا كمدًا على كمد.
هنا قرروا ينتقلون لمربع «الدين» الذى يجيدون اللعب فيه ويعرفون كيف يستخدمونه لصالحهم، وبدأت حملات على «السوشيال ميديا» تجعل المسجد فى مواجهة المتحف، نشروا مقولات عن تحريم الإسلام الاحتفال بالفراعنة، وردوا على موجة الحب الخالصة التى اجتاحت المصريين الذين غيّروا صورهم الشخصية على الفيسبوك وغيره لصورهم بالزىّ الفرعونى مشاركة فى الاحتفال العظيم، فنشروا مقولات لعلماء بكثافة (بعضها مشكوك فى صحتها) أن التشبه بلباس المصريين القدماء حرام شرعًا، زاعمين أن مَن تشبّه بقوم فهو منهم، العجيب ليس فشل الحملة من تلك الزاوية، بل العجيب أن عموم المصريين ردوا على تلك التفاهة بقولهم «يا ريت نبقى منهم» أو «إحنا بنحاول نبقى زيهم»، وآخرون ردوا قائلين: «أنت عبيط.. ما إحنا أصلًا وأساسًا منهم»، وعلى الرغم من المغالطة المنطقية التى يستخدمها الإخوان فى توظيف الدين، فإن وعى المصريين بحقيقة الانتماء، والهوية المصرية متعددة الطبقات، ليست هوية أحادية، فمصر ليست فقط إسلامية ولا فقط فرعونية أو عربية، بل هى مزيج من: (فرعونى وقبطى، وعربى، وإسلامى، ومتوسطى، وبعمق إفريقي)، هذا التراكم هو ما يكوّن «الهوية المصرية»، وليس طبقة واحدة تناقض الأخرى.
المصريون بطبيعتهم لا يرون تعارضًا بينهم، فيمارسون الدين ببساطة شعبية، دون قطيعة مع عاداتهم القديمة؛ فى الزواج، الموالد، الأعياد، وحتى العزاء، كل هذا مزيج من التقاليد الاجتماعية والدينية الأصيلة، ولأن الجماعة الإرهابية لا تعلم هذا ولا تؤمن به، فكانت ردود المصريين عليهم أشدّ من وقع الحسام، أشدّ من الذبح بسكين بارد، فالردود كانت مثل إعلان فشل وهزيمة حقيقية، وأن طوفان المحبة والانتماء المصرى لا يوقفه أحد ولا يصنعه أحد.
افتتاح المتحف.. شهادة وفاة الجماعة
من المؤكد أن الإخوان الإرهابيين قضوا مساء السبت الأول من نوفمبر يوم الافتتاح يوما أسود وليلة حزينة حتى الموت، حزنًا وسوادًا أشدّ عليهم من يوم عزل «محمد مرسى»، فقد شاهدوا أيام 30 يونيو 2013 رفض الشعب لهم، وهو ما لم يتوقعوه ولكنهم تحملوه على أمل العودة، أما فى 1 نوفمبر 2025 فكان الألم أشدّ عليهم، فقد شاهدوا بأم أعينهم محبة المصريين لوطنهم، واحترامهم وقادة العالم لقادتهم وعلى رأسهم الرئيس عبدالفتاح السيسى، وسمعوا بآذانهم أصوات المصريين المرددة للأغانى الوطنية. اجتمع المصريون دون حشد من الأحزاب ولا من السياسيين ولا من الوجهاء، اجتمعوا على حب الوطن فى عفوية شديدة، كما شاهدوا تهافت ادعاءاتهم وسخرية المصريين منها -كما يسخر الصبية من «عبيط القرية»، فكان يوم الافتتاح يوم وفاة الجماعة الإرهابية، ولم يبقَ إلا الإعلان ومراسم الدفن.
المعارك التافهة آخر ما فى يد «الإرهابية»
اعتادت الجماعة على خوض معارك كبيرة، فخاضوا معارك ضد الوطن بمؤسساته لإشعال حرب أهلية لمجرد استعادة الحكم الذى أزاحهم عنه الشعب المصرى فى 30 يونيو 2013، حاولوا تقسيم الدولة ووضعها فى مأزق دولى بمحاولة اختطاف «مرسى» لتصبح فى مصر جهتان، تدعى كل منهما أن الشرعية لها، وبالتالى تنشب حرب أهلية تأكل اليابس والأخضر، ففشلوا فى تلك المهمة ليقظة القوات المسلحة ولجسارة قائدها الذى تحمل ومع رفاقه كل النتائج لو أن مهمته فشلت لا قدر الله، انتهت معركتهم بمأساة، وأعلم عن يقين أن بعضهم فقد اتزانه بسببها، فقد ملأهم خطب الإخوان من على منصة «معسكر رابعة» المسلح بالغرور، وأوهموهم بأنهم منتصرون لا محالة، فانهزموا شرّ هزيمة.
بعدها اختاروا معارك أقل أهمية بالنسبة لهم، لكنها أكثر خطورة على الدولة والشعب المصرى، فأداروا معارك ضد قواتنا المسلحة فى سيناء، ونفذوا العديد من عمليات الاغتيال التى طالت رجال القضاء والشرطة والجيش، بالتزامن مع محاولات تحطيم الروح المعنوية لرجال الشرطة والجيش بالرسائل التى وجهها إعلام الجماعة الإرهابية، ثم فشلوا أيضًا.
ثم خاضوا معارك متوسطة لكنها قاسية وتسبب ألمًا للشعب المصرى، مثل: (اشتباكات مدينة نصر، والمطرية، والإسكندرية، وأحداث جامعة الأزهر، وجامعة القاهرة، وجامعة عين شمس، واقتحام أقسام شرطة فى كرداسة وغيرها، وأحداث حلوان، وعرب شركس، ومدينة أكتوبر، واقتحام الكنائس وحرقها وتفجيرها)، خاضوا هذه المعارك على أمل أن تتسبب فى غضب شعبى، لكن الله أفشل مخططاتهم، ولم يتحقق لهم أى مكسب.
ثم خاضوا معركة أقل، لكنها لتكسير مفاصل الدولة وتحطيم البنية التحتية، فكانت التفجيرات لمولدات الكهرباء، ولأعمدة الضغط العالى، ومحاولات لتفجير القطارات ووضع قنابل على شريط السكة الحديد، وإغلاق الطرق الرئيسية وقطعها، وتفحير أكشاك الكهرباء، وتحطيم ماكينات الصرافة، وفشلت تلك المعارك كسابقتها.
ثم خاضوا معركة إحباط للشعب والتشكيك فى كل –وأى- إنجاز، وأطلقوا الشائعات حول قناة السويس، شهادات قناة السويس، وتشييد الكبارى والطرق الحديثة، وشراء الأسلحة الحديثة وتحديث القوات المسلحة، وفشلوا أيضًا فى هذه المعركة، وظلت الدولة المصرية منارة عالية مستمرة فى مشاريعها النهضوية، لا يضرها عواء مَن يعوى عليها، ولا مَن يقذفها بالحجارة.
فانتقلوا إلى معارك أقل مستوى، فحاولوا تحريض الشارع المصرى للنزول لمظاهرات ضد الغلاء وارتفاع الاسعار، ففشلوا فشلًا ذريعًا، نظرًا لوعى المواطن بحقيقة أهدافهم وأغراضهم، رغم أن الأحوال الاقتصادية لم تكن على ما يرام، والجماعة بكل خسة ونذالة راهنوا على صبر المواطن محدود الدخل، فأذهلهم بصبره وحبه للوطن بلا حدود.
ثم انتقلوا لمستوى أقل من المعارك، فاستغلوا الحرب الإسرائيلية على غزة، وحاولوا أن يلصقوا التهم بالدولة المصرية، ويصرفوا الأنظار عن المجرم الحقيقى المتسبب فى الدمار والخراب فى القطاع والمتسبب الأول فى المجاعة وتشريد أكثر من مليون فلسطينى، و150 ألف مصاب، وما يزيد على 50 ألف شهيد ففشلوا، فالفلسطينيون أنفسهم هم مَن وجه الشكر لمصر على موقفها من القضية الفلسطينية.
ثم انتقلوا لمعارك أقل، مثل تمثيلية إغلاق السفارات، تحت الزعم أن مصر هى التى تحاصر الفلسطينيين، ففشلوا نظرا لوعى المواطن العربى، وعلى وجه الخصوص الفلسطينيون، سواء فى الخارج أو بالداخل الذين أثنوا على موقف مصر، قيادة وشعبًا.
باتت الجماعة تنتقل من فشل إلى فشل، ومن هزيمة إلى هزيمة، من معارك كبيرة إلى معارك تافهة، حتى وصلنا إلى قاع القاع، واختارت الجماعة الإرهابية المعارك التافهة لتخوضها، على أمل أن تصيب هذه المرة وتتمكن على الأقل من وقف طوفان المحبة أو التشويش على الاحتفال، فربما يأتى يوم وتستعيد خسائرها، ولكن الجماعة لا تتعلم من التاريخ، ولا من أى تجربة، وكيف يتعامل عناصر «الإرهابية» وهم بالأساس عملاء لجهات أجنبية؟
ومنذ متى والعميل من حقه أن يتوقف عن العمل؟، العميل لا يملك إلا أن ينفذ ما يأمره به سادته، وقد سبق أن حصل على المقابل ليقوم بكل ما يطلب منه، ولأنهم عملاء فهم بلا ضمير، المثير للسخرية أنهم بلا عقل أيضًا، من يتابع نشراتهم التى حاولوا أن تبدو عميقة، فسيكتشف أنها هذيان وتثير السخرية والشفقة.