من المقرر أن يلتقى الرئيسان السيسى وترامب على هامش منتدى دافوس.. فما أبرز الملفات المطروحة على الطاولة؟
كما هو معلوم، طُرح فى أكثر من مناسبة عقد لقاء بين الرئيس السيسى والرئيس ترامب فى واشنطن، إلا أن الرئيس السيسى أغلق الباب أمام ذلك عندما تصاعد الحديث الأمريكى عن تهجير الفلسطينيين من غزة، وتحويل القطاع إلى ما وصفه ترامب بـ«ريفييرا»، وهو ما دفع الرئيس إلى عدم تلبية الدعوة.
وفى مناسبة أخرى، طُرحت فكرة لقاء ثلاثى يضم الرئيس السيسى والرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، إلا أن الرئيس السيسى لم يوافق على هذا المقترح أيضًا.
على الجانب الآخر، شهدنا لقاءً بين الرئيسين فى شرم الشيخ لتوقيع المبادرة الأمريكية الخاصة بالتعامل مع المرحلة الانتقالية فى غزة، كما أُعلن مؤخرًا عن تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، وهى خطوة متقدمة تؤكد الدور المصرى المحورى فى هذا الملف.
ومن ثم، أعتقد أن لقاء دافوس سيكون بمثابة بداية لوضع النقاط فوق الحروف، خاصة أن الخبراء والدبلوماسيين المشاركين يعكفون حاليًا على بحث عدد من الملفات، من بينها «مجلس السلام» بشأن غزة، الذى يترأسه ترامب، وربما يكون الرئيس السيسى أحد أعضائه بناءً على دعوة ترامب.
كما يُرجح أن يدور النقاش فى دافوس حول كيفية توظيف هذا المجلس لقيادة عملية تبدأ بوقف الحرب بشكل نهائى، ثم الانتقال إلى إعادة إنعاش غزة، وصولًا إلى إطلاق مسار أوسع للتسوية السياسية للقضية الفلسطينية، بما يضمن قيام دولة فلسطينية تعيش جنبًا إلى جنب مع الدولة الإسرائيلية فى سلام واستقرار.
وبالتأكيد سيتم التطرق إلى عرض ترامب الوساطة فى ملف سد النهضة، وسبل تعزيز التعاون بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين. وفى تقديرى، فهذه أبرز الملفات التى ستُطرح للنقاش خلال لقاءات دافوس.
ما قراءتك للخطاب الذى وجهه ترامب للرئيس السيسى وعرضه الوساطة مجددًا فى ملف سد النهضة؟
الخطاب تأكيد على الدور المصرى الكبير فى قضية غزة، وترامب يوجه رسالته لنا وللعالم كله مفادها «أمريكا أولاً»، وأنه يعمل دائمًا لصالح الولايات المتحدة، وهو ما يتوقع من أى رئيس يسعى لتعزيز مصالح بلاده، وبالتالى يحول هذا المبدأ إلى مسألة أيديولوجية سواء داخليًا أو خارجيًا، ولا ننسى أن ترامب فى حملته الانتخابية أدرج ضمن الملفات التى يريد التدخل فيها قضية سد النهضة، وهو يسعى الآن لإعادة فتح هذا الملف.
وبالتالى أرى أننا نتعامل مع ترامب كرئيس مختلف تمامًا عن أى من الرؤساء السابقين منذ جورج واشنطن حتى بايدن؛ فهو حالة خاصة ومستعد للعمل على قضايا متعددة ومتداخلة، ويهتم الآن بملف سد النهضة بجانب الكثير من القضايا الدولية مثل فنزويلا ومجلس السلام بغزة، وجرينلاند.
ما الذى يمكن أن يفعله ترامب فى ملف سد النهضة، وهل يملك أوراق ضغط على إثيوبيا؟
دائمًا يكون تحرك «ترامب» فى حدود المصلحة الوطنية الأمريكية فى هذا الشأن، فهو يرى أنه من مصلحة الولايات المتحدة والعالم ألا يحدث نزاع مسلح، وأحيانًا يضع القضية المصرية الإثيوبية ضمن الملفات التى يسعى لتحقيق السلام فيها، لكن المفاوضات السابقة لم تُفض إلى توقيع اتفاق، ومن هنا علينا استغلال الفرصة الحالية لضمان أن تكون هناك هذه المرة اتفاقية رسمية وواضحة تتعلق بالحق فى إدارة مياه نهر النيل بطريقة تفيد جميع الأطراف، وبالذات خلال فترات الجفاف.
ملف المياه دائم الحضور بأجندة المباحثات «المصرية _ الأمريكية» وسبق أن أدارت واشنطن مفاوضات عام 2020، ما الجديد الذى يمكن توقعه؟
الولايات المتحدة سبق أن أدارت مفاوضات فى هذا الملف، وتم التوافق خلالها على عدد من المبادئ الأساسية، وإن كان ما جرى الاتفاق عليه لم يكن واضحًا للرأى العام فى كثير من الأحيان، رغم أنه كان مُعلنًا وقتها، وجوهر هذا التوافق كان يدور حول كيفية التعامل مع فترات الجفاف، سواء الجفاف القصير أو الجفاف الممتد، فالجفاف القصير وهو الذى يستمر عادة عامًا واحدًا ثم تعود معدلات الأمطار إلى طبيعتها وهذا لا يمثل أزمة حادة بالنسبة لمصر، فى ظل وجود خزان السد العالي، إضافة إلى خزان توشكى، الذى يمد بحيرات توشكى، ما يجعل هذا السيناريو قابلًا للإدارة.
أما التحدى الحقيقى فيكمن فى سيناريو الجفاف طويل المدى، وهو ما يُعد الاحتمال الأكثر خطورة بالنسبة لمصر، شبيهًا بما يُعرف تاريخيًا بـ«السنوات العجاف» ففى هذه الحالة لا يكون الاحتياطى المائى كافيًا، ويصبح من الضرورى وجود التزام واضح من دولة المنبع بحدود معينة للتصرفات المائية، بما يراعى احتياجات دولتى المصب، السودان ومصر.
هذا التوافق تم التوصل إليه بحضور الولايات المتحدة والبنك الدولى، وكان من المفترض أن تضطلع هاتان الجهتان بدور فاعل فى ممارسة الضغوط اللازمة على إثيوبيا للتوقيع على الاتفاق، وفى الوقت الراهن، لا توجد أزمة فورية لكن أى حاكم لمصر منذ عصور الفراعنة يدرك أن مسئوليته الأساسية هى ضمان تدفق المياه، ليس فقط للأجيال الحالية وإنما أيضًا للأجيال القادمة.
قبل أيام تم الإعلان عن مجلس السلام والمجلس التنفيذى لغزة، ماذا يمكن أن تقدمه تلك المجالس؟
الآن هناك مجلسان، ودول موجودة ضمن مبادرة السلام الخاصة بترامب، وهذا هو جوهر المرحلة الثانية؛ لأنه من الواضح أن هناك تواؤمًا تم مع حماس بشأن موضوع الأسلحة، بما يتعلق بالتأجيل الزمنى والأسلحة الثقيلة، وكيفية توزيع السلاح بطريقة معينة، بمعنى وجود آلية تجعل حماس تتجنب استخدام السلاح أو توقفه بطريقة ما، فهذه القضية تظهر أن ترامب غالبًا ما يخفى بعض التفاصيل ويعلنها لاحقًا، خاصة ما يتعلق بقوة الاستقرار داخل غزة، فهناك حاجة ماسة لتوفير ظهير أمنى للجنة الثانية التى تتولى إدارة غزة، بما يعنى توفير وسائل العيش وبدء عملية التعافى.
هذا الشهر مر عام على تولى ترامب رئاسة أمريكا، وشهدت العلاقات بين واشنطن والقاهرة نوعًا من الشد والجذب فى بداية حكمه، كيف تنظر إلى اللحظة الراهنة فى العلاقات بين البلدين؟
فى تقديرى، العلاقات مع الولايات المتحدة جيدة، وهناك خطوط اتصال قائمة وتفاوضات مستمرة، ويمكن القول إن العلاقات متوازنة، وحتى فى أوقات اختلاف وجهات النظر ظل البلدان يسيران فى مسارات ذات طبيعة إيجابية بشكل عام.
تطرق لقاء الرئيس السيسى مؤخرا مع مستشار ترامب لمستجدات الأوضاع فى السودان، ماذا يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لإنهاء الحرب هناك؟
الولايات المتحدة سبق أن أعلنت مبادرات ولم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، وبالتالى يظل التساؤل: ما الذى يمكن أن تقدمه الآن بشكل مختلف؟، من وجهة نظرى فإن قضية السودان هى بالأساس قضيتنا نحن، وقضية العالم العربى، مثلها مثل اليمن وليبيا، وغيرها من الدول التى لم تنج من تداعيات ما سُمى بـ«الربيع العربى»، وتعيش أوضاع انقسام حاد، بعضها يحاول إنهاء هذا الانقسام بالعنف كما فى الحالة السورية، وبعضها بوسائل أقل عنفًا فى مناطق أخرى.
وأود هنا أن أوضح أننى من أنصار الرأى القائل إن الولايات المتحدة غالبًا ما تتدخل فى القضايا الإقليمية بطريقة تُعقدها أكثر مما تُسهم فى حلها، خصوصًا فى ظل قيادة ترامب، فهو يميل إلى خلق أزمات حتى فى أماكن لا تعانى أصلًا من مشكلات حقيقية؛ يكفى النظر إلى ما يحدث بشأن جرينلاند، رغم وجود قاعدة عسكرية أمريكية هناك، ورغم أن الولايات المتحدة عضو فاعل فى مجلس القطب الشمالى.
ما الذى تريده واشنطن من جرينلاند؟
جرينلاند جزيرة شبه خالية من السكان ولا تمثل أزمة سياسية، لكن الاهتمام الأمريكى بها يرتبط فى تقديرى بالسعى الدائم وراء الموارد الطبيعية، لاسيما المعادن النادرة، وهى موجودة فى جرينلاند، كما فى فنزويلا وأوكرانيا، وبالتالى فتدخلات الولايات المتحدة غالبًا ما تكون مدفوعة بما يمكن أن تحققه من مكاسب، سواء نفط أو معادن استراتيجية، وليس انطلاقًا من معالجة حقيقية للأزمات القائمة على الأرض.
ما مدى المساهمة الإيجابية لواشنطن فى ملف السودان؟
بالنسبة للسودان تحديدًا، فإن الدور الأمريكى يظل فى إطار الوساطة ونقل الرسائل، لكنه لن يكون الدور الحاسم، وبالتالى العمل الجاد والفعلى لإنهاء الأزمة يجب أن ينطلق من داخل الإقليم نفسه.
إذا انتقلنا إلى الأزمة الراهنة فيما يخص إيران، ما رؤيتك للموقف الراهن وهل التوتر مرشح للتصعيد أم للاحتواء؟
إذا طرحنا سيناريو التصعيد، فالسؤال المنطقى يصبح: من أين سيأتى؟ وإذا تحدثنا عن الاحتواء، فمن الجهة القادرة على ممارسته؟، وأنا أرى أنه حتى الآن لا توجد آلية واضحة لا عبر منظمة دولية ولا من خلال إطار إقليمى، يمكن أن تتولى احتواء الأزمة، ويرجع ذلك فى المقام الأول إلى أن الملف الإيرانى شديد التعقيد، ويُنظر إليه باعتباره تدخلًا فى الشئون الداخلية لدولة ذات سيادة، فلا توجد جهة تستطيع أن تطالب الإيرانيين، على سبيل المثال، بتقديم تنازلات داخلية لامتصاص غضب الشارع وتفادى التصعيد.
فى المقابل، من الواضح أن الولايات المتحدة، فى ظل قيادة ترامب، تسعى إلى فرض نوع من «الحماية» على الشعب الإيرانى، مستخدمة أدوات ضغط متعددة، فقد بدأت باتخاذ إجراءات غير عسكرية، أبرزها فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25فى المائة على الدول التى تقيم علاقات تجارية أو اقتصادية مع إيران، كما أوقفت واشنطن اتصالاتها مع طهران بشأن الملف النووى، ما يعكس تشددًا واضحًا فى الموقف الأمريكى، وحتى الآن لا يبدو أن هناك جهة قادرة على كبح جماح الرئيس ترامب، خاصة فى ضوء وعوده السابقة للمتظاهرين الإيرانيين بأن «المساعدة قادمة سريعًا»، وهى رسالة حملت فى طياتها تهديدًا مبطنًا بإمكانية اللجوء إلى القوة.
وهل تتدخل واشنطن عسكرياً؟
النقاشات التى دارت داخل الولايات المتحدة لم تقتصر على خيار التدخل العسكرى المباشر، بل شملت بدائل أخرى، مثل شن هجمات سيبرانية تستهدف البنية الرقمية للنظام الإيرانى، أو تصعيد العقوبات الاقتصادية، لاسيما تلك المتعلقة بحركة الأموال الإيرانية، وبالتالى تتعدد أشكال الضغط الممكنة على إيران، لكن ما نراه حتى الآن هو تصاعد فى كثافة المظاهرات، يقابله بحسب ما أعلنته الولايات المتحدة انخفاض فى معدل القتلى اليومى، وهو ما قد يُفسّر على أن التهديدات الأمريكية بدأت تُحدث أثرًا ما لدى القيادة الإيرانية.
وفى تقديرى، فإن الموقف يشبه «جذوة نار» لم تنطفئ بعد، لكنها فى الوقت نفسه لا توحى بأن شرارتها ستنتشر على نطاق واسع فى المدى القريب.
وزير الخارجية المصرى أجرى اتصالات مكثفة لخفض التصعيد فى المنطقة، ما طبيعة الدور الذى تلعبه القاهرة فى هذا الإطار؟
الإشكالية الأساسية أن أزمات المنطقة مترابطة ومتشابكة، بحيث يصعب فصل ملف عن آخر، وفى هذا السياق تقوم مصر بالفعل بدور محورى، لاسيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية سواء على صعيد الوضع الإنسانى فى غزة أو جهود إعادة الإعمار، أو المفاوضات الرامية إلى تهدئة الأوضاع بين حماس وإسرائيل، وهى جهود كبيرة وممتدة لا يمكن التقليل من شأنها.