احتفلت الطريقة العزمية الأسبوع الماضى بمولد شيخها ومؤسسها الإمام محمد ماضى أبو العزائم، الذى ولد وانتقل فى 27 رجب، ذكرى الإسراء والمعراج، وتبارى دعاة العزمية من علماء الأزهر، وغيرهم فى تبيان وكشف سمات فكر الإمام، ومحاربته للاحتلال الإنجليزى فى مصر والسودان، وأنشدت فرقة العزمية مواجيد من شعره، أقيم الحفل تحت رعاية شيخ الطريقة علاء الدين ماضى أبو العزائم، وبحضور أبناء الطريقة من كل ربوع مصر ومن خارجها.
ويرجع احتفاء المصريين بالموالد المختلفة وترددهم عليها من مختلف المحافظات، وقطع المسافات الطويلة من أجل حضور احتفالاتها يرجع إلى محبة الأولياء، وهناك قول مشهور يجسد هذه الحالة وهو «مصر سنية المذهب شيعية الهوى»
يقول شيخ الطريقة العزمية علاء أبو العزائم إننا لا نحتفل بمولد أو مؤسس للطريقة العزمية، بل نحتفل بإمام جامع، والإمامة أعلى من الخلافة، ومواقف الإمام أبو العزائم تجل عن الوصف خاصة فى مقاومة الاحتلال الإنجليزى لمصر وللسودان، ولما صدر وعد بلفور المشئوم سنة 1917م، أصدر الإمام فتواه ضد بيع الأراضى فى فلسطين لأى قادم صهيونى، وقال:( كل من يبيع شبرا لليهود خرج من الملة، وتطلق منه زوجته، وتسحب أولاده، ولا يدفن فى مقابر المسلمين)، ونشرها فى مجلة (المدينة المنورة) التى كان يصدرها، ونشرتها الصحف آنذاك.
وحين ألغيت الخلافة الإسلامية فى تركيا، حاول الملك فؤاد أن يرشح نفسة خليفة، فرد عليه الإمام أبو العزائم بأنه لا يصلح وبلده محتلة، ولا يمثل الشعب المصرى ولا الأمة الإسلامية، وأسس الإمام جمعية الخلافة الإسلامية، وانعقد أول مؤتمر لها فى مكة سنة 1926م، ومثل الإمام الشعب المصرى، وخطب خطبة عرفات فى موسم الحج آنذاك، وفشل المؤتمر لأن قوى الاحتلال الغربية وقفت ضد الفكرة، وانتقل الإمام فى سنة 1937م بعد حياة حافلة بالجهاد بالقلم والفكر ونشر علوم الشرع.
وفى عهد خليفته الأول (أحمد ماضى) تكونت (الكتيبة العزمية) وحاربت ضد إسرائيل فى سنة 1948م، وكانت مكونة من أبناء الطريقة، وأكد ذلك الفريق سعد الشاذلى فى حوار تليفزيونى مسجل، وقال إنهم وصفوها بكتيبة الدراويش، وتصدى أبو لنشر تراث وعلوم جدى، وحين قامت ثورة 23 يوليو 1952م كنا فى طليعة الصف الوطنى، وخلف أخى الأكبر (عز الدين) والدنا، وكان بمثابة أبو، وظل شيخا للطريقة 24 سنة، وكان يحذر من (الإخوان والسلفية والوهابية) وأصدر ثلاثة كتب للتحذير منهم، ومع ذلك كان يسافر للحج ولا يخشى أحدا، ويقول:( إللى معاه جده محدش قده)، وكان قويا فى الحق، ومبدؤه(قل كلمة الحق ومت، تكسب رضا الله بدلا من سخطه) .
ثم توليت زمام الطريق من بعده، ورغم أنى ولدت بعد انتقال جدى الإمام بست سنوات إلا أننى عاصرت أبى وأخى وكل المشايخ الكبار الذين عاصروا الإمام، مثل العلامة محمد طاهر مخاريطة، وكان من تلاميذه الراحل د.نبيل فوزى، فقام بوضع كتاب (خاتم الوراث المحمديين) فى سيرة الإمام أبو العزائم، وكونت لجنة من كبار المحبين(الشيخ قنديل وشوشة وسميح وسامى قطب ومحمد أبو الخير وعبدالسلام) وغيرهم، وقالوا إنه أروع ما كتب عن الإمام وإنه جامع لكل شيء فطبعناه.
وأذكر أن أبى رحل وعمرى 24 سنة، وعاش 75 سنة، منها 57 سنة زوجا ورب أسرة، لم أره يوما وقد علا صوته، لم يضربنا، ولم يختلف مع أمى، ولم يغضبها، وهكذا درجنا على معاملة زوجاتنا، وإنى أذكر هذا الكلام لأدعوكم لحسن معاملة زوجاتكم، لقد اكتشفت أن الحب أجمل شيء فى الوجود، أن تحب زوجتك وأولادك وأصحابك وجيرانك وعملك ووطنك ودينك، وحين أرى المحبة فى عيونكم أفرح، فما أتى بكم غير المحبة، وأتذكر أن زوجتى أصابها فشل كلوى، وبعد أربعة أيام خرجت من المستشفى وقالت: (ربنا خفف عنى بدعاء الأحباب لى)، فنحن نعيش بالحب، ونجحنا فى طبع عشرات الكتب للإمام ولأبناء الطريقة، وعقدنا عشرات المؤتمرات، ونوالى إصدار مجلتنا الشهرية، كل ذلك بمحبة أبناء الطريق، وبالعمل الجماعى، وأعمل بنصيحة الحاج أحمـــد أبو الخير: (استشر الأحباب فى كل خطوة)، والحمد لله.
وتحدث د.الحسينى المعاملى الخطيب بالأوقاف وأحد أبناء الطريقة العزمية، والحاصل على الماجستير فى جهود الإمام أبو العزائم فى السيرة النبوية فقال:
شاءت الإرادة الإلهية أن أعد رسالة الماجستير حول (سيرة النجاة) التى كتبها الإمام أبو العزائم عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تحت إشراف د.أحمد عمر هاشم، وبدأت بفصل عن (النور المحمدى كأصل الكائنات)، وفصلت أن سيدنا محمداً يجب ألا ننظر إليه كبشر فقط، فهو بشر نعم، ولكن فيه الجانب النورانى، فجمع بين (البشرية والنورانية)، ولذلك قاــــل الإمــــام فى مدحــــه للمصطفـــى: (على قدرى أصوغ لك المديحا – وربى قد صاغه حقا صريحا)، وفصلت الاهتمام بتزكية النفس فى المرحلة المكية، وبناء العقيدة الحقة، ثم المعاملة الحسنة، ثم الأخلاق الفاضلة، لتكون ثمرة كل ذلك فى العبادة الخالصة لله تعالى، فمراتب التربية تتدرج، هكذا فهمنا من الإمام أبو العزائم، وعرفنا أن مواجيده الشعرية ليست مجرد قصائد بل تحتوى شرعا وحكما، فقد انفرد بذكر الحكم من السيرة النبوية، وكشف عن جوهر التربية الشمولية التى ربى بها النبى أصحابه، فجعل من رعاة الغنم سادة وملوكا وقضاة وعلماء، وبينت أن الإنسان محط نظر الرسول ثم الإمام والأئمة من بعده، لبناء الإنسان القدوة، كما دفع الإمام شبه المستشرقين عن السيرة النبوية، مثل حادثة الإفك، وكشفت أهمية الشيخ المرشد المربى، وفرقت بين معرفة الحكم، ومعرفة الحكمة منه، فمعرفة الحكم الشرعى تؤدى لقسوة بعض القلوب، ومعرفة الحكمة منه تؤدى لرقة وترقية القلوب.
ثم جاءت رسالتى للدكتوراه عن الإنسان والكون فى ديوان الإمام أبو العزائم، وهو أكبر ديوان فى الشعر العربى، ويفوق العشرة مجلدات، بحضور د.محمد الجندى أمين مجمع البحوث الإسلامية، ود.محمد أبو هاشم، وقال لى أكثر من عالم أزهرى: ( لابد من نشر علوم الإمام فلا تحبسوها، وإنه آن الأوان لتدريس كتاب :بشائر الأخيار فى مولد المختار لأبو العزائم، كما ندرس كتاب :الشفا للقاضى عياض).
وهذا ما ذكره مفتى الديار المصرية السابق د.شوقى علام حين حضر مناقشة رسالة د.عمرو مسلم عن الإمام أبو العزائم، فى جامعة طنطا، فقال :(إنها رسالة نالت قدسيتها من شخصية الإمام أبو العزائم)، يذكر أنه نوقشت للآن 22 رسالة ماجستير ودكتوراه حول مؤلفات وكتب الإمام أبو العزائم. وتحدث الشيخ قنديل عبدالهادى من خطباء الطريقة، وصاحب كتاب (سيرة تنبئ عن مسيرة)، فقال:
إن الأئمة هم الروح للجسد، وهم خلفاء رسول الله فى الأمة، وسرج الدنيا، ومصابيح الآخرة، وكما حفظ الله الأمة برسولها ( اعلموا أن فيكم رسول الله)، حفظها بالأئمة لقول الرسول:(إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها)، ولدعوة الإمام على:(اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بالحجة، ظاهر مشهور، أو قائم مستور)، ومن أولى مهام الإمام تربية الشخصية، وكان أبو العزائم مربيا لمريديه نفسيا وعقليا وروحيا.
وأذكر أن الإمام أبو العزائم ألقى درسا مرة فى بلدة بها الشيخ محمد صبيحى، ولما علم الأخير بذلك أعد ورقة بها سبعة أسئلة معجزة ليكشف بها الإمام، فلما دخل المسجد نزل له الإمام عن مقعد الدرس احتراما، فأبو الشيخ صبيحى فواصل الإمام درسه وأجاب عن الأسئلة السبعة التى جاء بها صبيحى دون أن ينطق بها، وكان الشيخ صبيحى صاحب دكان لبيع معادن وأدوات من النحاس والحديد، وكان مشغولا بالذهب، وسأل الإمام وألح فى معرفة تحويل المعادن إلى ذهب، فقال له الإمام : (اذهب وافتح محلك باسم الله)، فذهب فوجد كل البضاعة تحولت إلى ذهب، وجاءه الناس للشراء فامتنع، واتهمه الناس بالجنون، لأنه يراها ذهبا، وهم يرونها حديدا ونحاسا، فرجع للإمام تائبا، فقال له:( يابنى إن كيميائيتنا تقوى الله وبركته، يا بنى الخاسر من كان طلب الفضائل إليه أهم من أداء الفرائض)، وضرب الإمام مثلا بالصحابى سعيد بن المعلا، كان يصلى النافلة والرسول ينادى عليه، فلم يجبه، فلما فرغ قال له الرسول:ألم تسمع قول الله تعالى:(استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، وصحح له فهمه الخاطئ.
وتحدث د.إسلام صبرى النجار، من أبناء الطريقة العزمية، وحاصل على درجتى الماجستير والدكتوراه فى فكر الإمام أبو العزائم من قسم الاجتماع بجامعة القاهرة، فقال:
هناك ثلاث دوائر كما أخبرنا الإمام، هى الكون والإنسان والقرآن، ولكل دائرة ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالكون كتاب الله الظاهر، وقال (الكون رمز لكنز إن فك لك وجدته أنت)، فالإنسان هو الحقيقة، والكون صورة له، والإنسان رمز لكنز، وهو القرآن، فالمجمل هو الإنسان، والمفصل هو القرآن، والإنسان معنى أولا فى الخلق الأول، ثم مبنى، وبه خمس حقائق أساسية، تتفرع عنها 99 ألف حقيقة، وتدرج من نشأة روحانية، إلى نشأة كونية مع خلق آدم، فنفخ الله فيه من روحه، ثم سجدت الملائكة للروح فيه، وهنا حمل الأمانة، وهى كما قال الإمام :(هى ما فيك من أوصاف باريك، فليست منك ولا فيك)، وارتقى الطين، وكما قال: (طين سما حتى سجد له العلا)، ونقد الإمام (نظرية دارون) فى نشأة الخلق، وقال إن الإنسان يمر بخمسة أوطان: الوطن الأول فى عالم الذر يوم (ألست بربكم)، ثم عالم البطون والأرحام للتصوير، ثم وطن الدنيا للتكليف والتعريف، وفيها يحيا الإنسان حياة روحية قدسية أو إبليسية، ثم وطن البرزخ بالموت، وأخيرا وطن الدار الآخرة، حيث الجزاء جنة أو نارا. وفى الدكتوراه تناولت قضايا الإصلاح الاجتماعى عند الإمام أبو العزائم، لتحويل الشخص المسلم إلى صالح ومصلح.
وتحدث د.محمود محمد حسنين الأستاذ بالأزهر والحاصل على درجتى الماجستير والدكتوراه فى العلوم الزراعية، وقال:
إن الإمام تكلم فى علة تحريم لحم الخنزير سنة 1914م وقال بوجود دويدات صغيرة لا تموت بالنار ولا عند طبخ لحمه، وتنتقل لدم ولحم آكله فيمرض، كما كان أول من تكلم فى الذرة سنة 1906م وقال إنها تنقسم وليست أصغر شيء، وهذا ما أكده العلم لاحقا، وجعل د.مصطفى محمود يقول إن الإمام أبو العزائم كنز لم يكتشف بعد، وقال الإمام إن عالم النبات أكمل عقلا من عالم الإنسان فى نيل ضروراته، وقال فى كتابه (أسرار القرآن) إن حيوان السمندل لا تحرقه النار، وهذا يفيدنا فى حماية رجال المطافئ باستخدام المادة التى يفرزها هذا الحيوان تحت جلده، وقال:(الإنسان شجرة الرب، والنبات شجرة الإنسان).
وتحدث د.عبدالحليم العزمى الأمين العام للطريقة والحاصل على الدكتوراه فى الاقتصاد عن الزكاة عند الإمام أبو العزائم، واستفاض فى شرح العلاقة بين مولد وانتقال الإمام فى 27 رجب، وبين ذكرى الإسراء والمعراج.