ما حدث، أيًّا كان السبب الذى أدى إلى تسرب الغاز، فالأمر المؤكد أننا إزاء قضية خطيرة، وحدث أخطر.
ولا نريد الحكم بأن هذا التسرب نتيجة أخطاء فى سلوكيات التعامل البشرى مع مصادر الغاز، مثل إغلاق نوافذ الحمامات والتعرض للاختناق، لأن القضية أكبر من ذلك.
ولأن القضية أكبر من ذلك ولا نريد فيها توجيه الاتهام لأى طرف، سواء كان المستهلكين أو الشركات التى تنفذ مشروعات توصيل الغاز الطبيعى أو التى تبيع أسطوانات البوتاجاز.
وحينما أقول ذلك، لأن القضية مشتركة بين جميع الأطراف من مستهلكين وشركات تابعة لقطاع البترول أو تابعة للقطاع الخاص.
وقبل أن نتحدث عن مسئولية كل طرف فى قضية تسرب الغاز ينبغى أن نحتكم إلى الأرقام، فحتى الآن تم توصيل الغاز الطبيعى لنحو 16 مليون وحدة منزلية من المتوقع أن تزيد إلى ما هو أكثر من ذلك خلال السنوات القادمة، مع التوسع فى زيادة معدلات توصيل الغاز الطبيعى فى مشروع «حياة كريمة»، وتوصيل الغاز الطبيعى إلى بقية المدن بنحو 800 ألف وحدة منزلية فى عام 2026-2027.
وتلك الأعداد الضخمة التى أوشكت أن تتجاوز 17 مليون وحدة منزلية يصل إليها الغاز الطبيعى أصبحت تحتم ألا تقف مهمة شركات وزارة البترول عند توصيل الغاز الطبيعى والتشغيل فقط دون أن يلحق بذلك نشر أى وعى بين سكان الوحدات المنزلية التى وصل إليها الغاز الطبيعى، من خطط الطوارئ أو كيفية التعامل مع الغاز الطبيعى من منظور تحقيق الأمان أو التصرف عند حدوث أى خطر أو تسرب.
كل ما يحدث من قِبل هذه الشركات هو توصيل الغاز الطبيعى فقط، حتى أصبح الغاز الطبيعى ينتشر فى المدن والقرى فى معظم أنحاء الجمهورية، دون أن يعرف أصحاب هذه الوحدات التى وصل إليها الغاز الطبيعى، أرقامًا للتواصل فى حالة الطوارئ، أو حدوث تسرب للغاز الطبيعى.
وكان الأحرى فى ظل نشر حضارة الغاز الطبيعى فى أنحاء مصر المحروسة، أن تقوم الشركات بإنشاء مراكز للطوارئ فى كل قرية يصل إليها الغاز الطبيعى، وأن تكون هناك مراكز للصيانة الدورية للأجهزة التى تعمل بالغاز الطبيعى من منظور الأمان.
وأن يسبق ذلك عقد لقاءات أو ندوات مع أهل القرى التى يصل إليها الغاز الطبيعى، وكذلك الحال فى المدن.
ولا يحدث ذلك، بزعم أنه لا توجد عمالة كافية بسبب وقف التعيينات فى الشركات والاعتماد قليلا على العمالة المؤقتة، التى لا تحقق الأهداف فى نشر الوعى بكيفية استخدام الغاز الطبيعى والعمل على منع تسربه.
وإذا ذهبنا إلى أى قرية من القرى التى وصل إليها الغاز الطبيعى؛ فسنجد أن دور الشركة ينتهى عند عملية التوصيل والتشغيل فقط.
ومن قبل، قام قطاع البترول بإنشاء شركة صيانكو لكى تقوم بمهمة الصيانة لتوصيل الغاز الطبيعى للمنازل، لكن مهمة هذه الشركة تعثرت، وأصبحت مهمة الصيانة مفقودة، ولا توجد برامج حقيقية لتحقيق مهمة الصيانة للأجهزة التى تعمل بالغاز الطبيعى، أو حتى متابعة صيانة التوصيلات التى تصل إلى المنازل.
والمثير أن هذا يحدث فى وقت تتجه فيه الحكومة إلى التوسع فى توصيل الغاز الطبيعى إلى المنازل فى أنحاء الجمهورية، ولكن بكل أسف، دون وجود آلية فاعلة لتحقيق الصيانة الدورية أو حتى الصيانة العشوائية لمنع تسرب الغاز الطبيعى وتحقيق الأمان لهذا الوقود الحضارى.
وعقب كل حادث تسرب، تحاول بعض شركات التوصيل التابعة لوزارة البترول فى نشر فيديوهات توعية بأهمية الصيانة وكيفية تفادى تسرب الغاز الطبيعى، وذلك من خلال وضعها على الموقع الإخبارى لوزارة البترول أو على صفحات تلك الشركات، ولكن بكل أسف لم تحقق الهدف فى نشر الوعى بين المتعاملين مع الغاز الطبيعى لأن تلك ليست الوسيلة الجماهيرية التى تصل إلى المستهلكين فى الريف والمدن.
ومن ثم لا بديل عن أن تقوم الشركات بالتوسع فى إنشاء مراكز للصيانة فى المدن والقرى والمرور الدورى أو العشوائى على كافة الوحدات التى وصل إليها الغاز الطبيعى وتفعيل دور شركة صيانكو فى تحقيق الصيانة للوحدات التى تعمل بالغاز الطبيعى من قبيل الصيانة الوقائية لمنع تسرب الغاز الطبيعى وتحقيق الصيانة الدائمة لوصلات الغاز الطبيعى إلى الوحدات المنزلية.
وهذا يحتم التواجد الفعلى مع تزايد توصيل الغاز الطبيعى على مستوى الجمهورية وعدم الاكتفاء بالتوصيل والتشغيل فقط.
وعندما نقول ذلك، فلابد أن ندرك أنه عندما تنفق الدولة المليارات على توصيل الغاز الطبيعى للمنازل فلن يضيرها استمرار الإنفاق لإنشاء مراكز لتحقيق الصيانة فى الوحدات المنزلية التى وصل إليها الغاز الطبيعى، ولا سيما مع التوسع فى زيادة معدلات توصيل الغاز الطبيعى للمنازل والوحدات التجارية والمصانع.
ودون ذلك، فإن التوسع فى نشر الغاز الطبيعى للمنازل سوف يكون خطرًا على المصريين، ولا بد أن يقترن بالتوسع فى نشر الغاز الطبيعى وجود قاعدة قوية لتحقيق الصيانة على مستوى الجمهورية، حتى لا يكون الغاز الطبيعى وتسربه خطرًا على المصريين.
وعندما نركز على دور شركات وزارة البترول التى تقوم بتوصيل الغاز الطبيعى للمنازل فى عملية الصيانة؛ فهذا لأن السوق يشهد الآن نوعيات غير جيدة من السخانات والبوتجازات والتى يؤدى استخدامها دون وعى إلى زيادة معدلات تسرب الغاز الطبيعى، فضلا عن انتشار نوعيات من العمالة التى تعمل فى صيانة تلك الأجهزة دون كفاءة، الأمر الذى يؤدى أيضا إلى المزيد من تسرب الغاز الطبيعى.
ومع ارتفاع أجور هؤلاء العمال، تم إهمال عملية الصيانة للأجهزة التى تعمل بالغاز الطبيعى، وبالتالى زيادة الحوادث وتسرب الغاز القاتل.
إننا إذا كنا نريد الحفاظ على هذا المشروع الحضارى فى توصيل الغاز الطبيعى للمنازل وللمصانع والأنشطة التجارية، فلا بد أن يكون هناك مشروع قومى موازٍ لتحقيق الصيانة بقوة لكافة مرافق توصيل الغاز الطبيعى، بما فى ذلك تحقيق الأمان لشبكة أنابيب نقل الغاز الطبيعى فى جميع أنحاء الجمهورية.
ولا يعنى أننا نطالب الشركات بوجود آلية لتحقيق الصيانة، وتفعيل دور شركة صيانكو أن يتم تجاهل مطاردة المصانع التى تنتج أجهزة استخدام الغاز الطبيعى غير المطابقة للمواصفات، لأن كثيرًا من الحوادث قد كشفت عن أن تلك الأجهزة غير المطابقة للمواصفات تؤدى إلى الكثير من تسرب الغاز وحدوث الحرائق.
إذًا.. فقضية تسرب الغاز أصبحت متعددة الجوانب، ويبقى فيه جانب المستهلكين الذين لا بد أن نعمل على نشر الوعى بينهم فى كيفية التعامل مع هذا الوقود الحضارى، وهذا لن يتأتى إلا بالمزيد من التوعية الدائمة عبر وسائل التواصل الاجتماعى وبرامج التليفزيون والندوات بكيفية التعامل مع وقود الغاز الطبيعى فى المنازل.
وهذا ليس أمرًا صعبًا، ولا بديل عن أن يكون ضمن أولويات وزارة البترول ومحاسبة الشركات على هذه الأهداف، ليس انتظارًا لحادث تسرب جديد ولكن ليكون ذلك عقيدة عمل؛ حرصا على هذا المشروع الحضارى، وحفاظا على أرواح الموطنين.
ولا يختلف الأمر كثيرًا فى التعامل مع غاز أسطوانات البوتاجاز، والتى أصبحنا نستهلك منها نحو 300 مليون أسطوانة فى العام، فقد كشفت الحوادث عن أن أسطوانة البوتاجاز تمثل خطرا كبيرا فى تسرب الغاز، خاصة مع سوء التعامل فى تركيب هذه الأسطوانات من قِبل عمالة مدربة.
وبالفعل.. هناك كثير من الأفراد لا يتقنون تركيب أسطوانات البوتاجاز، الأمر الذى يؤدى إلى كثير من الحرائق، وتسرب غاز تلك الأسطوانات، ولا بديل عن أن يتم تركيب أسطوانات البوتاجاز من خلال عمالة أو أفراد مدربين.
لكن بكل أسف هناك عشوائية تحكم سوق أسطوانات البوتاجاز، وبالتالى كان الهدف من التوسع فى توصيل الغاز الطبيعى للمنازل هو حصار استخدام أسطوانات البوتاجاز؛ منعا للحوادث وتسرب غاز البوتاجاز.
وقد تحقق ذلك، باستثناء ما حدث مؤخرا فى انكماش معدلات توصيل الغاز الطبيعى للمنازل إلى نحو 500 ألف وحدة منزلية، بدلا من مليون وحدة سنويا.
ولا بديل عن الاستمرار فى التوسع فى توصيل الغاز الطبيعى للمنازل وحصار استخدام أسطوانات البوتاجاز، شريطة وجود قاعدة عاجلة لتحقيق الصيانة القوية لتوصيل الغاز الطبيعى للمنازل، حتى لا تزيد ظاهرة تسرب الغاز الطبيعى، كما كشف عنه حادث قرية ميت عاصم بمحافظة القليوبية الذى راح ضحيته خمسة أشقاء.