رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الصناعة المحلية.. ومعادلة «التوطين والتشجيع»


31-8-2025 | 16:44

.

طباعة
تقرير: منار عصام

«توطين الصناعة» و«جذب الاستثمارات الأجنبية»، جناحا نسر الاقتصاد المصرى خلال السنوات القليلة الماضية. وفى هذا الإطار، تحركت الدولة المصرية مؤخرًا باتخاذ العديد من الإجراءات التحفيزية والتشجيعية من أجل حثّ المستثمرين الأجانب والمصريين على ضخ استثماراتهم، فى ظل حالة الاستقرار الأمنى والسياسى التى تمر بها مصر منذ فترة طويلة.

وفى كل مناسبة، لا يفوّت الرئيس السيسى الفرصة دون التأكيد على ضرورة توطين الصناعات المختلفة فى مصر محليًا، مع نقل التكنولوجيا للمصريين من أجل الوصول إلى منتج محلى قادر على المنافسة فى الأسواق العالمية.

بداية، قال الدكتور محمد عبد الهادى، أستاذ الاقتصاد والتمويل فى الأكاديمية العربية المصرفية: إن الدولة المصرية خلال الفترة الماضية اتخذت مجموعة من الإجراءات الهامة لتوطين الصناعة وجذب الاستثمارات، منها - على سبيل المثال - التعديل الذى أقرّته الدولة فى الخريطة الاستثمارية، والتى بدورها تجذب الاستثمارات نحو الدولة المضيفة، بما يعنى أن كل دولة تحاول قدر الإمكان عرض خريطتها الاستثمارية مع توضيح مناخ الاستثمار فى الدولة من خلال تحديد القطاعات الهامة التى يجب الاستثمار فيها. وأفضل القطاعات التى ركزت عليها الدولة المصرية هو قطاع الطاقة، خاصة الطاقة النظيفة كـالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وأضاف «د. محمد» أن الدولة المصرية بدأت فى تدشين مبادرات من قبل البنك المركزى بأسعار فائدة منخفضة لتشجيع الاستثمار المباشر لضخ استثمارات داخل الدولة، فضلًا عن إتاحة «الرخصة الذهبية» بمزايا كبيرة للمستثمرين، والتى تتيح القيام بكافة الإجراءات التى يحتاجها المستثمر لإصدار التصاريح وتقنين أوضاعه من خلال «شباك واحد»، بعيدًا عن البيروقراطية التى تعكّر صفو المناخ الاستثمارى فى أى دولة. لذلك، فإن «الرخصة الذهبية» تعمل على تشجيع الاستثمار المباشر من خلال تبسيط وتيسير كافة الإجراءات اللازمة.

كما أوضح أن الدولة مؤخرًا اتبعت سياسة «المؤتمرات»، حيث تتم دعوة الدول وكبرى الشركات العالمية، وكذلك كبار المستثمرين من أجل عرض الفرص الاستثمارية المتاحة لدى الدولة المصرية. وبالفعل، أنتجت هذه السياسة اهتمامًا بالغًا من الصين بضخ استثمارات مباشرة فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الأمر الذى ساهم فى توطين الصناعة والتكنولوجيا داخل الأراضى المصرية فى العديد من الصناعات.

وأضاف أن الدولة المصرية عليها دور كبير فى جذب المستثمرين من أجل تكوين صناعة قوية، وذلك من خلال توفير حزمة إجراءات تحفيزية مثل طرح إعفاءات ضريبية وتوفير عدد من القروض الميسرة مع تخصيص أراضٍ صناعية بأسعار رمزية، وهو ما تحقق على أرض الواقع مع الصين، التى بدأت بالفعل فى توطين عدد من الصناعات محليًا.

ولفت «عبد الهادى» الانتباه إلى أن الفترة الماضية شهدت زيارة لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى إلى دولة اليابان من أجل تكرار التجربة الصينية وجذب استثمارات يابانية إلى الدولة المصرية، فضلًا عن تدريب الكوادر الشابة من أبناء الشعب المصرى، خاصة فى التكنولوجيا اليابانية المتميزة.

وأضاف أن «توطين التكنولوجيا والصناعة» ساهم بشكل كبير وإيجابى أداء الاقتصاد المصرى، فبجانب زيادة تدفق الأموال، فقد ساهم توطين الصناعة وجذب الاستثمارات فى تحسين مستوى أداء الجنيه المصرى أمام الدولار، وكذلك تقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج فى كثير من المجالات، ما يؤدى إلى توفير العملة الصعبة، مع تقليل نسبة البطالة بسبب المشروعات الصناعية المتعددة التى تنشأ جراء توطين الصناعة، إلى جانب زيادة الناتج المحلى الإجمالى للدولة المصرية.

وتابع: هناك الكثير من الصناعات المهمة التى أصبح إنتاجها محليًا وبأيدٍ مصرية، والتى انتشرت داخل السوق المحلى، كما توسعت الدولة المصرية فى تصديرها للخارج. ولكن، لا يزال أمامنا وقت حتى نستطيع منافسة الصناعات الأوروبية المتقدمة.

وشدّد أستاذ الاقتصاد والتمويل فى سياق حديثه على ضرورة زيادة الوعى لتغيير ثقافة المستهلك المصرى، حيث تتوارث الأجيال أفكارًا مغلوطة مفادها أن المنتج المستورد أفضل من المنتج المحلى، وهو اعتقاد خاطئ يحتاج من الإعلام التركيز على تصحيحه، مع العمل على تشجيع المنتج المحلي. كما يقع على الحكومة دور كبير فى توضيح مدى قوة المنتج المصرى وفاعليته عبر خطط تسويقية قوية ومناسبة للجمهور، وخاصة الشباب.

وأشار «د. محمد» إلى أن الدولة المصرية فى الآونة الأخيرة أطلقت عددًا من الاستراتيجيات التى تستهدف توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، والتى لا بد أن تؤتى ثمارها خلال الفترة الحالية، وبشكل أكثر وضوحًا خلال الفترة القادمة، وتحديدًا مع تحقيق رؤية مصر 2030.

ولفت إلى أنه ينبغى على الدولة المصرية خلال الفترة المقبلة أن تحدد صناعة بعينها يتم التركيز عليها من أجل توطينها والارتقاء بها وصولًا لأعلى مستويات الجودة العالمية فى الإنتاج، كما هو الحال فى العديد من التجارب حولنا، كتجربة دولة المغرب مع صناعة السيارات، وكما كان الحال فى الدولة المصرية فى أربعينيات القرن الماضى عندما كانت مصر معروفة عالميًا بصناعة القطن.

واختتم «د. محمد» حديثه بالتأكيد على ضرورة المضى قدمًا فى خطط الدولة نحو توطين الصناعة، باعتبارها المخرج الأساسى للنهوض بمعدلات النمو الاقتصادى بالدولة، وذلك عبر عودة شعار «صنع فى مصر» ورؤيته فى أكبر الأسواق الأوروبية والأمريكية.

وفى سياق متصل، أشار الدكتور ياسر شويتة، أستاذ القانون وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والتشريع، إلى أن «ملف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوطين الصناعة» هو أحد أهم الملفات التى تولى الدولة المصرية لها اهتمامًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وذلك لأن الاستثمار الأجنبى المباشر وتوطين الصناعة يُعدّ المحور الأساسى الذى سيحقق تنافسية عالية للاقتصاد المصرى، فضلًا عن أن الاهتمام بالاستثمار المباشر سيخلق عددًا كبيرًا من فرص العمل المباشرة للمصريين، ما ينعكس على معدلات الناتج المحلى الإجمالى للدولة المصرية، إلى جانب زيادة معدل الصادرات المصرية للخارج من المنتج المحلى.

وأضاف «شويتة»: لذلك قامت الحكومة المصرية بإصدار قانون الاستثمار لخلق بيئة أعمال مناسبة تهيئ أنسب الظروف لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وذلك بالإضافة إلى حالة الاستقرار السياسى التى تتمتع بها الدولة المصرية، والذى يُعدّ أحد أبرز العوامل التى ينظر إليها أى مستثمر أجنبى.

وأشار «د. ياسر» إلى أن الدولة المصرية تسعى مؤخرًا لتقليل الزمن اللازم لإنشاء الشركات، وذلك من خلال تبسيط الإجراءات الخاصة بهذا الصدد.

وأضاف أن «رؤية الدولة نحو الارتقاء بمستوى البنية التحتية الأساسية من شبكة طرق وموانئ بحرية وبرية وجوية ساهمت فى لفت نظر المستثمرين نحو الفرص الاستثمارية لدى مصر». كما توسعت الدولة فى خطط تطوير وسائل النقل بأنواعه المختلفة، باعتباره أحد العناصر الهامة التى تعتمد عليها حركة الصناعة والتجارة، سواء الداخلية أو الخارجية، ومن ثم جذب الاستثمارات وزيادتها داخل الدولة المصرية.

وانتقل «شويتة» بعد ذلك للحديث عن بعض «خطوات التوطين»، وقال: الدولة المصرية أصبحت تنشئ مؤخرًا المناطق الصناعية المختلفة، كـ«المنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، وكذلك مدينة «طربول»، فضلًا عن المناطق الصناعية الأخرى، مع توصيل المرافق الأساسية لها تمهيدًا لطرحها على المستثمرين. كما تقوم الدولة بتقديم «الرخصة الذهبية» للمستثمرين الأجانب، والتى تُعد أحد الحوافز المهمة التى دشنتها الدولة مؤخرًا من أجل تشجيع وجذب الاستثمارات الخارجية المباشرة.

كما أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا مؤخرًا بتطوير بنية الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهو أمر هام جدًا يساعد على جذب استثمارات ضخمة، خاصة فى هذا المجال. فدائمًا ما تنصب أعين المستثمرين الأجانب على شبكة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى الدولة محل استثماراتهم. لذلك، أطلقت «المنصة الاستثمارية» التى تجمع من خلالها كافة الفرص الاستثمارية المتاحة فى الدولة المصرية، ويستطيع أى مستثمر الاطلاع عليها.

وشدد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والتشريع على أن الدولة المصرية، من خلال قيادتها السياسية، ارتأت ضرورة أن يكون هناك منتج محلى يغنينا عن الاستيراد من الخارج، لذلك شرعت فى توسيع نطاق توطين الصناعات المختلفة. فرأينا المشروعات العملاقة فى مختلف القطاعات، فعلى سبيل المثال، أنشأت مدينة «سايلو فودز» لتوطين صناعة الغذاء، وكذلك التوسع فى توطين عدد من الصناعات العسكرية من خلال ترسانات القوات البحرية أو ترسانات هيئة قناة السويس، والتى يتم خلالها صناعة أساطيل المراكب الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، وكذلك صناعة الدواء عبر مدينة الدواء.

كما تتوسع الدولة مؤخرًا فى تحقيق شراكات صناعية مع كبريات الشركات العالمية من أجل نقل وتوطين التكنولوجيا والتصنيع. وليس هذا فحسب، بل تطمح الدولة المصرية لأن يكون هناك تدريب للكوادر البشرية المصرية من خلال هذه الشركات، من أجل نقل الخبرات والتقنيات، ومن ثم تطبيقها داخل مصر بالاعتماد فقط على العامل المصرى.

ودعا «د. ياسر» إلى ضرورة التوسع فى المبادرات التحفيزية والتشجيعية للمستثمرين الأجانب، من أجل ضخ استثماراتهم، مع استغلال تحسن الحالة الاقتصادية التى يشهدها الاقتصاد المصرى مؤخرًا، من تحسن سعر الصرف وتراجع معدلات التضخم وزيادة حجم الاحتياطى الأجنبى من العملات الصعبة.

ونوّه، فى الوقت ذاته، إلى «الاعتماد على المؤسسات الوطنية» كالهيئة العربية للتصنيع فى توطين التكنولوجيا الحديثة، كونها أحد أهم الكيانات الصناعية والتكنولوجية الكبيرة، يُناط بها مهام تنموية فى قطاعات البنية الأساسية والنقل والبيئة والطاقة والتصنيع. وبما تملكه من معامل اختبار على أعلى مستوى وكوادر بشرية مؤهلة فى مجالات عمل الهيئة، وفى ظل هذه المقومات، تستطيع الدولة المصرية توطين التكنولوجيا الحديثة فى مختلف مجالات عمل الهيئة، كأحد أكبر الكيانات الصناعية المملوكة للدولة، وهو من الخطوات المهمة من أجل توطين الصناعة المصرية.

الاكثر قراءة