رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اعتراف إسرائيل بـ «صوماليلاند» باطل


9-1-2026 | 14:30

.

طباعة
بقلـم: نجوان عبداللطيف

بعد 35 عامًا من إعلان جمهورية (صوماليلاند) انفصالها عن دولة الصومال، لم يقبل فيها المجتمع الدولى منح الشرعية لتلك الدويلة، قررت إسرائيل فى الرابع والعشرين من ديسمبر الماضى الاعتراف بجمهورية صوماليلاند أو (أرض الصومال).

 

العالم كله رفض الاعتراف بتلك الدويلة لا لشيء سوى الحفاظ على سيادة الصومال ووحدة أراضيه، المهدد بسبب الحرب الأهلية التى استمرت سنوات، وعلى الرغم من انتهاء هذه الحرب، وتحسن الأوضاع واستقرار الحكومة الحالية، فإن آثارها ما زالت تمزق أوصال الصومال، وتجعله مرتعًا للعديد من المنظمات الإرهابية، لم تقبل أى دولة فى العالم الاعتراف بجمهورية صوماليلاند طوال هذه السنوات، حتى إثيوبيا التى حاولت ذلك بعقد اتفاق قبل عامين (يناير 2024)، لم تستطِع المضى فى تنفيذه خوفًا من تبعاته.

لماذا اتخذت إسرائيل هذه الخطوة؟ ولماذا الآن؟ وهل هذا القرار يضر بالأمن القومى المصرى؟ وهل يشجع القرار الإسرائيلى إثيوبيا على اللحاق بها وتنفيذها لمذكرة التفاهم التى وقّعتها مع جمهورية صوماليلاند، التى تنص على الاعتراف بها مقابل منح إثيوبيا 20 كيلومترًا للإيجار لـ50 سنة كمنفذ بحرى لها على خليج عدن وإنشاء قاعدة عسكرية بحرية لها، وتطالب صوماليلاند من إثيوبيا بخلاف الاعتراف التشارك بنسبة 20 فى المائة فى مؤسسات إثيوبية تحديدا الطيران والاتصالات؟

فالحرب الأهلية فى الثمانينيات بدأت بانقلاب فصائل وقبائل على الرئيس سياد برى ونظامه الديكتاتورى (حكم أكثر من 20 عامًا) الذى أفقر البلاد ونشر الفساد ومارس الكثير من صنوف القهر والتعذيب وحوّل الدولة إلى النظام الشيوعى وحكم الحزب الواحد، وأثناء تلك المعارك تعرض شمال الصومال لتدمير هائل طال أكبر مدنها (هرجيسا) و(برعو) من قِبل قوات نظام سياد برى، الذى استهدف كبرى قبائل الشمال (قبيلة إسحاق) وقام بعمليات قتل وحشية للمدنيين، وفى عام 1991 سقط نظام سياد برى بهروبه من العاصمة مقديشو للداخل ثم إلى كينيا واستقر به المقام فى نيجريا حتى وفاته عام 1995.

وفور هروب سياد برى وسقوط نظامه أعلن مؤتمر -ضم مشايخ القبائل فى الشمال وبعض القيادات فى شمال الصومال والحركة الوطنية وعُقد فى برعو- انفصال (جمهورية صوماليلاند) أو (أرض الصومال)، وأنها أصبحت دولة مستقلة عن الصومال وذات سيادة.

جُل الفصائل الصومالية رفضت فى حينها قرار الانفصال جملة وتفصيلًا، ولكن اندلاع الحرب الأهلية بعد رحيل سياد برى بين الفصائل المختلفة والتى يستند معظمها إلى دعم قبائلى، وانهيار الدولة، وغياب الأمن والنظام، وإحلال المحاكم الإسلامية، وتطبيق الشريعة محل الدولة ومؤسساتها وانتشار الجماعات الإرهابية، مثل حركة الشباب؛ أدى إلى استقرار الوضع فى جمهورية أرض الصومال.

وفى عام 1994، ذهبت إلى الصومال ضمن بعثة إعلامية فى ضيافة فريق القوات المسلحة المصرية الذى كان يشارك فى القوات الدولية الثانية لحفظ السلام فى الصومال التى تم إرسالها بهدف تأمين مناطق لتوزيع المعونات الإنسانية خاصة الأغذية والدواء بعد تفشى المجاعة إثر اندلاع المعارك بين القبائل وبعضها بعضًا.

الأوضاع الأمنية فى الصومال كانت شديدة السوء.. عشرات الآلاف فقدوا أرواحهم بلا سبب.. الفصائل المسلحة تنتشر فى كل المناطق والمدن، بل وصل الأمر لسيطرة جماعات مسلحة على شوارع فى العاصمة مقديشو، إلى حد أن اضطرت القوة المصرية إلى اصطحابنا على متن دبابة كى نمر عبر بعض شوارع مقديشو ومعنا ضابط الاتصال العظيم «عامر»، على الرغم من المجاعة والقهر ورائحة الموت فى كل مكان، كان الصوماليون يبتسمون لمجرد رؤية الضابط عامر ينادونه باسمه يرفعون أيديهم ترحيبًا بنا، مرددين «صومالى ومصرى ولالو» بلغتهم الساحلية تعنى (الصومالى والمصرى إخوات).

يحكى لنا أحد الشباب الصومالى أنه متخرج فى أهم وأكبر مدرسة ثانوية فى الصومال، مدرسة جمال عبدالناصر، وأن أهم شارع فى العاصمة باسم السفير المصرى كمال الدين صلاح، الذى اُغتيل عام 1957 فى مقديشو، وكان مندوب مصر فى مجلس الأمم المتحدة فى الصومال الذى كان مهمته إعداد الصومال للاستقلال، وكان السفير كمال الدين قد استطاع خلال أقل من 3 أعوام التواصل مع كل القبائل والعشائر الصومالية والشباب النابه، الذين أحبوه وأخذوا بالكثير من نصائحه من أجل التخلص من الاستعمار، وهو القادم من مصر الدولة الثورية المتحررة النامية النموذج بالنسبة لهم. وبالطبع كان مكروهًا من الاستعمار الإيطالى والبريطانى اللذين تقاسما الصومال، فكانت أرض الصومال فى الشمال مستعمرة بريطانية بينما مقديشو والجنوب مستعمرة إيطالية، وفى عام 1960 حصل الصومال كله على استقلاله، وبعد 5 أيام فقط من الاستقلال أعلنت أرض الصومال انضمامها لوحدة الصومال وإلغاء تقسيم الاستعمار.

فعلاقة مصر بالصومال ليست مجرد علاقة بدولة عربية لا ترتبط بها بحدود برية.. هى جزء أصيل من تاريخ البلدين، الصومال هى بلاد بونت القرن الإفريقى (إريتريا وجيبوتى والصومال) التى تطل على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندى والتى كانت على علاقة تجارية كبيرة ومهمة مع مصر منذ التاريخ الفرعونى، وتم تسجيل رحلة الملكة حتشبسوت إلى الصومال وبلاد بونت على جدران معبدها فى الأقصر، وكانت تشترى منها البخور والذهب والعاج والأبنوس والحيوانات، وظلت العلاقات متواصلة على مدى التاريخ.

للرد على سؤال لماذا تعترف إسرائيل بجمهورية صوماليلاند الآن وهل يشكل ذلك خطرًا على الأمن القومى المصرى؟

بكل تأكيد إسرائيل تتعامل مع مصر بالرغم من اتفاقية السلام كدولة عدو أغلقت باب المندب فى وجه السفن القادمة إليها إبان حرب 1973، وهى تسعى لموطئ قدم عند البحر الأحمر فى هذه المنطقة الاستراتيجية تسمح لها بتعطيل الملاحة فى قناة السويس، وتستطيع مراقبة تحرك الحوثيين فى اليمن، فضلا عن أن صوماليلاند إحدى المناطق المرشحة لتوطين أعداد كبيرة من الفلسطينيين، حيث تم تسريب لقاءات واتصالات إسرائيلية مع السودان وحكومة الصومال وجمهورية صوماليلاند، وعرضت عليهم التوطين، بل إن القناة الـ14 الإسرائيلية ذكرت ذلك.

أما لماذا الآن؟ فإسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يحاولون استغلال فرصة ما بعد ضرب المقاومة الفلسطينية، وتوجيه ضربة لإيران وذراعها فى المنطقة حزب الله وتأمين الجانب السورى.. فلماذا لا يطرقون الحديد وهو ساخن خاصة مع دعم كامل شامل من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؟

من المؤكد أن اعتراف إسرائيل يشجع إثيوبيا على تنفيذ اتفاق التفاهم بينها وبين جمهورية صوماليلاند، ووجود إثيوبيا على خليج عدن يزعج مصر تمامًا بسبب ما بين البلدين من أزمة بسبب سد النهضة، لكن مصر استطاعت عقد اتفاقية دفاع مشترك مع جمهورية الصومال الفيدرالية، وستقوم هى وجيبوتى بإحلال محل قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقى فى الصومال والتى انتهت مهمتها فى أوائل هذا العام 2026 والتى طالبت الصومال برحيلها كونها تحت رئاسة إثيوبيا سياسيًا وعسكريًا والتى لا تأمن جانبها.

على الجانب الآخر، نجد رد فعل قويًّا يرفض اعتراف إسرائيل، حيث اعتبر رئيس الحكومة الصومالية فى مقديشو، حسن شيخ محمود، أن ذلك بمثابة عدوان إسرائيلى على الصومال، وأنه يرفض استقلال هذا الإقليم المنشق رفضًا قاطعًا.

وقال الرئيس ترامب إن الاعتراف بأرض الصومال لا يمثل على الأقل فى الوقت الراهن موضوعًا للنقاش بالنسبة للولايات المتحدة.

كما أصدرت 21 دولة ومنظمة التعاون الإسلامى بيانًا مشتركًا يرفض اعتراف إسرائيل، من بينهم مصر وجيبوتى والسعودية والكويت وسلطنة عمان وتركيا وغيرهم، رفضهم القاطع لاعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال على ضوء التداعيات الخطيرة على السلم والأمن فى منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر وانعكاساته على السلم والأمن الدوليين ويمثل خرقا سافرا للقانون الدولى، وأعربت عن دعمهم الكامل لسيادة الصومال وسلامة ووحدة أراضيه، وأن هذا الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضى الدول سابقة خطيرة، كما رفضت هذه الدول الربط بين هذا الإجراء وأى مخططات لتهجير الفلسطينيين المرفوض شكلا وموضوعًا، كما أكد الاتحاد الأوروبى على احترامه لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه.

جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقى أدانا بشدة هذا الاعتراف ووصفت الجامعة الاعتراف بأنه باطل ولاغٍ معلنة تضامنها مع جمهورية الصومال الفيدرالية فى مواجهة الاعتداء على سيادتها ووحدة أراضيها.

هل تكفى بيانات الشجب والإدانة لوقف المخطط الإسرائيلى لرسم الشرق الأوسط الجديد ومدّ أذرعها إلى كل موقع استراتيجى برًا أو بحرًا؟

 

الاكثر قراءة