رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. أشرف العربى.. رئيس معهد التخطيط القومى: مصر تجاوزت السنوات الاقتصادية الصعبة


8-1-2026 | 18:04

.

طباعة
حوار:رضوى قطرى - عدسة: ناجى فرح

«التخطيط».. الخطوة الأساسية فى أى مسيرة لـ «التنمية المستدامة»، فلا يمكن إنجاز أى تقدم دون «تخطيط مسبق» ودراسات وأبحاث تحدد الإيجابيات وتشير إلى السلبيات، ليس هذا فحسب، لكنها تضع سيناريوهات جميعها «صالحة للاستخدام»، ومن هنا تكمن الأهمية التاريخية التى يحظى بها معهد التخطيط القومى، والدور المهم الذى يؤديه فيما يتعلق بتحديد «الأولويات» وتقديم «التحليلات».

65 عامًا.. عمر «التخطيط القومى» فى مصر، سنوات طويلة كان حاضرًا فيها بـ«كل ما أوتى من علم»، كوادره لم تغب يومًا عن «إدارة حاضر مصر والتخطيط لمستقبلها»، وهو ما تحدثت عنه «المصور» فى حوارها مع الدكتور أشرف العربى، رئيس معهد التخطيط القومى، الذى قدم تحليلًا وتوضيحا دقيقًا لـ«مسئوليات المعهد»، وشرحًا وافيًا لـ«تاريخ التخطيط القومى فى مصر».

الحوار مع «د.أشرف»، لم يتوقف عند هذا الحد، لكنه امتد للعديد من الملفات التى تستحق أن توصف بـ«المهمة»، بدءًا من ملف«السردية الوطنية»، مرورًا بملف «التخطيط والتنفيذ على أرض الواقع» وصولًا إلى ملف «الدين العام»، وفى كل ملف قدم «د.العربى» الرؤية الواقعية للأمور كافة، ولم يكتف بذلك، لكنه تحدث أيضا عن رؤيته لـ«الإصلاح»، وكشف موقفه مما أطلق عليه «سنوات ما قبل 2025»، وقدم استشرافًا لـ«مستقبل مصر» لكنه كان مشروطًا بعدد من الشروط.. فإلى نص الحوار:

 

 

.. تزامنًا مع الاحتفال بالذكرى الـ65 لتأسيس المعهد، حدثنا عن أبرز الإنجازات التى تحققت خلال فترة رئاستك؟

أولًا..معهد التخطيط القومى هو أول معهد تخطيط تأسس فى منطقه الشرق الأوسط بأكملها والمعهد خلال 65 عاما، وقد أمد المعهد صانعى ومتخذى القرار بعدد كبير جدا من الأبحاث، أكثر من 2500 بحث ودراسة وتقرير على مدار الـ 65 عاما، هذا إلى جانب تخريجه أجيالا عديدة سواء على مستوى القيادات من الوزراء ونواب الوزراء أو رؤساء الهيئات أو المحافظين ونواب المحافظين، كما ساهم المعهد فى تأسيس عدد من معاهد التخطيط على مستوى المنطقة، وقد تتابع على رئاسته عدد كبير من القيادات على رأسهم رواد معهد التخطيط القومى، الذين أصدروا بمناسبة مرور 65 عاما على تأسيسه كتابا يضم تجميعا لأعمال الرواد الأربعة وهم دكتور إبراهيم حلمى عبدالرحمن والدكتور إسماعيل صبرى عبدالله ومحمد محمود الإمام، والدكتور كمال الجنزورى، وهذه هى المرة الأولى التى يقوم المعهد بتجميع إصدارتهم فى كتاب واحد وإعادة قراءة لأفكارهم، وهذا تم بشكل رقمى على «فلاش ميمورى».

ومنذ شرفت برئاسة المعهد حققنا طفرة فى ملف التحول الرقمى فى جميع إصدارات المعهد، حيث أصبحت الآن موجودة على الموقع الإلكترونى للمعهد بشكل رقمى، أيضا بمناسبة مرور 65 عاما على تأسيس المعهد أعدنا إصدار أهم 50 دراسة على مدار الـ 65 سنة فى صورة رقمية، وهى مهمة جدًا لأنها تساعد الباحثين ومتخذى القرار فى عملهم.

وإلى جانب ما سبق، أطلقنا أول ماجستير مهنى رقمى فى المتابعة والتقييم بداية من العام الأكاديمى الجديد، وقمنا أيضا بعمل دبلومات فى المتابعة والتقييم بالمشاركة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى UNDP، ولدينا عدد من البرامج التى سيتم تقديمها مع خلال الفترة المقبلة بصورة رقمية.

كذلك، عهدت إلى تطوير نشاط الاستشارات وأن يكون بشكل رقمى وحققنا طفرة، فأصبحنا نقدم عددا كبيرا جدا من الاستشارات سواء للحكومة أو للقطاع الخاص وكذا لمنظمات المجتمع المدنى، هذا إلى جانب عدد كبير من المنظمات الدولية والإقليمية التى تعمل فى مصر .

ما أبرز بنود خطة عمل المعهد خلال العام الأكاديمى الجديد؟

طبيعة عمل «التخطيط» هى استشراف المستقبل، فبالتالى لا بد أن يكون لدينا نماذج لاستشراف المستقبل ووضع السيناريوهات المختلفة، فقمنا بعمل نموذجين مهمين جدا، أولا قمنا بعمل نموذج اقتصاد قياسى كلى للاقتصاد المصرى، وهو أكثر نموذج به تكامل وشمول للاقتصاد المصرى، ويساعد متخذ القرار فى أحد أمرين أولهما استشراف المستقبل فأستطيع من خلاله تقديم التوقعات المستقبلية للاقتصاد المصرى، كما أنه يساعد فى تقييم تأثير السياسات والتدخلات التى تقوم بها الحكومة أو الصدمات، سواء الداخلية أو الخارجية المتوقع حدوثها ومدى تأثيرها على مختلف المؤشرات الاقتصادية، وهذا النموذج مبنى على فكرة تغطية كافة القطاعات فى الدولة سواء السياسات المالية والنقدية وأيضا التجارة الخارجية وسوق العمل والتضخم والأسعار وغيرها، وسنقوم بإصدار تقرير مهم عن نتائج هذا العمل ومن المنتظر أن يصدر خلال الربع الأولى من العام الحالى.

أما النموذج الثانى فليس اقتصاديًا، بل هو أكثر اتساعا ويقوم على فكرة الـ«سيستم ديناميك» أو«ديناميكا النظم»، وهو نموذج خاص بأهداف التنمية المستدامة الـ 17 بشكل متكامل، ونعده بالتعاون مع معهد الألفية فى الولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم الانتهاء منه خلال شهر يونيو المقبل.

أيضا.. هناك تقرير حالة التنمية فى مصر سيصدر هذا العام، لأول مرة بالتعاون مع الـ«إسكوا» وقد تم استخدام المنهجية الخاصة بالـ«إسكوا» فى إصدار التقرير، وتعتبر مصر أول دولة يصدر عنها تقرير وطنى باستخدام المنهجية الجديدة، وبالتعاون مع الـ«إسكوا»، فهو نفس تقرير التنمية البشرية لكن باستخدام المنهجيات الأكثر حداثة،

كما توسعنا فى الشراكات مع المنظمات الدولية، ولدينا تقرير مهم هو تقرير التنمية العربية يصدر بالتعاون بين معهد التخطيط القومى والمعهد العربى للتخطيط فى الكويت، والجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، وأصدرنا كذلك تقريرا مستقبلا عن أسواق العمل العربية فى ظل التحول الأخضر والذكاء الاصطناعى فى بداية ديسمبر الماضى.

ونحن فى معهد التخطيط القومى لدينا استراتيجية خاصة وضعها الدكتور علاء زهران، رئيس المعهد السابق منذ عام 2015، وسرنا على نفس النهج، وقمت بتحديث هذه الاستراتيجية حتى عام 2030، ولدينا 6 أهداف استراتيجية نقوم بالعمل من خلالها، 5 منها مرتبطة بالأنشطة الرئيسية للمعهد وهى الأبحاث والدراسات ثم التدريب والدراسات العليا والاستشارات وخدمة المجتمع، بالإضافة للهدف السادس وهو تعزيز الشراكات، فلدينا شراكات مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى والـ«إسكوا» وجميع منظمات الأمم المتحدة مثل «يونيسيف»، وهناك أيضا شراكات مع العديد من الدول العربية.

كما وقعنا شراكات مع معظم الوزارات والهيئات والمؤسسات فى الدولة، فمثلا مع وزارة الشباب والرياضة أنشأنا أول«ستلايت أكاونت»، وهو أول حساب فرعى للرياضة فى الناتج المحلى، ويوضح نسبة مشاركة الرياضة، وهذا أمر مهم للغاية، لأنه يعزز فكرة أن يساهم هذا النشاط فى الناتج المجلى الإجمالى، وأن الرياضة ليست للترفيه فقط، كما أننا نقدم العديد من الدراسات والتقارير لوزارة التنمية المحلية، ونقوم الآن بوضع أول خطة استراتيجية للمجلس الأعلى للجامعات، وهناك شراكات مع القطاع الخاص وقطاع الأعمال، وكذا منظمات المجتمع المدنى، فهناك تعاون مع مؤسسة مصر الخير والجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، وكل هذا فى إطار العمل الأهلى.

وأؤكد أن دور معهد التخطيط القومى دور مهم جدا، وقد أكد الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء على دعم الدولة تعزيز دور المعهد كمركز فكر وطنى مؤثر على غرار مراكز الفكر العالمية، لدعم صنع السياسات واتخاذ القرار وتحقيق التنمية المستدامة خلال الفترة المقبلة، وذلك خلال كلمته فى احتفالية معهد التخطيط بمرور 65 عامًا على تأسيسه.

ماذا عن دور الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط بصفتها رئيس مجلس إدارة المعهد؟

الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى، داعمة بصورة كبيرة للطفرة التى حدثت مؤخرًا فى معهد التخطيط، كما أنها حريصة دائما على وجود المعهد فى المشهد، وأتوجه بالشكر لها على دعمها الدائم والمستمر لمعهد التخطيط القومى باعتبارها رئيس مجلس إدارته، وتجلى ذلك فى حرصها أن يكون للمعهد دور بارز فى الحوار حول السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، فقد أجرينا أكثر من لقاء خبراء واجتماعات لمناقشة فصول السردية وتم وضع بعض الملاحظات والتوصيات فى إطار تنقيح وتطوير السردية فى نسختها الأخيرة والنهائية التى ستصدر قريبًا.

بشكل أكثر تفصيلا.. حدثنا عن مشاركة المعهد فى إعداد السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية؟

معهد التخطيط القومى شريك فى إعداد السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، وهذه المشاركة تكون من خلال الأبحاث والدراسات والتقارير التى تصدر عن المعهد، فعلى سبيل المثال، المحور الخاص بالصناعة فى السردية يوم إطلاق السردية، الفريق كامل الوزير نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة، أكد خلال العرض الخاص لهذا الفصل أنه استند فى إعداده على دراسة مهمة أعدها المعهد وهى «تعميق التصنيع المحلى»، فالدراسات التى يقوم بها المعهد هى التى تقوم بالتغذية الأساسية للاستراتيجيات والخطط سواء على المستوى الوطنى أو القطاعى أو المكانى، كما أن خبراء المعهد يتولون مناصب قيادية فى وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى، فهم المسئولون عن القطاعات التى تقوم بإعداد «شغل التخطيط» فى الوزارة، سواء الحسابات القومية أو التنمية البشرية أو التخطيط الإقليمى، كما أن هناك قيادات من المعهد تعمل فى العديد من الوزارات، فالأمر لا يقتصر فقط على العمل فى وزارة التخطيط.

برأيك.. ما أبرز وأهم الفصول فى «السردية الوطنية»؟

الفصل الخامس منها، وهو «التخطيط الإقليمى لتوطين التنمية الاقتصادية»، أى التنمية على الصعيد الإقليمى، فلكي نحقق معدل نمو اقتصادى مرتفع ومستدام وشامل يشعر المواطن بثماره لا بد أن نحقق تنمية إقليمية ومحلية متوازنة تضمن العدالة المكانية الاقتصادية والاجتماعية فى توزيع ثمار التنمية، أيضا أن يكون لدينا مستوى أكبر للحكم على المستوى المركزى أو اللامركزى، أو على المستوى المحلى والإقليمى، وأنا سعيد جدًا بهذا الفصل من السردية، فهو من أكثر الفصول أهمية من وجهة نظرى، وقد ترأست لجنة الخبراء الخاصة بالحوار حول هذا الفصل من خبراء المعهد، وأرى أنه بعد العديد من الجلسات وضع الخبراء ملاحظاتهم لهذا الفصل تحديدًا سواء من داخل أو خارج المعهد وستخرج المسودة الأخيرة للسردية فى شكل أفضل بكثير، وما أتمناه أن تأخذ حيزا كبيرا من التنفيذ خلال الفترة المقبلة عقب إطلاقها فى نسختها الأخيرة، ولذلك فمعهد التخطيط يؤهل القيادات والكوادر، فقد أطلقنا ماجستيرا ودبلومة فى المتابعة والتقييم، لأن هذه هى القضية الأساسية، فنحن نضع خططا واستراتيجيات أو سرديات ممتازة، لكن تنفيذها ومتابعة وتقييم الأداء هذا ما نحتاج فيه إلى عدد كبير جدا من الكوادر حتى يتم التنفيذ بشكل علمى وممنهج، وهذه الجزئية تعد من أضعف حلقات منظومة التخطيط فى مصر، وهى الحلقة الخاصة بالمتابعة والتقييم.

هل تعنى بحديثك هذا أن لدينا مشكلة فى تنفيذ التخطيط؟

«التخطيط القومى» فكرة الشمول فى تنفيذ الخطة، فالتنمية التى نريد تحقيقها على المستوى الوطنى هى التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة (الاقتصادى، الاجتماعى والبيئى)، لكن أحيانا لا نستطيع تحقيق نفس الإنجاز فى تنفيذ الخطط على المستويات الثلاثة، وبالتالى لن نحقق التنمية المكانية المنشودة أيضا، فعندما يكون هناك تقصير فى بعد ما من أبعاد التنمية المستدامة تكون التنمية بمفهومها الواسع لم تتحقق بصورة كبيرة، فبالتالى نحن كـ«معهد تخطيط» نوصى بأن يكون التنفيذ على جميع مستويات الخطة، فلو ركزنا فقط على البعد الاقتصادى وأهملنا البعد الاجتماعى، ساعتها لن تتحقق التنمية المستدامة، فمثلا لو أغفلنا حقوق الأجيال القادمة واستنفذنا الموارد الطبيعية أو لوثنا البيئة لن نحقق تنمية مستدامة، فلا بد أن نسير فى تنفيذ الخطة على مسارات متوازية وفى نفس الوقت، ولهذا أقول إن المشكلة ليست فى ضعف تنفيذ الخطط، بل أن يكون الإصلاح فى الاتجاهات كافة وبنفس السرعات.

الشارع كثيرًا ما تتناهى إلى مسامعه كلمة «إصلاح»، متى تنعكس هذه الكلمة على جودة حياة المصريين؟

أولًا.. أريد أن أشير هنا إلى أن كلمة «إصلاح» أصبحت كلمة «سيئة السمعة» لدى المواطن الذى أصبحت تعنى له ارتفاعا فى الأسعار أو زيادة للضرائب أو رفعا للدعم، غير أنى هنا أقصد «الإصلاح» بمعناه الإيجابى وهى عملية الإصلاح بالمفهوم الهيكلى، الإصلاح فى الاتجاهات المنشودة مثل زيادة الإنتاجية، الاستثمار فى رأس المال البشرى والتنويع والتصدير، وأن يكون دور الدولة واضحا ودور القطاع الخاص واضحا، ونحن فى بداية العام الجديد أرى أنه لا بد أن تكون الإصلاحات الهيكلية شغلنا الشاغل فى 2026، ولا بد أن نراها تتحقق على الأرض وبوتيرة متسارعة ومستمرة، فتاريخيا لم تحدث بوتيرة مستمرة ولم تحظ بالاهتمام الكافى، غير أنه وفقًا لما جاء فى السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية ولتصريحات الحكومة الأخيرة، أتوقع أن تتحقق هذه الإصلاحات بوتيرة أسرع خلال الفترة المقبلة.

إذن.. متى سيجنى المواطن العادى ثمار «الإصلاح»؟

نحن نحتاج أن نحقق معدل نمو اقتصادى 7 فى المائة لمدة 20 أو 30 سنة حتى يشعر المواطن بالتحسن فى مستويات المعيشة، فالصين ظلت لمدة 30 سنة تحقق معدل نمو اقتصادى 10 فى المائة، أما معدل النمو لدينا على مدار الـ20 سنة الماضية كان «طالع نازل» بشكل «زجزاج» مثل صورة رسم القلب، وحتى أحافظ على معدل نمو مرتفع ومستمر لا بد من تحقيق أحد أمرين، الأول أن أفتح أسواقا كثيرة جدًا، فالمدخل هو التصدير بأن ننتقل إلى القطاعات القابلة للاتجار وللتصدير، والثانى الاستثمار فى رأس المال البشرى «تعليم وصحة»، وهذا مع الوقت سيؤدى إلى استدامة معدلات النمو، وهو ما تضمنته السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية وأكدت عليه الحكومة بأن يتم توجيه الاستثمار، سواء الأجنبى أو الوطنى، إلى القطاعات ذات الأولوية والتى تحظى بفرص تصديرية كبيره، هذا هو الضمان خلال السنوات المقبلة.

هذا إلى جانب مراعاة «طبيعة النمو» وليس تحقيق معدل نمو مرتفع فقط، بمعنى أن يولد النمو فرص عمل جديدة وتكون جيدة ولائقة ومستدامة، وأن نحقق تنمية مكانية متوازنة، أو فكرة «توطين التنمية» فهذا أمر مهم للغاية، وفى هذا الإطار أرى أن مبادرة «حياة كريمة» مشروع عظيم، ولا بد أن تلتف حوله جميع أجهزة الدولة لأنه يعالج المشكلة من أساسها، ويحتاج إلى الدعم وتسريع وتيرة المشروعات التى تنفذ على مستوى المحافظات المختلفة فنحن ندرس طول عمرنا أن«الفقر فى مصر ظاهرة ريفية»، والمدخل الأساسى لزيادة الإنتاجية هو تحسين مستوى التعليم وتحسين مستويات الصحة والبحث العلمى والابتكار وريادة الأعمال، فلا بد أن تكون هذه هى الأولويات خلال الفترة المقبلة، والسردية الوطنية غطت هذه الجوانب بشكل كبير جدًا.

بالحديث عن التعليم.. هل تطلب وزارة التربية والتعليم من المعهد استشارات أو دراسات، وإن حدث هل تنفذها على أرض الواقع؟

كل الوزارات تلجأ دائما لمعهد التخطيط القومى، ليس فقط لتقديم الدراسات والتقارير وأوراق السياسات، لكن أعدادا كبيرة منها تلتحق بالبرامج التدريبية المختلفة التى يقدمها المعهد فى شتى التخصصات أو تحصل على درجة الماجستير سواء المهنى أو الأكاديمى التى يقدمها المعهد.

أما الدراسات وأوراق السياسات والأبحاث التى يعدها المعهد دائما تكون تحت نظر جميع الوزراء المعنيين فى الدولة، فعند الانتهاء منها نرسلها للوزارات المختلفة، وليس بالضرورة أن الوزارة تطلب من المعهد مباشرة عمل دراسة ما أو إعداد بحث فى موضوع معين، فوزارة التربية والتعليم، على سبيل المثال، لديها المعاهد الخاصة بها التى تعد الدراسات والتقارير المتعلقة بعمل الوزارة.

وبشكل عام.. طبيعة دور مراكز الفكر دعم متخذى وصانعى القرار والسياسات ونحن حريصون عند إصدار الدراسات الكبيرة أو التقارير الكبيرة المعمقة أن نتبعها بإصدار أوراق سياسات صغيرة كملخص حتى يتمكن متخذو القرار على كافة المستويات من الاستفادة من هذه الدراسات بصورة أكبر.

أما فكرة تفعيل ما تتضمنه هذه الدراسات والأبحاث، فنحن كمركز دراسات وأبحاث علمية لا نستطيع الحديث إلا بكلام مدعم بأبحاث دراسات علمية، فلا أستطيع الجزم بنسب محددة كيف استفادت الوزارات أو الجهات المختلفة فى الدولة من دراسات وأبحاث معهد التخطيط، لكن خلال فترة رئاستى لمعهد التخطيط ألمس اهتماما كبيرا جدا بالمخرجات التى تصدر عن المعهد، فمثلا رئاسة الجمهورية بنفسها الآن تتابع مع الوزراء المعنيين والحكومة مدى تنفيذ تقرير كذا الصادر عن معهد التخطيط القومى أو توصيات تقرير كذا الصادر عن المعهد، فهذا فى حد ذاته دليل على مدى اهتمام الدولة بما يصدر من مخرجات معهد التخطيط القومى.

مع نهاية عام وبداية آخر.. كيف ترى مسيرة الاقتصاد المصرى 2025 وما توقعاتك فى العام الجديد؟

سنوات ما قبل 2025 كانت تحمل تحديات كبيرة جدا، اقتصاديا شهدنا ارتفاعات كبيرة جدا فى معدلات التضخم وانخفاض معدل الفائدة وانخفاض معدلات النمو الاقتصادى وعدم استقرار سعر الصرف، وكل هذه المظاهر الاقتصادية الكلية التى كانت موجودة خلال سنوات ما قبل 2025، وكانت تحمل أزمة اقتصادية طاحنة، لكن مع بداية العام الماضى لاحظنا استقرارا فى المؤشرات الاقتصادية الكلية، وبدأت معدلات النمو الاقتصادى تسير فى الاتجاه التصاعدى، وهذا مهم جدا ويجب الحفاظ عليه خلال العام الجديد، كذلك معدلات التضخم أخذت فى اتجاه النزول، والأمر ذاته بالنسبة لمعدلات الفائدة، أيضا أسعار صرف العملات الأجنبية أخذت فى التحسن واسترد الجنيه المصرى قوته أمام الدولار، كل هذه المؤشرات الإيجابية على المستوى الاقتصادى لاحظناها خلال عام 2025 بالنسبة للأوضاع الاقتصادية وهذا يعنى أننا الحمد لله تجاوزنا الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى شهدتها مصر خلال سنوات ما قبل 2025.

التحدى الأكبر الآن والأهم هو الاستمرار فى تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلى، فلا بد أن نركز على الإصلاحات الهيكلية، فالمشكلة ليست الدعم أو زيادة الضرائب، وإن كان هذا مهما، لكن الأهم معالجة المشكلة الأساسية والمتمثلة فى ضعف الإنتاجية، هذا إلى جانب التوجه نحو التصدير وليس تقييد الواردات، وأن نركز على زيادة الصادرات خلال العام الجديد، فلو نظرنا لقيمة الواردات بالنسبة للناتج المحلى الإجمالى فى مصر فهو معدل طبيعى جدا، أما الرقم المفزع فعلا فهو مستوى الصادرات للناتج فهو رقم ضعيف جدا ولا بد أن يقفز قفزات كبيرة جدا خلال العام الجديد، وهذا ما أكدت عليه السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، وهذا شيء جيد جدًا.

وأضيف إلى ما سبق «تحدي نوعية الاستثمار»، وهو أن يكون فى القطاعات ذات الأولوية هذا سيخلق فرص عمل جديدة، وهو ما ستترتب عليه زيادة الدخول، ولهذا أقول إن ارتفاع الأسعار ليس التحدى الأكبر فى مصر، ولكن انخفاض الدخول هو التحدى الأكبر، فالتركيز خلال العام الجديد لا بد أن يكون على مثل هذه القضايا الاقتصادية المهمة، أيضا قضية «الابتكار» أرى أنها قضية محورية يجب التركيز عليها خلال العام الجديد لأنها من الممكن أن تجعلنا نحقق قفزات سريعة، وبالأخص مع التقدم التكنولوجى والمعرفى الكبير الذي تحقق مؤخرا، فنسبة مساهمة الصادرات عالية التكنولوجيا ومتوسطة التكنولوجيا مهمة جدا فى هيكل الصادرات ولكن أغلبها ليس فقط زيادة الصادرات ولكن أن تكون أغلبها مكونا تكنولوجيا أو معرفيا بسيطا، هذه هى التحديات الهيكلية التى يجب أن نركز عليها خلال العام الجديد حتى نضمن أن يكون هناك استمرار فى تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية وبالتالى زيادة معدلات النمو.

لكن زيادة الدخول يترتب عليها ارتفاع الأسعار .. تعقيبك؟

زيادة الدخول بمعنى الدخل الحقيقى، فخلال الفترة الأخيرة زادت الدخول عدة مرات ولو سألنا المواطن نفسه حتى تشعر بثمار الإصلاح الاقتصادى خلال العام الجديد سيتم زيادة الدخول، سيقول لنا الأفضل « ماتزودليش الدخل ولكن ثبت لى الأسعار»، والحل هو «الإنتاج ثم الإنتاج ثم الإنتاج» فنحن لدينا فجوة كبيرة جدا فحجم الاستهلاك أكبر بكثير من الإنتاج، وارداتك أكبر بكثير من صادراتك، وإيراداتك أقل بكثير من مصروفاتك، وكل هذه الأمور تخلق ضغوطا تضخمية وبالتالى ترتفع الأسعار بشكل كبير جدا، وهذه التحديات لا بد أن نعمل عليها خلال الفترة المقبلة حتى يشعر المواطن بثمار الإصلاحات التى نتحدث عنها طوال الوقت ولكن الأهم أننا نحتاج لـ«نفس طويل» وهو الاستمرار فى الإصلاح فنحن نتحدث على مستوى الحكومات فالفكر الإصلاحى لا بد أن يكون موجودا طوال الوقت وهو موجود بالفعل لكن يحتاج زخما أكبر، بمعنى أن يكون لدينا جمعيا نفس الفكر والتصميم على إنجاز هذه الإصلاحات، وهذا على مستوى الحكومة والمواطن.

«الدين»التحدى الأكبر.. هل لدى معهد التخطيط روشتة لكبح جماح ارتفاع مستوى الدين العام؟

أولًا.. هناك أنباء جيدة جدًا جاءت على لسان رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى فيما يتعلق بـ«ملف الدين»، وننتظر الإعلان الفعلى عن إجراءات محددة خلال الفترة المقبلة، وبالمؤشرات حجم الدين مرتفع ولا بد أن يأخذ اتجاه نزول كبير وبالأخص الدين الخارجى، فعندما يتجاوز الدين الخارجى أكثر من 160 مليار دولار، فإن خدمة الدين تصبح مرتفعة جدا وتشكل ضغطا على الموازنة العامة للدولة وعلى النقد الأجنبى بشكل كبير، وكما سبق وأشرت نحتاج فى هذه الفترة التركيز على الإصلاحات الهيكلية، والتركيز على الصادرات، هذا إلى جانب التركيز على تنويع الإنتاج، وأن نعمل على تعميق التصنيع المحلى وفى الوقت ذاته فتح أسواق جديدة وهذه الأمور مجتمعة ستساعد بنسبة كبيرة فى خفض الدين، إضافة للعمل على رفع كفاءة إدارة الدين بأن الحكومة تحول مثلا الدين قصير الأجل إلى «طويل الأجل» وتضع قيودا على الاستدانة الجديدة أو الاقتراض الجديد، وكل هذه اتجاهات محمودة لخفض الدين.

بالنظر إلى الوضع القائم.. هل يمكن القول إننا ما زلنا فى «الحدود الآمنة للاستدانة»؟

لا أحب مصطلح «الحدود الآمنة»، فالأمر يقاس على حسب المؤشر، فهناك من ينظر إلى مؤشر الدين للناتج، ثم يرى أن معدلات الدين فى الحدود الآمنة، ولكن هذا غير صحيح لأن هناك مشكلة، ففى أحيان كثيرة تكون هناك مشكلة سيولة ويكون هناك ضغط على العملة الأجنبية، فيكون مؤشر الصادرات لخدمة الدين أهم وحقيقى أكثر فهذا هو «الكاش فلو» أى الداخل والخارج خلال العام من العملات الأجنبية المطلوبة، فأنا أحتاج خلال هذا العام لتسديد أقساط دين بكذا أو فوائد دين خارجى بكذا، فبالتالى أحتاج إلى نقد أجنبى لسداد هذه الالتزامات، ومصدر النقد الأجنبى بالنسبة لى هو الصادرات، سواء صادرات سلعية أو خدمية مثل قناة السويس وعائدات السياحة وتحويلات المصريين من الخارج، فمؤشر الصادرات لخدمة الدين إذا ارتفع تكون هناك أزمة سيولة من الممكن أن تضغط على الاقتصاد فى وقت معين، حتى لو كان مؤشر الدين للناتج فى الحدود الآمنة للاستدانة، وأنا لا أقول هنا«أوقف القروض» لأنها مصدر من مصادر التمويل، وأؤكد أننا فى حاجة لها، وبالأخص القروض التنموية التى يتم الحصول عليها لتنفيذ مشروعات تنموية، وهذه يمكن القول إنها «ديون محمودة» لأن لها فترات سماح طويلة وفترات سداد طويلة ومعدلات الفائدة تكون قليلة لأن مكون المنح فيها عالٍ، ولكن الأهم ماهية المشروعات التى ستمول من خلالها.