منذ أيام قمت بزيارة للعين السخنة، وكلما ذهبت إليها على فترات متباعدة رأيت الجديد الذى يؤكد أن العين السخنة أصبحت منطقة استثمارية عالمية. ولا أقول هذا الكلام من فراغ، ولكن بناءً على شواهد فى أرض الواقع. فها هى العين السخنة تستعد خلال عام 2026 لتشغيل القطار الكهربائى السريع، الذى سوف يتجه إلى مرسى مطروح بطول 600 كيلومتر.
وبالطبع سوف يؤدى تشغيل القطار الكهربائى السريع، سواء فى نقل الركاب أو البضائع والحاويات، إلى إحداث طفرة كبيرة فى تجارة الحاويات على المستوى الدولى، ولا سيما أن القطار الكهربائى السريع فى نقل البضائع سوف يكون بمثابة قناة سويس أخرى فى نقل البضائع والحاويات من ميناء العين السخنة إلى موانئ الإسكندرية والدخيلة على البحر المتوسط، ليساهم فى تنشيط نقل البضائع والحاويات. وهذا لن يزيد من طاقة نقل الحاويات فقط، بل سوف يؤدى إلى زيادة طاقات ميناء العين السخنة فى نقل الحاويات والبضائع، ليكون من أهم الموانئ العالمية فى تجارة الحاويات، وبالتالى سوف تكون مصر من أهم الدول المؤثرة فى تجارة الحاويات عالميًا، خاصة مع التطوير الذى تشهده بقية الموانئ المصرية فى سفاجا وبورسعيد ودمياط والإسكندرية والدخيلة والعريش.
ومع تشغيل القطار الكهربائى السريع، والذى أرى وأنا على طريق القاهرة – العين السخنة أن مساره قد أوشك على الانتهاء، وقد تم تجريب مسافات كبيرة منه، سوف تتغير أشياء كثيرة، خاصة فى معدلات حركة الركاب والسفر. لأن هذا سوف يترتب حتمًا عليه تأسيس عدد من الشركات المتخصصة فى نقل الركاب إلى القرى السياحية أو إلى مناطق المصانع، وخاصة إلى المنطقة الاقتصادية التى تتدفق عليها الآن الاستثمارات العالمية. وسوف نتحدث عن ذلك تفصيلاً فى هذا المقال.
ولن يقف التغيير الذى تنتظره العين السخنة ارتباطا بتشغيل القطار الكهربائى السريع على حركة نقل الركاب فقط أو حركة نقل البضائع والحاويات، بل سوف يؤدى تشغيل القطار الكهربائى السريع إلى تسريع حركة التنمية وجذب الاستثمارات العالمية إلى العين السخنة. لأن حقيقة الأمر أن القطار الكهربائى السريع لن يكون مجرد قطار، بل هو مشروع حضارى اقتصادى، يحمل رسائل مهمة من جانب الدولة المصرية، تؤكد المزيد من القوة العالمية لمنطقة العين السخنة بكل مكوناتها على خريطة الاقتصاد والاستثمار العالمى.
وإذا عدنا وركزنا الكلام هنا على العين السخنة التى تضم المنطقة الاقتصادية، فلابد أن نعرف أن المنطقة الاقتصادية أصبحت من أهم المناطق العالمية فى جذب الاستثمارات، خاصة فى المشروعات الصناعية. ولا نتكلم هنا عن العين السخنة فقط، بل ننظر إلى كامل المناطق التى تتبع المنطقة الاقتصادية، مثل القنطرة غرب على سبيل المثال، التى أصبحت مركزًا عالميًا أيضًا للاستثمارات الصينية والتركية فى صناعة الملابس الجاهزة والصناعات النسجية، وبالتالى أصبحت من أهم الصناعات التصديرية.
كما أصبحت المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة من أهم المناطق العالمية الجاذبة لمختلف الأنشطة الصناعية. وهذا ليس إلا بداية، بل كلما أعطت الحكومة المزيد من الحوافز والمرونة فى السياسات الجاذبة للاستثمارات، تدفقت الاستثمارات العالمية.
وهذا يشير، مع الأحداث السياسية والاقتصادية التى يشهدها العالم، ولا سيما الحرب التجارية بين أمريكا والصين وعدم الاستقرار الأمنى فى مدخل البحر الأحمر، إلى أن المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة سوف تكون من أهم مناطق الاستثمار الآمنة فى العالم، وأنها سوف تكون أقرب منطقة استثمارية لتصدير البضائع إلى أوروبا وإلى السوق الإفريقى.
وهذا يحتم على المسئولين بالهيئة الاقتصادية المزيد من الترويج لجذب الاستثمارات الأوروبية إلى المنطقة الاقتصادية، التى تجذب أعدادا كبيرة من المصانع الأوروبية. وعندما أدعو إلى ذلك، فإن الهدف هو أن تكون المنطقة الاقتصادية واحة لكل الاستثمار العالمى وليس الاستثمار الصينى فقط.
وهذا يحتم على المسئولين بالمنطقة الاقتصادية بالعين السخنة أن يحددوا نوعية المشروعات التى يجب التركيز عليها فى المرحلة القادمة، ولا يُترك الأمر عشوائياً لأى استثمارات تأتى من منطلق أن المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة من أهم مناطق جذب الاستثمارات فى العالم.
ونرى المزيد من تأثيرات الأحداث العالمية على دفع الاستثمارات العالمية من العديد من الدول والشركات العالمية إلى المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة، شريطة أن تكون هناك سياسات أكثر جذباً من جانب حكومة الدكتور مصطفى مدبولى. ونطالب بسياسات أكثر جاذبية فى المرحلة القادمة مع دخول العين السخنة مرحلة تشغيل القطار الكهربائى السريع، سواء فى نقل الركاب أو نقل البضائع والحاويات.
نقول مرحلة تشغيل القطار الكهربائى السريع الذى سوف تتبعه مضاعفة النشاط فى ميناء العين السخنة فى حركة نقل البضائع والحاويات، وتأثير ذلك على التجارة الدولية، وفى الوقت نفسه على تنشيط وجذب الاستثمارات إلى المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة.
ومع توقع المزيد من جذب الاستثمارات العالمية للمنطقة الاقتصادية بالعين السخنة وزيادة عدد المصانع، سوف يؤدى ذلك إلى زيادة فرص العمل وجذب العمالة، الأمر الذى يشير إلى أن المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة سوف تكون من أهم المناطق الصناعية التى يزيد فيها عدد العاملين بالمصانع. ومعظم هؤلاء من خارج المنطقة الاقتصادية ومن خارج محافظة السويس، الأمر الذى يجعلنا نتساءل: كيف ينتقل هؤلاء إلى المصانع من مختلف المدن والمحافظات؟ هل يتم تخصيص أتوبيسات لنقلهم من القاهرة يومياً؟ هل تقوم المصانع والشركات بتوفير مساكن مؤقتة لهؤلاء العاملين الذين أصبحوا بالآلاف؟ وما تكلفة ذلك على استثمارات الشركات؟
إذًا لا بد أن يكون هناك تصور من جانب الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، والفريق كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والنقل، ورئيس المنطقة الاقتصادية، لكيفية التعامل مع ضرورة توطين العاملين فى تلك المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة.
وهنا أطرح تصوراً أو رؤية مهمة فى هذا الأمر: لماذا لا نفكر فى إنشاء مدينة جديدة ضمن سياسة الحكومة فى إنشاء المدن الجديدة بالقرب من العين السخنة والمنطقة الاقتصادية، تكون مدينة المستقبل لاستيعاب الحركة الوافدة على مصانع المنطقة الاقتصادية بدلاً من انتقالهم اليومى؟ أقول إنشاء مدينة جديدة متكاملة، وليس مدينة عمالية.
وأقترح أن تكون هذه المدينة فى المنطقة الصحراوية التى تقع ما بين مدينة السويس والعين السخنة، وأقول المنطقة الصحراوية وليس المنطقة الساحلية بين العين السخنة ومدينة السويس. مدينة متكاملة من منظور المستقبل، الذى يشير إلى أن المنطقة الاقتصادية بالعين السخنة سوف تكون من أهم مناطق جذب العمالة فى السنوات القادمة مع تدفق الاستثمار العالمى عليها. لأنه حتى مع تشغيل القطار الكهربائى السريع فلن تُحل مشكلة نقل العمالة من مختلف المحافظات إلى العين السخنة.
وعند إنشاء هذه المدينة، وحل مشكلة توطين العمالة وسكنهم وانتقالهم، سوف يؤدى ذلك إلى المزيد من جذب المستثمرين الذين سيدركون أن الحكومة تساعد فى حل المشكلات الجانبية والمهمة للاستثمار فى مصر، ألا وهى مشكلة توطين وسكن العمالة.
ولن نتجاهل أن بعض الشركات اضطرت إلى إقامة مساكن للعاملين بها فى المنطقة الاقتصادية، لكن ليس هذا هو الحل المثالى. وإلى أن ترى الحكومة كيفية حل موضوع توطين العمالة بالعين السخنة، فلا بد أن نقف مع رؤية الدكتور مصطفى مدبولى فى ضرورة جذب الاستثمارات لإنجاز المزيد من أعمال البنية الأساسية فى المنطقة الاقتصادية لمواجهة تدفق الاستثمارات العالمية المتزايدة الآن وفى المستقبل.
ومن ثم أرى ضرورة دعوة القطاع الخاص للاستثمار فى إنجاز أعمال البنية الأساسية. وهنا أسأل الدكتور مصطفى مدبولي: لماذا لا تتم دعوة القطاع الخاص لإقامة أكثر من مستشفى أو مركز طبى عالمى فى المنطقة الاقتصادية، ولا سيما أنه لا يوجد بها أى خدمات طبية، ولا يوجد بها أى مستشفى، ومن يعانى من أدنى مشكلة طبية أثناء العمل عليه أن يذهب إلى مستشفى السويس العام؟
وهنا نتساءل: كيف تكون هذه منطقة اقتصادية جاذبة للاستثمار العالمى، ولا يوجد بها مستشفى أو مركز طبى حتى الآن؟ ماذا يفعل العاملون أو أصحاب هذه المصانع أو المسئولون عنها إذا أصابتهم أى مشكلات صحية أثناء العمل؟ أين رئيس الوزراء من ذلك؟ لماذا لا يدعو إلى اجتماع للقطاع الخاص، ولا أقول لمستشفيات وزارة الصحة، لإنشاء العديد من المستشفيات والمراكز الطبية بالمنطقة الاقتصادية بالعين السخنة، خاصة أن هناك اهتماماً من الكثير من الشركات بهذا الموضوع؟
بل هناك من يدعو إلى تصور أكبر لإنشاء الكثير من الحدائق والملاعب ومناطق التنزه فى المنطقة الاقتصادية، لإضفاء البهجة على المنطقة، لتكون منطقة استثمار عالمية متكاملة الخدمات، فضلاً عن إنشاء العديد من فروع البنوك.
نعم، نحن إزاء منطقة اقتصادية عالمية، يجب أن تكون متكاملة الخدمات برؤية عالمية، وبما يليق بمكانة الدولة المصرية.