بداية.. ما الأهمية التى تمثلها الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لمصر فى الوقت الحالى؟
تمثل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان فى السياق المصرى أحد أهم التحولات البنيوية فى طريقة تفكير الدولة فى ملف حقوق الإنسان، حيث انتقلت من مقاربة تقوم فى الأساس على الاستجابة والمواءمة، إلى مقاربة أشمل تنطلق من التخطيط الاستراتيجى طويل المدى، وتتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها ركيزة من ركائز بناء الدولة الحديثة وليست عبئًا سياسيًا أو التزامًا خارجيًا فحسب، فالتوجيه الرئاسى بالعمل على إعداد نسخة جديدة من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، لما بعد انتهاء الإطار الزمنى للنسخة الحالية (2021–2026)، يحمل دلالات سياسية ومؤسسية بالغة الأهمية، فى مقدمتها أن الدولة المصرية باتت تتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها عملية تراكمية مستمرة، وليست وثيقة مؤقتة أو استجابة ظرفية، فالاستراتيجية فى جوهرها ليست نصًا إنشائيًا، وإنما عقد اجتماعى حديث بين الدولة والمجتمع، يُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن، ويُرسّخ مفهوم الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والمساءلة، والمشاركة، بوصفها عناصر لا غنى عنها لأى مشروع تنموى حقيقى.
ما المنهجية الحقوقية الحاكمة لصياغة الاستراتيجية الجديدة؟
من منظور حقوقى مهنى، أى استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان يجب أن تُبنى على مجموعة من المبادئ الحاكمة، التى نرى ضرورة تعميقها فى النسخة الجديدة، ومن أبرزها مبدأ عدم القابلية للتجزئة حيث تُعد جميع الحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والبيئية؛ وحدة متكاملة لا يمكن الفصل بينها ومبدأ الشمول وعدم الإقصاء بما يضمن عدم ترك أى فئة خارج نطاق الحماية، خاصة الفئات الأولى بالرعاية ويليه مبدأ المشاركة بوصفه حقًا فى حد ذاته، وشرطًا لنجاح أى سياسة عامة ومبدأ المساءلة وسيادة القانون باعتباره الضامن الحقيقى لتحويل الالتزامات إلى واقع ملموس وأيضا مبدأ الاستدامة بحيث لا تكون الحقوق رهينة لتغير السياسات أو الأولويات، وتطوير المنهجية الحقوقية فى الاستراتيجية الجديدة يقتضى الانتقال من التركيز على المدخلات والأنشطة إلى التركيز على النتائج والأثر، وهو ما يستلزم اعتماد مؤشرات قياس واضحة، وآليات متابعة مستقلة، وربطًا مباشرًا بين الحقوق والسياسات العامة.
على أى أساس تم وضع هذه المبادئ؟
لا يمكن الحديث عن المستقبل دون قراءة دقيقة للماضى، فالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021–2026) شكّلت نقطة انطلاق مهمة، ويمكن رصد عدد من الإيجابيات الجوهرية التى لا يجوز تجاهلها أولًا: أنها أول وثيقة وطنية شاملة تُصاغ بإرادة مصرية خالصة، وتنطلق من الدستور ثانيًا: أنها أعادت دمج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى قلب الخطاب الحقوقى، وربطتها بالتنمية المستدامة ثالثًا: أنها أوجدت إطارًا مؤسسيًا للحوار داخل أجهزة الدولة حول حقوق الإنسان وفى الوقت ذاته، فإن التقييم الموضوعى يكشف عن تحديات حقيقية، من بينها الحاجة إلى مؤشرات أكثر دقة لقياس الأثر الحقيقى للسياسات وتفاوت مستويات التنفيذ بين القطاعات المختلفة ومحدودية مشاركة منظمات المجتمع المدنى القاعدية، خاصة المنظمات الشبابية وغلبة الطابع الحكومى على آليات المتابعة والتقييم وهذه الملاحظات لا تُعد انتقاصًا من قيمة الاستراتيجية، وإنما تمثل مدخلًا ضروريًا لتطوير النسخة الجديدة.
ما أبرز مستهدفات الاستراتيجية للنسخة الجديدة (2026– 2030)؟
النسخة الجديدة من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان يجب أن تكون أكثر وضوحًا من حيث المستهدفات، وأكثر طموحًا من حيث الأثر، ويمكن تلخيص أبرز المستهدفات المتوقعة فى النقاط التالية: تعزيز منظومة الحقوق المدنية والسياسية وتوسيع مساحات المشاركة العامة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة تطوير منظومة العدالة الجنائية بما يوازن بين الأمن والحقوق إلى جانب تعميق العدالة الاجتماعية والاقتصادية لضمان الحق فى العمل اللائق وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتقليص الفجوات الجغرافية والاجتماعية وأيضا تمكين الفئات الأولى بالرعاية والأشخاص ذوى الإعاقة، والانتقال من الرعاية إلى التمكين الكامل، أما عن المرأة، فنجد تعزيز المساواة الاقتصادية، والتمثيل فى مواقع صنع القرار، والأطفال وكبار السن، ووضع نظم حماية متكاملة ومستدامة.
فى ظل البيئة الرقمية المرعبة والمقتحمة لخصوصية المواطن، هل هذا البند له موضع فى الاستراتيجية الجديدة؟
بالطبع إدماج الحقوق البيئية والرقمية والاعتراف الصريح بالحق فى بيئة سليمة وحماية الخصوصية والبيانات الشخصية وضمان حرية التعبير فى الفضاء الرقمى ضمن إطار قانونى متوازن هو من أهم النقاط التى ستوضع فى الاستراتيجية الجديدة.
كيف ستعملون مستقبلا على نشر ثقافة حقوق الإنسان؟
بالفعل بدأنا فى نشر ثقافة حقوق الإنسان مع حملات توعية تستهدف المجتمع ككل ببناء قدرات العاملين فى إنفاذ القانون وإدماج الحقوق فى المناهج التعليمية.
ما دور مجلس الشباب المصرى فى صياغة الرؤية المجتمعية؟
انطلاقًا من مسئوليته المجتمعية، حرص مجلس الشباب المصرى على أن يكون طرفًا فاعلًا فى الحوار المجتمعى حول الاستراتيجية الجديدة، من خلال تنظيم سلسلة موسعة من ورش العمل، والحلقات النقاشية، والموائد المستديرة، التى استمعت إلى خبراء ومتخصصين من مختلف المجالات، وقد شملت هذه الجلسات جلسة متخصصة حول حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة، ركزت على التحديات التشريعية وآليات التمكين السياسى والاقتصادى جلسة متخصصة حول حقوق المرأة، ناقشت قضايا المساواة والعدالة الاقتصادية والحماية من العنف جلسة متخصصة لخبراء البيئة، أكدت على ضرورة إدماج العدالة البيئية فى الاستراتيجية الجديدة جلسة متخصصة حول الحق فى التعليم، تناولت جودة التعليم وتكافؤ الفرص وربط التعليم بسوق العمل هذه الجلسات لم تكن شكلية، بل أسهمت فى بلورة توصيات عملية نؤمن بأهميتها فى صياغة النسخة الجديدة وسيظل المجلس شريكًا فاعلًا فى هذا المسار، إيمانًا بأن حقوق الإنسان ليست ملفًا نخبويا، بل مشروع وطنى جامع، لا يكتمل إلا بمشاركة الجميع.
حدثنا عن أهم الدروس المستفادة من التجربة الحالية؟
أحد أهم الدروس المستفادة من التجربة الحالية هو أن نجاح أى استراتيجية مرهون بوجود آليات متابعة ومساءلة فعالة، وهو ما يستوجب تقارير دورية علنية إشراك المجتمع المدنى فى التقييم مؤشرات أداء قابلة للقيام، فالحقوق لا تتحقق بالإعلانات، وإنما بالسياسات القابلة للإنفاذ، إن الاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة، وترسيخ دولة القانون، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع.