رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تركيا تقلب الطاولة.. والجماعة الإرهابية تفقد حصنها الآمن.. «الإخوان» المشردون


8-1-2026 | 18:06

.

طباعة
تقرير: مروة سنبل

«تحولات جذرية».. من هنا يمكن المضى قدمًا للحديث عن تاريخ العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية وتركيا خلال الفترة الأخيرة، فـ«أنقرة» بعدما كانت توفر لـ«مطاريد الجماعة» الحماية والدعم وتسمح لهم بالعمل والتجمع دون خوف من الملاحقات الأمنية وتقدم لهم الدعم المالى والسياسى، بدأت فى تغيير موقفها واعتقلت بعض قياداتهم مثل محمد عبدالحفيظ أحد مؤسسى حركة «حسم» التابعة للإخوان، إلى جانب ملاحقة العديد من عناصر الإخوان لديها ممن لا يملكون أوراقًا رسمية قانونية، وهو ما يعكس تحولًا فى السياسات التركية تجاه الجماعة الإرهابية.

 

خلال الأيام القليلة الماضية، ألقت السلطات التركية القبض على ثلاثة من عناصر الإخوان المقيمين على أراضيها لمحاكمتهم تحت تصنيف «كود إرهاب» لمشاركتهم فى حملة اقتحام سفارات مصر بالخارج، وشهدت القنصلية المصرية فى إسطنبول محاولات اقتحام وتسلق لأسوار القنصلية من قِبل متظاهرين تابعين للجماعة، ورددوا هتافات معادية، وشوّهوا الجدران بشعارات سياسية.

وكانت منصات إعلامية تابعة للإخوان نظمت حملات إلكترونية واسعة لتشويه دور مصر فى القضية الفلسطينية، ودعت عبر صفحاتها لمحاصرة السفارات المصرية تحت شعار «حاصروا سفاراتهم»، والترويج لمزاعم بأن مصر تغلق معبر رفح رغم تأكيدات الجانب المصرى والدولى أن إغلاق المعبر يأتى من الجانب الإسرائيلى.

فى المقابل، دعا شباب الجماعة المقيمون فى تركيا لتدشين حملات منظمة عبر منصات التواصل الاجتماعى لإطلاق سراح المتهمين الثلاثة ومنع ترحيلهم إلى مصر، ودعوا إلى تحرك جماعى منظم وسريع من خلال حملات مكثفة عبر السويشيال ميديا مع تفعيل «هاشتاج» بأسماء المتهمين، وإرسال رسائل عبر البريد الإلكترونى لوزارة الداخلية التركية، وذلك من أجل توسيع دائرة الضغط بهدف إطلاق سراحهم وعدم ترحيلهم إلى القاهرة.

وفى السياق ذاته، نُشرت تحذيرات بين أوساط شباب الجماعة فى تركيا باتخاذ الحيطة والتعامل بحذر شديد من خلال الرسائل النصية أو التحدث عبر الهواتف المحمولة، مع التشديد على عدم ارتكاب أية مخالفات خاصة ممن لا يملكون أوراقًا ثبوتية سليمة ووضعهم القانونى غير مقنن؛ خوفًا من اتخاذ تركيا خطوات إضافية، فى ظل تشديد وتغيير استراتيجية تعاملها أمنيًا وقانونيًا مع مطاريد الإخوان لديها.

ويسعى أعضاء تنظيم الإخوان الإرهابى حاليا للبحث عن دول لتكون ملاذا آمنا لهم فى ظل طردهم والتضييق عليهم فى تركيا وقطر والدول العربية، وما يواجهه التنظيم فى العديد من الدول الأوروبية للحدّ من نشاطه وتتبع مصادر تمويله، فضلا عن التحركات الأمريكية مؤخرا لتصنيفه منظمة إرهابية.

كما يضع التنظيم سيناريوهات «ما بعد تركيا» لتكون ملاذًا آمنًا لمطاريد الإخوان ومساحة حركة شبه مفتوحة يصعب التضييق عليهم بها، وما زالت العاصمة البريطانية، لندن، أحد أهم الملاذات الآمنة للإخوان وتقدم غطاء قانونيا لهم، وداعمًا رئيسيًا لهم حتى الآن، كما تعد ماليزيا أحد الملاذات الآمنة فى آسيا، وكذلك العديد من الدول الإفريقية من السودان إلى الصومال، ومن تشاد إلى كينيا ومالى والنيجر.

وفى هذا السياق، أكد إسلام الكتاتنى، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، أن «إلقاء القبض مؤخرا على ثلاثة عناصر من الإخوان تمهيدًا لمحاكمتهم بتهمة مشاركتهم فى حملات استهدفت اقتحام القنصلية المصرية فى إسطنبول، وتصنيفهم ضمن كود الإرهاب إنما يعكس خطورة ما قاموا، ويعد استمرارًا فى تحول السياسة التركية تجاه ملف الإخوان ومؤشر إيجابى على حزم السلطات التركية مع أى تحركات إخوانية تستهدف إثارة توتر العلاقات مع مصر، وتشديد على أن أى تحرك إخوانى من هذا النوع لن يمر دون محاسبة قضائية وقانونية».

«الكتاتني»، أضاف: اتخذت تركيا خطوات منذ فترة نحو تغيير سياساتها تجاه الإخوان، لأنها وجدت مصالحها مع الدولة المصرية أهم بكثير من مصالحها مع فصيل أو جماعة، حيث شددت الإجراءات على نشاط الإخوان داخل أراضيها، كما اتخذت العديد من الإجراءات ضد القنوات التليفزيونية المحسوبة على الإخوان مثل قناة «مكملين» والتى انتقلت من تركيا إلى لندن، كما أوقفت تركيا بعض البرامج السياسية التى تُبث من أراضيها، وشددت على ضرورة التزام القنوات المحسوبة على الإخوان، مثل قناتى «الشرق» و«وطن» بسياسات إعلامية محددة والالتزام بالتوقف عن نهج العداء وترويج الشائعات وإثارة الفوضى، وذلك فى إطار سعى تركيا المتواصل للتقارب مع مصر وتنامى الوعى الدولى بمخاطر تنظيم الإخوان.

وشدد «الكتاتنى» على أن «محاولات عناصر الإخوان اقتحام السفارات المصرية والتحريض على استهداف بعثة دبلوماسية يعد انتهاكًا واضحًا للقوانين والأعراف الدولية»، موضحا أن «حماية البعثات الدبلوماسية التزام قانونى يقع على عاتق الدول المضيفة، وأن الجماعة تجاوزت جميع الخطوط القانونية التى وضعتها الدولة الحاضنة لهم، لذلك اتخذت تركيا موقفًا قانونيًا حازمًا ضدهم»، ومشددا على أن مصر قادرة على الدفاع عن مصالحها داخليًا وخارجيًا.

كما أكد أن «الخطاب التحريضى ضد الدولة المصرية ومؤسساتها ليس بجديد على الإخوان، فالجماعة تمارس التحريض ضد الدولة منذ عام 2013 وحتى الوقت الحالي»، مشيرا إلى أن احتجاز العناصر الثلاثة وتقديمهم للمحاكمة لا بد أن تتبعه إجراءات حاسمة لمحاسبة كل مَن يحرض على استخدام العنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها.

وحول الملاذ الآمن، قال «الكتاتنى»: يواجه الإخوان تشديدات وتضييقات على أنشطتهم وتحركات عناصرهم فى الدول العربية، كما لم تعد قطر وتركيا ملاذا آمنا لهم، وذلك بالتزامن مع إعلان دول أوروبية إجراء مراجعات دقيقة وشاملة لنشاط الجماعة والتنظيمات المرتبطة بها مع تشديد الرقابة على مصادر التمويل، لتدخل أوروبا مرحلة جديدة فى تعاملها مع الإخوان تقوم على المراقبة، والتجفيف المالى، والتفكيك القانونى، بعدما تمتعت جماعة الإخوان فيها بحاضنة وبملاذ آمن وغطاء قانونى ضد الملاحقات الأمنية، وتأتى التحركات الأوروبية ضد الإخوان بالتزامن أيضا مع حراك أمريكى فى نوفمبر الماضى، بإصدار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أمرا تنفيذيا بدراسة تصنيف بعض فروع الإخوان فى مصر ولبنان والأردن، كمنظمات إرهابية أجنبية، تمهيدا لحظر الجماعة، وفرض قيود على أنشطتها داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

وأوضح «الكتاتنى»، أن «الحصار الدولى المتزايد يضيق على الإخوان ويفاقم من الضغوط عليها رويدًا رويدًا، وهى خطوة قد تُحدث تحولات جذرية فى مستقبل التنظيم ما يضع قيادات الجماعة أمام مفترق طرق للبحث عن ملاذات آمنة بديلة، وربما سيحاول التنظيم إعادة تموضع نفسه مرة أخرى، وقد يظهر تحت مسميات جديدة دون أن يظهر تحت مسمى الإخوان بشكل مباشر وصريح، وتعتبر إفريقيا من المناطق المرشحة لتكون ملاذات آمنة للإخوان حيث يشهد فيها النشاط الإخوانى تباينًا بين منطقة وأخرى يختلف فى شكل وطبيعة التواجد من نشاط سياسى منظم فى بعض الدول إلى عمل دعوى وخيرى غير معلن فى دول أخرى، وبدأت الجماعة فى نقل بعض أموالها إلى إفريقيا، بعدما وجدت أن أنقرة لن تكون الملاذ الآمن لهم كما كان فى السابق، كما تعد دول جنوب شرق آسيا من المناطق المرشحة كملاذات آمنة للإخوان، أيضا اختيار البوسنة والهرسك ملاذًا جديدًا وآمنًا لعناصرها وهو اختيار نابع من تواجدهم وتغلغل نشاطهم فيها منذ التسعينيات تحت ستار تقديم المساعدات الإغاثية، فضلا عن اتخاذ بعض الدول فى أمريكا الجنوبية ملاذات آمنة جديدة.

وتوقع «الكتاتنى»، تزايد إحكام الحصار الدولى حول الإخوان خلال الفترة المقبلة ما يضع التنظيم وقياداته أمام مفترق طرق ويزيد من تفاقم أزمتهم فى ظل حصار سياسى وقانونى ينذر بالقضاء على سرطان الإخوان، بالإضافة لما تشهده الجماعة من تصدعات هيكلية حادة وصراعات على القيادة بين «جبهة بريطانيا» و«جبهة تركيا»، ما جعلها فى حالة ترهل تنظيمى غير مسبوق.

فى السياق، قال ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل الديمقراطى، عضو مجلس الشيوخ: التحول التركى فى التعامل مع جماعة الإخوان الإرهابية يُعد تحولا أمنيا وسياسيا اضطراريا، وليس مراجعة فكرية، كما أن أنقرة أدركت أن الجماعة تحولت من أداة ضغط إقليمية إلى عبء أمنى وسياسى خطير يهدد مصالحها وعلاقاتها الدولية، واعتقال عناصر إخوانية داخل تركيا بتهم تمسّ أمن السفارات يعلن عمليا سقوط وهم «الملاذ الآمن»، ويكشف أن الجماعة لم تعد محمية أو مرحّبًا بها.

وأكد رئيس حزب الجيل، أن «هذا التحول، سواء فى تركيا أو قطر، لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة مباشرة للسياسات الخارجية الرشيدة والمتزنة التى انتهجها الرئيس عبدالفتاح السيسى، والتى نجحت فى كشف الطبيعة الإرهابية الحقيقية لجماعة الإخوان أمام المجتمع الدولى، وتحويلها من كيان كان يُسوق سياسيا إلى تنظيم مُصنَّف أمنيا ومرفوض دوليًا».

وأشار «الشهابى»، إلى أن «الدبلوماسية المصرية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، خاضت معركة طويلة وصبورة لتصحيح الصورة الزائفة التى روّجتها الجماعة فى الخارج، حتى أدركت عواصم كانت توفر لها المأوى أن استمرار احتضان الإخوان يهدد أمنها القومى قبل أن يهدد غيرها، ويضعها فى مواجهة مع العالم»، موضحًا أن «جماعة الإخوان أصبحت اليوم ورقة محترقة دوليا بعد انكشاف تورطها فى العنف والتحريض والإرهاب، وفشل كل محاولات تقديمها كتيار سياسى معتدل»، ولافتا إلى أن هذا التحول يتقاطع مع المراجعات الأمريكية والغربية لموقفها من الجماعة باعتبارها حاضنة فكرية للتطرف، حتى حين تتحرك بغطاء سياسى.

وشدد «الشهابى» على أنه «رغم غلق معظم الملاذات التقليدية، ما زالت بريطانيا تمثل الملاذ الآمن والأخير لقيادات الإخوان، سياسيا وإعلاميا وماليا»، موضحا أن «لندن توفر مظلة قانونية تتحرك تحتها الجماعة، وتُدار من أراضيها شبكات تمويل ومنصات تحريض وغرف ضغط تستهدف استقرار الدول العربية، فى ازدواجية فاضحة للمعايير الغربية فى التعامل مع الإرهاب».

كما أكد رئيس حزب الجيل، أن «استمرار هذا الغطاء البريطانى يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومى العربى»، محذرا من أن توظيف التنظيمات المتطرفة كأدوات سياسية سياسة قصيرة النظر، ومن يحتضن الإرهاب اليوم سيدفع ثمنه غدًا.

واختتم «الشهابى»، حديثه، مؤكدا أن «ما نشهده حاليا هو مرحلة تجفيف الملاذات لا إدارتها، وأن نجاح الدولة المصرية فى هذا الملف يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى أدار معركة مكافحة الإرهاب بعقل الدولة وبُعد الرؤية، ومن حارب الإخوان دفاعا عن الدولة المصرية، لم يحمِ مصر وحدها، بل حمى الأمن القومى العربى كله، الإرهاب لا يُستخدم ولا يُساوم به.. الإرهاب يُحارَب.

 
 

الاكثر قراءة