رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الخديوى إسماعيل» ومعشوقته مصر


29-8-2025 | 14:45

.

طباعة
بقلـم: يوسف القعيد

مؤلف الكتاب الدكتور حسين كفافى، يُهديه للأم الكُبرى مصر وشعبها العظيم فى ذكرى إسماعيل باشا، أحد حُكَّام مصر المُفترى عليهم الذى قدَّم الكثير، وآن الأوان لنُقدِّم لذِكراه كلمة وفاء.

ويكتُب أن الخديوى إسماعيل ترك لمصر الكثير من القيم الحضارية النبيلة التى تجسَّدت فى إنشاء البنية الأساسية لمصر، من مد شبكات السكك الحديدية، وشق الترع، وإقامة الجسور والطُرُق والكبارى، وتخطيط وإنشاء المُدُن الجديدة الكُبرى،

 

واستكمال الأحياء وتجميلها، وإنشاء الحدائق، ووضع الأساس للنظارات «الوزارات سابقًا»، والمصالح الحكومية، والمؤسسات الدستورية والشعبية والفنية والثقافية القومية كالأوبرا والمتاحف. فأتم بذلك ما أرساه جِدُه محمد على مؤسس مصر الحديثة.

ويكتُب أن إسماعيل باشا بعد رحيله ومعه حسناته وسيئاته أصبح غريبًا عن وطنه الذى أحبه.. وترك من ورائه الكثير من القيم الحضارية النبيلة، لقد ترك سيلًا من الشائعات العديدة، مازال يلاحقها الكثير من الترديد حول إسرافه وحُبِّه للحياة لما بعد أكثر من قرن على نهاية ولايته.

إن مؤلف الكتاب يعترف أنه كتب كتابه ليتكلم عما قدَّمه إسماعيل لمصر خلال 16 عامًا حكمها.. وهذا يجعل القارئ يقف أمام ما له وما عليه. ويؤكد أن إسماعيل أحب مصر وأعطى لها كل ما يملك من حُبٍ وصدقٍ. وأفاض عليه من روحه فبادلته شعوره وأسلمته قيادتها عن وعى بخطته التى ارتقى بتنفيذها وتوصيلها للأجيال عِمارةً وفنًا.

لكن واجهته حروب متعددة فى الاتجاهات، حتى من أقرب المقربين إليه، ففى الوقت الذى يعتبره المؤلف امتدادًا لجده محمد على باشا بانى مصر الحديثة. لكن قوى الشر والفساد ضده تآمرت عليه، وكانت أولى قوى الشر هذه الدول الأوروبية التى دبَّرت من ناحيتها خِطَّة لإقصاء إسماعيل عن حُكم مصر.

فإنجلترا امتدادً لحملتها الشهيرة على مصر 1807 كانت عينها على البلاد، وفرنسا من ناحية أخرى التى تجدد إحساسها بالندم على خروجها من مصر، وأحس الباب العالى أن إسماعيل يطمع فى الاستقلال، لذلك وضعه فى القائمة السوداء بغرض التخلص منه.

لقد ازداد حِقد السُلطان عبد الحميد لدى توليه السُلطة فى إسطنبول من نجاح إسماعيل فى حكم مصر، ومن تفوقه فى إدارتها والوصول بها إلى مصاف الدول الأوروبية المتقدمة. ومن عوامل زيادة حقد السلطان أن إسماعيل خلال سنوات قليلة استطاع أن يحقق من الصور الحضارية ما كان مستحيلًا على غيره.

ومن أكبر مظاهر هذا التقدم، كانت افتتاح قناة السويس بأُبهتها وفخامتها، وهكذا لم تقتصر الحرب على جبهة الأوروبيين، سواء كانت إنجلترا أو فرنسا أو النمسا أو روسيا أو سُلطان تركيا. بل كانت الجبهة العتيدة فى الحرب ضده تأتى من ناحية أسرته الخاصة، خصوصًا المكائد التى كانت تحوطه من النساء بأروقة القصور سواء من الزوجات أو المحظيات.

ومهما تعددت الأسباب الحركية فإن هذه الحرب جاءت أشد ضراوة من أقربهم إليه، خاصة من أخيه مصطفى فاضل باشا الوزير فى الوزارة التُركية، والذى كان يطمح فى رئاسة هذه الوزارة، أى أن يكون الصدر الأعظم، خصوصًا أن سُلطان تُركيا كان قد وعده بذلك.

الدكتور المؤرخ الكبير يونان لبيب رزق، يكتُب فى تقديمه لهذا الكتاب المهم: بين دفتى هذا الكتاب عاشقان لمصر، أولهما ارتآه المؤلف: الخديوى إسماعيل، وثانيهما هو الدكتور: حسين كفافى نفسه.

والمشكلة التى تُعانى منها الدراسات التى تحفُل بأكثر من عاشق هى أن عين العاشق فى العادة كليلة عن كل عيوب المحبوب، وحادة على كل مزاياه. الأمر الذى يؤدى إلى أن تكون هدفًا لتوجيه الانتقادات خاصة من جانب المؤرخين.

لقد تصوَّر بعض الكُتَّاب ولسوء الحظ كان بعضهم محسوبًا على الأكاديميين التاريخيين تصوروا أن إظهار سلبيات ما سُمى لوقت بالعهد البائد، إنما يُدرِجهم فى قوائم وطنيين، بينما نعتقد أنه لو تم إدراجهم من خلال تلك الكتابات فسوف يُدرَجون فى قوائم أخرى لا نود توصيفها هنا.. إذ تتبع ذلك أن استنفر هذا النوع من الكتابات آخرون، منهم صاحب هذا العمل إلى العكوف عن البحث على الوجه الآخر الذى يؤكد على فضل ذلك الحكم ووطنية حُكَّامه أو بعضهم، وكان منهم الدكتور حسين كفافي.

وفيما نرى فإن لأصحاب هذه الكتابات كل الحق فى الرد. ومن حق القارئ كل الحق فى أن يطَّلِع على وجهة النظر الأخرى بغض النظر عن رأى المؤرخين المحترفين فى هؤلاء وأولئك. ومع أننا لا نأخذ بالتفسير التآمرى للتاريخ، إلا أن فيما بين ما نراه ومنذ سنواتٍ مضت. فإن هناك خِطة وئيدة تتسم بقدرٍ كبير من الإصرار على طمس كل ما هو إيجابى فى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر. تاريخ بناء الدولة الحديثة والأخذ بأسباب التمدُّن، ونشوء الفكر الوطنى الذى جعل لمصر هذه المكانة المتميزة على هذه الرُقعة من العالم. الرقعة العربية الإسلامية الإفريقية.

ومن ثم يكون لمثل هذه الكتابات التى نُصنٍّف هذا العمل من بينها ضرورة وطنية. الأمر الذى كان واضحًا كل الوضوح فى طريقة التناول الذى وضع بها الدكتور كفافى فى كتابه.

تبقى الإشارة إلى أنه كان لى حظ كتابة التقديم لعملٍ سابق لصاحب هذا الكتاب، وهؤ مؤلَّفه الذى صدر تحت عنوان: محمد على رؤية لحادثة القلعة، والذى صدر عن هيئة الكتاب عام 1992، ولقى إقبالًا ملحوظًا من جموع القُرَّاء.