لا نزال نناقش، في سلسلة مقالاتنا الحالية، مآلات وتنبؤات واستشراف انهيار المشروع الصهيوني من داخله، اعتمادًا على الأصوات اليهودية من داخل الحركة اليهودية ذاتها، وبعد ذلك سوف ننتقل إلى الأصوات التي انتقدت الحركة الصهيونية من خارجها، وهي أصوات تشرح وتحلل كيف تحول اليهودي من «ضحية» إلى «جلاد»، وكيف جرى «تأليه الجيش»، ووصف كل توسعه الاستعماري بأنه «دفاع عن النفس»، وبذلك فقدت الحركة اليهودية أخلاقها وضميرها، فإلى التفاصيل.
نواصل اليوم مع المفكر اليهودي «ألبرت ميمي» وتحليله لسيكولوجيا تحول الشخصية اليهودية من الضحية إلى الجلاد، وقد عاش «ألبرت» في تونس في زمن الاستعمار الفرنسي بلحمه ودمه، ويقدم التشخيص الأكثر إيلامًا من منظور علم نفس المستعمِر، ونظريته تقوم على «فخ الاستعمار»، حيث إن الصهيونية بدأت كحركة تحرر للشعب اليهودي المضطهد في أوروبا، «يهود أوروبا»، لكنها ما إن حصلت على السلاح والسيادة حتى تبنت، بوعي أو بغير وعي، العقلية الاستعمارية ذاتها، وهذه هي المأساة الكبرى: أن تتحول حركة تحرر وطني إلى قوة استعمارية، وأن يصبح ضحايا الأمس هم جلادي اليوم.
وعلى ذلك، فالاحتلال الإسرائيلي، في نظر «ألبرت ميمي»، ليس مجرد احتلال عسكري، بل هو «احتلال وجودي»، يسعى لمحو الروح الفلسطينية، إنه احتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض والموارد، بل يمتد ليطال الذاكرة والهوية واللغة، ساعيًا إلى تفكيك النسيج الثقافي الفلسطيني، وإحلال ثقافة المستوطن محلّه.
وهنا يهاجم «ألبرت ميمي» اليسار الغربي «التقدمي»، الذي يملأ الدنيا صراخًا بحقوق الإنسان، لكنه يصاب بخرس غريب حين يتعلق الأمر بإسرائيل، متذرعًا بـ«حق الدفاع عن النفس»!!
هذا الخرس الانتقائي هو، في نظر «ميمي»، تواطؤ أخلاقي يرقى إلى مستوى المشاركة في الجريمة!
وننتقل الآن إلى المفكر السادس، والأكثر شهرة بين أوساط المثقفين العرب، إنه «نعوم تشومسكي»، ودوره في تفكيك «الدولة العميلة» و«الوظيفة الإمبريالية» بعين المحلل البنيوي، حيث ينقل «تشومسكي» النقاش من «سيكولوجيا الجلاد» إلى «جيوبوليتيك القوة»، وإسرائيل، في منظوره، ليست دولة يهودية بقدر ما هي «قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة» في قلب العالمين العربي والإسلامي!
وفي كتابه «مثلث القدر» وأعماله الأخرى، يضع «تشومسكي» يده على الجرح العميق، وهو دعم أمريكا والغرب للصهيونية، ليس عن حب لليهود أو الشعور بالذنب تجاه المحرقة فقط، بل لأن إسرائيل تمثل «أصولًا استراتيجية» بالمعنى العسكري والاستخباراتي، إنها تؤدي وظيفة «الشرطي المحلي» الذي يقمع القوى الوطنية الصاعدة في المنطقة، ويحمي تدفق النفط، ويضعف أي مشروع قومي عربي أو إسلامي مستقل.
وهنا يظهر بوضوح دور «الصهيوني الوظيفي» من النوع الإمبريالي، فالسياسي الغربي أو المحلي الذي يروج لفكرة أن «استقرار المنطقة مرهون بقوة إسرائيل»، يشرعن بذلك تبعية المنطقة للمركز الاستعماري، ويبرر الدعم العسكري والمالي اللامحدود.
إن إسرائيل، بالمفهوم السابق، تؤدي دور ووظيفة «الوكيل الحصري» للقوة الإمبريالية في المنطقة، وفي قلب هذه المعادلة يقف اللوبي الصهيوني، الذي يصفه «تشومسكي» مع «إيلان بابيه» بأنه «نظام قمعي» يحول دون أي سلام عادل، ليس فقط بالمال، بل باستخدام تهمة «معاداة السامية» كسلاح إرهاب فكري يُبتز به الضمير الغربي!
أما «موريتس جودمان»، فهو المفكر اليهودي السابع الذي نستشهد به من داخل المعسكر الصهيوني، وينتقد «تأليه الدولة»، ويراه بدعة دينية في مواجهة المشيئة الإلهية، وقد خرج «جودمان» من أعماق التيار اليهودي الأرثوذكسي، ليقول إن الصهيونية، في محاولتها «إجبار النهاية» وبناء دولة بالعنف، إنما تتمرد على إرادة الرب، فاليهودية التقليدية تؤمن بأن عودة اليهود إلى أرض إسرائيل لا تكون إلا بقدوم المسيح «الماشيح»، وأي محاولة بشرية لاستباق المشيئة الإلهية هي ضرب من الكفر والتمرد!
فاليهودية الحقيقية، في نظره، تقوم على حكم التوراة والأخلاق، لا على «حكم الجيش» والقوة، فالدولة الصهيونية العلمانية، بإجبارها على انتهاك «السبت»، وتجنيد الحاخامات، وتبرير القتل، تُبعد اليهود عن جوهر دينهم، وتجعل من «العِلم والقومية» دينًا بديلًا!
وهنا يبرز صوت «جودمان» مع صوت «ليبوفيتش»، ليشكلا معًا النقد الديني الأخلاقي العميق، الذي يرى في الصهيونية انحرافًا عن جوهر اليهودية.
وهنا ننتقل من النقد الداخلي إلى النقد من خارج فيلق الصهيونية، حين تشتغل عدسة الفلسفة العالمية. فإذا كان النقد الداخلي والروحي للمشروع الصهيوني قد هدم الأساس الأخلاقي للمشروع، فإن الفلسفة العالمية تقدم لنا أدوات جراحية لفهم بنية الوعي الجمعي المعتل للمجتمع القائم على هذا المشروع، وهنا يبرز دور «الاعتلال البنيوي» كإطار شامل لفهم لماذا يبدو هذا المجتمع مختلفًا جذريًا عن غيره من المجتمعات الحديثة.
وفي هذا السياق، يأتي صوت المفكر الفلسطيني «إدوارد سعيد» كواحد من أبرز المفكرين الذين حللوا هذا «الاعتلال» من خارج الدائرة اليهودية، ولكن بعمق فلسفي وأدبي نادر.
والمفكر إدوارد سعيد يمثل حالة خاصة جدًا، فهو الضحية التي أصبحت «ضحية الضحية»، والاستشراق الجديد، وقبل أن نغوص في تفاصيل الاعتلال البنيوي، يجدر بنا أن نتوقف عند إدوارد سعيد، هذا المفكر الفلسطيني الذي قدم التشخيص الأكثر بلاغة وتأثيرًا حول تداخل السرديات وتشابكها في هذا الصراع.
لقد حلل إدوارد سعيد، في كتابيه «مسألة فلسطين» و«الاستشراق»، كيف استغلت الصهيونية «المظلومية الأوروبية»، أو «الهولوكوست»، لاضطهاد شعب آخر، لقد رأى إدوارد سعيد، بعين الأديب والمفكر المحلل والناقد الثقافي، كيف تم توظيف السردية اليهودية للمعاناة في أوروبا لتبرير معاناة الفلسطينيين في وطنهم، كما قدم لنا «سعيد» أداة تحليلية بالغة الأهمية لفهم دور «الصهيوني الوظيفي» في كتابه التأسيسي «الاستشراق»، وهو ما نستعرضه في مقالنا المقبل.