ظروف وسياق كل زيارة وجولة تختلف عن الثانية، لكن يجمع بينهما أن الثقافة والحضارة كانت الهدف من كل جولة ما بين القاهرة الإسلامية التى شهدت المواجهة العنيفة، صيف سنة 1798 بين قوات نابليون وجماهير الشعب المصرى، وكذلك الإسكندرية التى شهدت مواجهات مشابهة أثناء حملة نابليون، هنا الدلالة التاريخية واضحة وهى أن السياسة متغيرة ومتقلبة يمكن أن تحمل بذور الصراع والحرب، لنقل المواجهة العنيفة والدموية، وعادة يكون ذلك مؤقتًا، بل وعابرًا فى سياق حركة التاريخ، لكن الأبقى والأعمق هو الثقافة والحضارة.. فى جولة القاهرة اصطحب الرئيس السيسى ضيفه الفرنسى، إلى الحى الذى شهد طفولة وشباب نجيب محفوظ، وكان محط إبداعاته وكتاباته من الثلاثية إلى خان الخليلى وحتى حكايات حارتنا وغيرها، وفى جولة هذا العام، كان الرئيس ماكرون نفسه هو الذى وصف الإسكندرية بأنها جنة ومدينة المتوسط التى كانت مهدًا لكل من يوسف شاهين المخرج العالمى-هذا العام تحتفل بمئويته- وموطن الفنان العالمى عمر الشريف، وسواهما من كبار المبدعين والفنانين.
ويجب القول إن علاقات مصر وفرنسا كانت متميزة معظم الوقت، نتذكر الصداقة التى ربطت الرئيس التاريخى شارل ديجول بالرئيس عبدالناصر، ثم صلة الرئيس ديستان بالرئيس السادات، وبعدها جاك شيراك وحتى مبارك... لكن علاقة ماكرون والرئيس السيسى مختلفة، فقد حرص كل منهما على تعميق التواصل فى مختلف المجالات، من الجانب العسكرى والسياسى، وحتى ما هو ثقافى وحضارى.
تأسست جامعة «سنجور» فى الإسكندرية سنة 1990، وهى تمنح درجة الماجستير، أى الدراسات العليا، يدرس بها كوادر المستقبل من أبناء القارة الإفريقية، وقررت مصر بالاتفاق مع فرنسا بناء مقر جديد لها، تبرعت مصر بقطعة أرض كبيرة لها، وأُقيم المبنى على أحدث الطرز العالمية فى بناء وتدشين الجامعات.
ويهمنا فى الافتتاح الكلمات التى قالها كل من الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس إيمانويل ماكرون، كل كلمة تنطوى على العديد من المعانى والأفكار المهمة للغاية.
قال الرئيس السيسى إن مصر أسهمت عبر التاريخ فى تشكيل وجدان البشرية وإثراء مسيرتها العلمية، قال الرئيس أيضا إن مصر لم تكن حاضنة المعرفة فحسب، بل كانت شريكًا أصيلاً فى إنتاجها ونشرها.. أكد الرئيس أيضا أن مصر كانت دائمًا جسرًا للتواصل الحضارى بين الشعوب.
بهذه الكلمات أمام الرئيس الفرنسى وضيوف الحفل من الأشقاء الأفارقة، أكد الرئيس السيسى المعنى والدور الحضارى لمصر تاريخيا، نحن كنا دائمًا حلقة وصل بين ضفتى المتوسط؛ شمالا وجنوبا.. وبين إفريقيا والعالم العربى، لم نكن فقط مجرد جسر للتواصل بين الحضارات والثقافات بل كنا دائما مشاركين وفاعلين فيها.
الرئيس الفرنسى ماكرون تحدث بحميمة عن الإسكندرية، وتناول بإكبار وتقدير العلاقات المصرية – الفرنسية، مؤكدا أنها من أجل السلام والتنمية وليست موجهة ضد أحد.. وقال ماكرون إن العالم فى هذه اللحظة الصعبة يحتاج إلى الجامعات، فهى الأداة التى يمكن من خلالها رسم المستقبل للإنسانية، قال أيضا إن المعرفة يمكن أو يجب أن تربط ضفتى وعالم المتوسط.
كلمة الرئيس السيسى وافتتاح جامعة سنجور، يؤكد عدة معانٍ مهمة يحسن أن نتوقف عندها.
لقد تصور البعض لعقود من أولئك الذين ينظرون شذرًا إلى اهتمام مصر بالبعد المتوسطى فى تكوينها، أن ذلك يعنى بالضرورة الابتعاد عن العالم العربى ومقاطعة إفريقيا، باختصار فهموها على أنها ذوبان فى أوروبا «الاستعمارية»، ولعلنا نتذكر الحرب الضارية التى شُنت على د.طه حسين بسبب كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» الصادر سنة 1938، فقد دعا طه حسين إلى الاهتمام بالبعد المتوسطى فى الثقافة والتعليم.
وقد مضت العقود، 88 عاما على صدور الكتاب، واليوم نحن بإزاء افتتاح مقر جديد لجامعة سنجور، وهى تعمل منذ سنة 1990، الدراسة فيها باللغة الفرنسية، مشروع مشترك بدأ بين مصر وفرنسا وتحمل اسم الشاعر ليبود سنجور، وهو أيضا أول رئيس للسنغال بعد استقلالها عن فرنسا، الجامعة تعكس الرابطة المتوسطية وجمهورها المستهدف فى المقام الأول أبناء قارة إفريقيا.. الجامعة تهدف لإعداد كوادر تعمل على مشاريع التنمية المستدامة فى القارة.
الرئيس السيسى ركز على فكرة احتضان مصر للمعرفة والمشاركة فى إنتاجها ونقلها إلى العالم، وأن مصر كانت جسرًا حضاريًا.. وهذا يفتح المجال على اتساعه، الحضارة أحد شروطها أن تعمّ الجميع، قد تتركز فى بلد ما أو بقعة معينة، لكن أنوارها يجب أن تنتقل إلى الجميع ولا تكون حكرًا على أحد.
الرئيس ماكرون شدد على دور المعرفة فى ربط بلاد المتوسط وربطها أيضا مع القارة الإفريقية.. فى خضم الصراعات السياسية والحروب فى كل مكان، سواء بين بلدان مجاورة، أو حتى داخل البلد الواحد «حروب أهلية» فى النهاية الحل هو السعى إلى السلام والعمل على التنمية وهذا ما أكد عليه الرئيسان، وذلك يتحقق بنشر العلم والمعرفة.
التأكيد على هذه المعانى يأتى فى توقيت يجتاح العالم فيه ليس فقط الحروب العسكرية، لكن هناك موجة من التجهيل العام، فقد أتاحت السوشيال ميديا المجال لأن يتكلم أى شخص فى أى شيء، ويصبح خبيرًا وعالمًا، وتراجعت معايير وشروط التخصص العلمى والمعرفى، تراجعت أيضا مكانة العلم والخبرة لصالح أدعياء السوشيال، وباسم الديمقراطية والمشاركة، صار من حق أى جاهل أن يناطح الحاصل على نوبل فى تخصصه، لمقولة نحن أيضا لدينا رأى وفكرة، أو المقولة التى كان يرددها بعض الهواة هنا.. نحن رجال وهم رجال، وكانت كلمة حق يُراد بها الباطل.. والباطل فقط.
فى ظل هذه الهجمة العالمية، والحديث عن تراجع مكانة الجامعات وأن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يغنى الفرد عن التعلم وعن الدراسة، نجد مصر وفرنسا مهتمتين معا بالعلم وبالمعرفة.. وبالتخصص العلمى والمعرفى.
وهناك عشرات الجامعات تأسست فى مصر فى العقد الأخير، وقد أكد الرئيس السيسى على عدم منح أى جامعة جديدة موافقة على التأسيس ما لم تكن مرتبطة علميا ومعرفيا بإحدى الجامعات الكبرى فى العالم، والهدف هو ربط الطالب والدارس المصرى بأحدث المناهج العلمية ومراكز البحوث المتقدمة، كى يكون مواكبًا لما يجرى فى العالم.. الانفتاح والتواصل العلمى هو الذى قدم لنا كبار العلماء والمفكرين.. من على مصطفى مشرفة وحتى مجدى يعقوب وأحمد زويل وفاروق الباز وغيرهم كثر فى مختلف التخصصات، أما فى مجال العلوم الإنسانية فالنماذج عديدة من لطفى السيد والشيخين مصطفى وعلى عبدالرازق وطه حسين وزكى نجيب محمود ومحمد مندور ولويس عوض وشفيق غبريـال وسليمان حزين وجمال حمدان وعشرات آخرين.
يوم السبت كانت جولة الرئيسين السيسى وماكرون فى الإسكندرية، وفى قلعة قايتباى، بين عموم المواطنين من أهل الثغر العظيم، وتستحق الإسكندرية هذا الاحتفاء.
ذات يوم فى العالم القديم، كانت الإسكندرية ومكتبتها هى قبلة العالم فى العلم والمعرفة، كان فيها أكثر من ثلاثمائة ألف لفافة، أى كتاب فى مختلف التخصصات العلمية والأدبية من فلسفة وعلم وأدب، ولم يكن لعالم أن ينال اعترافًا علميًا بدوره وقدره ما لم يكن قد جاء إلى الإسكندرية ومكتبتها القديمة، فيلون السكندرى من أشهر وأهم فلاسفة العالم القديم كان ابنا لهذه المدينة، وكذا الفيلسوفة والعالمة المقتولة هيباتيا وغيرها.. وحتى اليوم، فإن الإسكندرية هى رمز التاريخ والفكر الهلينستى فى العالم، وهكذا كانت المدينة تجمع بين روح الشرق والغرب، التقى عندها الجميع، أوروبا تأتى إليها وهى رأس إفريقيا فى نفس الوقت.
ولم تفارقها تلك الروح فى العصر الإسلامى، زارها أبو حامد الغزالى حجة الإسلام وكان يخطط لينتقل منها إلى شمال إفريقيا، وجاءها عبدالرحمن بن خلدون وتوقف فيها كثير من العلماء والرحالة المسلمين، ولم تفارقها تلك الروح، بل ظلت تتواصل مع مدن المتوسط شمالاً، لذا كان بها جالية يونانية كبيرة وكذلك إيطالية وفرنسية، بل روسية أيضا.
وحرصًا من الدولة المصرية على تلك الروح، تأسست جامعة الإسكندرية سنة 1942 فى ذروة الحرب العالمية الثانية، وفى مطلع الألفية الجديدة تأست مكتبة الإسكندرية، لتعيد أمجاد المكتبة القديمة، باختصار محاولة وصل ما انقطع واستمرار المسار الحضارى.
هذه المدينة وُلد وعاش بها سنواته الأولى أبرز شعراء العامية المصرية محمود بيرم التونسى، ومنها عرف اسمه ولمع كشاعر، وسيف وانلى والشاعر اليونانى السكندرى كفافيس وكذلك الإنجليزى لورنس داريل، صاحب رباعية الإسكندرية، وفيها تأسست جريدة الأهرام سنة 1876.
إذن افتتاح جامعة سنجور هو جزء من نهج عام اتخذته الدولة المصرية لبناء دولة المعرفة والعلم.
جولة السبت فى الإسكندرية مع الرئيس ماكرون جاءت بعد أقل من 48 ساعة من زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى الخاطفة، إلى كل من دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة وسلطنة عمان، كانت الزيارة للتعبير عن موقفنا الحازم إلى جوار الأشقاء ضد العدوان عليهم والغارات التى شنتها إيران ضدهم، منذ بداية الحرب يوم 28 فبراير الماضى، موقف أخوى ليس غريبًا بين الأشقاء ويبرز دور مصر الداعم دائما فى كل المواقف الصعبة التى يتعرض لها الأشقاء.
الرسالة أن علاقتنا بالأشقاء العرب ليس معناها أن نتجاهل أوروبا وعلاقتنا بأوروبا، شمال المتوسط، وقارتنا السمراء إفريقيا.. كما لا يجب أن يفهم أحد أن علاقتنا المتنامية مع أوروبا والاتحاد الأوروبى، ومع فرنسا تحديدا، تعنى الانقطاع أو الانفصام عن عروبتنا وعالمنا العربى.. بل يجب أن يفهم الجميع أن مصر بلد متسع، تطل شمالا على أوروبا وجنوبا نحن جزء من إفريقيا وشرقا وغربا على الأشقاء العرب.. من يتصور أن مصر أحادية البعد ومن ثم العلاقات لا يعرف طبيعة ولا هوية هذا الوطن الكبير والممتدة فى التاريخ وفى الجغرافيا.
فى العقود السابقة انتشرت بعض التصورات والأفكار يجب مراجعتها، بعد أن ثبت عدم دقتها، كان هناك تصور أن الارتباط بالعروبة يعنى القطيعة بل العداء مع انتماءات أخرى، خاصة الانتماء المتوسطى.
وكان التصور أن أى علاقة مع دول المتوسط وأوربا، إنما هى محاولة اللحاق بالاستعمار والتخلى عن العروبة.. الآن ومنذ نهاية الخمسينيات تراجعت أوروبا الاستعمارية، استقلت الجزائر وكل البلاد الإفريقية تقريبًا، بقيت لنا حقائق الجغرافيا والثقافة والحضارة.. فرضت الجغرافيا التواصل بين دول المتوسط.. مصر وفرنسا وإيطاليا واليونان وهكذا الصراعات والحروب الآن معظمها بين دول متجاورة؛ روسيا وأوكرانيا نموذجًا.
فى كل هذا، فإن مصر تمتلك تنوعًا جغرافيا وارتباطًا بين ثلاث قارات.
أما فى الحضارة والثقافة فى مصر القديمة، فكانت حضارتنا تسود الدنيا، الآثار الباقية من معابد والأهرامات وأبو الهول، خير شاهد، وفى العصر البطلمى كانت الإسكندرية عاصمة الدنيا قاطبة، على المستوى الثقافى والفلسفى وفى العصر الإسلامى كانت الفسطاط والقاهرة قلعة حضارية وثقافية فى العالمين العربى والإسلامى، وفى العصر الحديث حدث ولا حرج، كلية طب قصر العينى تكمل الآن قرنين من عمرها، المجمع العلمى المصرى يكمل قرنين وربع القرن وهكذا.