رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العلاقات المصرية الفرنسية.. مصالح استراتيجية وتوافق فى الرؤى


15-5-2026 | 12:26

.

طباعة
تقرير: منار عصام

العلاقات المصرية الفرنسية التى تمتد لأكثر من مائتى عام، شهدت فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى مسارًا جديدًا وانفتاحًا أكثر فى ظل علاقات الألفة مع الرئيس إيمانويل ماكرون، والتى برهنت عليها مشاهد وصور تناقلها العالم كله، أبرزت مدى التفاهم والتقارب بين الرئيسين خلال زيارات ماكرون لمصر.

 

تحولت العلاقات بين البلدين إلى شراكة استراتيجية شاملة تمتد من التعاون العسكرى والاقتصادى إلى التنسيق السياسى والثقافي. كما أن هناك توافقًا سياسيًا كبيرًا بين مصر وفرنسا فى عديد من القضايا، وعلى رأسها حل القضية الفلسطينية، فضلًا عن ضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية فى المنطقة.

وقال خبراء أن «التعاون المتصاعد بين البلدين يعكس الثقة المتبادلة وتقدير فرنسا للدور المصرى إقليميًا وعربيًا وشرق أوسطيًا وإفريقيًا ودوليًا». وأكدوا أن «العلاقات المصرية الفرنسية تجاوزت مرحلة التبادل التجارى التقليدي؛ لتصبح علاقات اقتصادية استراتيجية طويلة المدى».

وتحدث السفير جمال بيومى، مساعد وزير الخارجية الأسبق عن أن التحول الحقيقى فى العلاقات بين مصر وفرنسا بدأ مع توقيع مصر لاتفاقية المشاركة مع الاتحاد الأوروبى، التى أسهمت فى قفزة الصادرات المصرية إلى الأسواق الأوروبية أربعة أضعاف، بفضل الإعفاءات الجمركية، ما جعل المنتج المصرى قادرًا على المنافسة بقوة.

وأضاف أن فرنسا إلى جانب ألمانيا وإيطاليا تمثل قلب الاقتصاد الأوروبى، وهى من أكبر الشركاء التجاريين لمصر داخل تكتل يضم 27 دولة، مشيرًا إلى أن التعاون لم يقتصر على التجارة فحسب، بل امتد ليشمل مشروعات كبرى مثل مترو الأنفاق بالقاهرة.

ولفت إلى البعد الثقافى العميق فى العلاقات، مستعرضًا أسماء مصرية لامعة درست فى فرنسا، على رأسهم الأديب طه حسين، والدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذى حصل على الدكتوراه من جامعة فرنسية، فضلًا عن عشرات المثقفين والعلماء المصريين الذين تخرجوا فى الجامعات الفرنسية.

وكشف «بيومى» عن وجود نحو مليون ونصف المليون مصرى فى أوروبا يتركز معظمهم فى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا واليونان، مشيدًا بمكانة العمالة المصرية خاصة من محافظة دمياط، فى مجالى النقل البحرى وصناعة النسيج باليونان.

وأكد السفير أن الاتحاد الأوروبى يُعد أكبر شريك تجارى لمصر، وتحتل فرنسا موقع الريادة بين الدول الأوروبية من حيث حجم الاستثمارات فى السوق المصرية. فمصر أصبحت مصدرًا رئيسيًا للبطاطس والبرتقال والموالح وزيت الزيتون والبلح والتمر إلى الأسواق الأوروبية، معربًا عن تفاؤله بقدرة المنتجات المصرية على التوسع فى السوق الأوروبى، إذ لا تزال النسبة التى تستحوذ عليها مصر محدودة.

وعن تطور العلاقات حديثا، أوضح «بيومى»أنها شهدت نوعًا من الجمود خلال الفترة الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك. أما اليوم فالرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس إيمانويل ماكرون تجمعهما علاقة وثيقة جدًا، مشيرًا إلى أن ماكرون يحرص على زيارة الأماكن الشعبية والتجول فى شوارع القاهرة والإسكندرية ليعكس صورة مصر الحقيقية وليس فقط فنادق الخمس نجوم.

حول التحديات، دعا السفير «بيومى» إلى تطوير بيئة الاستثمار فى مصر، لافتًا إلى أن المنافسة على جذب المستثمرين أصبحت شديدة، ليس فقط من دول الخليج، بل أيضًا من لبنان وليبيا وتونس. وأوضح أن مصر بحاجة ماسة إلى الاستثمارات الأجنبية التى توفر فرص عمل وتنتج سلعًا للتصدير وللاستهلاك المحلي.

وبشأن البعد الاقتصادى والأكاديمى فى العلاقات المصرية الفرنسية، أشار الدكتور مدحت الصالح، أستاذ الإدارة والتنمية المستدامة بجامعة القاهرة إلى أن افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور بمدينة الإسكندرية «حدث جلل».

وأوضح أن هذه الجامعة ليست جامعة حكومية مصرية كما يعتقد البعض، بل هى مؤسسة أكاديمية دولية ناطقة باللغة الفرنسيةتابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، تأسست عام 1989 بقرار من رؤساء دول المنظمة، وافتتحت رسميًا عام 1990 فى الإسكندرية. وأضاف أن الجامعة تهدف إلى إعداد الكوادر والقيادات الإفريقية القادرة على إدارة مشروعات التنمية المستدامة فى مجالات متعددة، أبرزها: الإدارة العامة (الحكومية)، والصحة، والبيئة، والثقافة، والعلوم. وأشار إلى أن هذا الحدث حظى بتغطية واسعة من معظم الصحف العالمية الصادرة باللغة الفرنسية، باعتباره استمرارًا للعلاقات المصرية الفرنسية المؤثرة سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.

وأكد«الصالح» لولا العلاقات المصرية الفرنسية المميزة ما كنا قد حصلنا على طائرات الرافال الشهيرة، مشيرا إلى أن التعاون المصرى الفرنسى فى مجال الصناعات العسكرية مثمر خاصة فيما يتعلق بتوفير قطع الغيار للطائرات المصرية، مشيدًا بكفاءة الطيارين المصريين الذين استلموا طائرات الرافال من فرنسا وحلقوا بها عائدين إلى مصر، بل وقدموا عروضًا استعراضية مبهرة فى احتفالات تخرج عسكرية، مما أثار إعجاب وزير الدفاع الفرنسي.

وأضاف أن العقد المصرى لشراء هذا العدد من الطائرات كان بمثابة «نبراس» لدول أخرى ليحذوا حذوها. كما أشار إلى وجود أنباء سارة عن إحياء مشروع إنتاج السيارة المصرية الفرنسية، وإمكانية أن تصبح مصر مقرًا لصناعات فرنسية متطورة، مذكرًا بأن مصر سبق أن أنتجت طائرة «ألفا جيت» بالتعاون الفرنسي.

وفى تعليقه على بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء التى أظهرت ارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى فرنسا خلال عام 2025 إلى 1.14 مليار دولار مقابل 1.09 مليار دولار عام 2024، يرى الدكتور «الصالح» أن هذه الأرقام – رغم دقتها – لا تمثل «الطفرة الحقيقية» التى تسعى إليها القيادتان السياسيتان فى البلدين، موضحًا أن التطور الاقتصادى بين مصر وفرنسا يمكن أن يصل إلى أبعد من ذلك، خاصة فى مجالى الصناعات الغذائية والاستثمارات الجادة، مشيرًا إلى وجود رؤى مبشرة بالخير فى هذا المسار، والدعم الفرنسى لعديد من المشروعات المصرية، ومنها دعم «المتحف الكبير»، وهو دعم ثقافى ينعكس سياسيًا واقتصاديًا، مشيدًا باحترام الفرنسيين للثقافة المصرية إلى أبعد الحدود.

وأوضح «الصالح» أن التقارب الكبير فى الرؤى بين البلدين، والتطورات فى مجالات الصناعة والتعليم والتكنولوجيا، تجعل المواطن المصرى أكثر قبولًا وترحيبًا فى العواصم الفرنسية. وضرب مثالًا بما لاحظه فى زياراته للمتحف المصرى من أعداد غير عادية للسياح الفرنسيين والناطقين بالفرنسية. وشدد على أن مصر تحتاج إلى التوجه نحو مفهوم «القيمة المضافة» فى الاقتصاد من خلال الاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة الموجودة لدى الدول المحبة لمصر وفى مقدمتها فرنسا.

فى سياق ذلك، أكد الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادى، أن العلاقات المصرية الفرنسية تجاوزت مرحلة التبادل التجارى التقليدي؛ لتصبح «علاقات اقتصادية استراتيجية طويلة المدى». وأشار إلى أن زيارة الرئيس ماكرون إلى مصر فى أبريل 2024 مثلت نقطة تحول فارقة، إذ أسهمت فى زيادة حزمة الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، والتى تقترب قيمتها من 8 مليارات دولار.

واستعرض «بدرة» أبرز المؤشرات الاقتصادية للتعاون المشترك، موضحًا أن هناك أكثر من 1500 شركة مشتركة بين مصر وفرنسا تعمل فى مجالات متنوعة، فيما يقدر حجم التبادل التجارى بين البلدين بنحو 3 مليارات دولار حتى العام الماضى، وفرنسا تتوسع فى زيادة استثماراتها بقطاعات البنية التحتية، وعلى رأسها وسائل النقل والطاقة والطاقة المتجددة.

عن كيفية ترجمة هذه العلاقات الاقتصادية الكبرى إلى منفعة ملموسة للمواطن، أجاب الدكتور «بدرة» أنه كلما توسعت فرنسا فى ضخ استثماراتها، كما حدث فى مترو الأنفاق، نشعر بالنتيجة». واستشهد بالخط الأول لمترو الأنفاق (من المرج إلى حلوان) الذى تم بتنفيذ استثمارات فرنسية، ولا يزال المواطن يلمس آثاره حتى اليوم بعد عقود من تشغيله، وكذلك المشروعات الجديدة فى الموانئ والطاقة المتجددة، وقطاع الكهرباء، تشهد مشاركة فرنسية واسعة تحقق نجاحات ملموسة تعود بالنفع المباشر على المواطن.

حول القفزة فى الاستثمارات الفرنسية بمصر من 483 مليون دولار فى 2024 إلى 767 مليون دولار خلال 2025، أوضح «بدرة» أن الرقم الحقيقى للاستثمارات الفرنسية فى مصر يقترب من مليار دولار بمعدل نمو سنوى يتراوح بين 14 و15 فى المائة. واعتبر أن هذا الرقم كبير وهام، خاصة أنه يأتى من دولة عضو فى الاتحاد الأوروبى ومن الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن، مما يضفى بعدًا سياسيًا إضافيًا على الشراكة الاقتصادية.

وأشار إلى أن فرنسا تستفيد من مصر كبوابة للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية، خصوصًا فى ظل اتفاقيات مصر مع الدول الإفريقية التى تنص على تخفيف القيود الجمركية أو إلغائها. وأوضح «فرنسا عندما تصدر إلى مصر، فإنها فى الوقت نفسه تصل إلى الأسواق فى القارة عبر المكونات المصرية، وهذه ميزة نسبية تمتلكها مصر دون غيرها».

الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قال إن العلاقات المصرية الفرنسية تمتد لأكثر من مائتى عام، وكان البعد الثقافى حاضرًا بقوة منذ وصول الحملة الفرنسية إلى الإسكندرية، المدينة التى زارها الرئيس ماكرون مؤخرا.

وكشف عن أن الرئيس ماكرون قام بـ 8 زيارات لمصر فى مناسبات متعددة، كان من بينها فى أبريل 2025، والتى شهدت ترفيع العلاقات بين الدولتين إلى «شراكة استراتيجية» فى مختلف المجالات.

وأكد «سلامة» أن هناك توافقًا سياسيًا كبيرًا بين مصر وفرنسا فى عديد من القضايا وعلى رأسها العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، فضلًا عن ضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية فى المنطقة.

وتابع: وفى المجال العسكرى، التعاون القائم بين البلدين، خصوصًا فيما يتعلق بالمشتريات العسكرية، وفى مقدمتها طائرات الرافال، معتبرًا أن هذا التعاون يعكس الثقة المتبادلة بين الدولتين وتقدير فرنسا للدور المصرى إقليميًا وعربيًا وشرق أوسطيًا وإفريقيًا ودوليًا.

لم يغفل «سلامة» البعد الشخصى فى العلاقة بين الرئيسين السيسى وماكرون، واصفًا إياها بـ«الكيمياء الشخصية» التى تجلت فى لقاءات متعددة، سواء فى الزيارات السابقة أو الزيارة الحالية بالإسكندرية، وما شهده المراقبون من حميمية بين الرئيسين. وأشار إلى أن تأكيد الرئيس ماكرون على ضرورة حضوره لافتتاح جامعة سنجور – فى مساحتها الجديدة البالغة عشرة أفدنة – يحمل رسالة مهمة، واصفًا الجامعة بأنها «هدية مصر إلى إفريقيا واستعادة لدورها الحقيقى فى إعداد الكوادر الإفريقية».

ويرى «سلامة» أن فرنسا تعتبر مصر المنفذ والمدخل الطبيعى إلى القارة الإفريقية. كما أن مصر تعزز علاقتها مع فرنسا باعتبارها دولة مفتاحية يمر عبرها كل القضايا إلى القارة، لا سيما أن مصر لديها دراية كبيرة بحكم انتسابها لإفريقيا؛ إذ حملت هموم القارة أكثر من مرة، وترأست الاتحاد الإفريقى، وتحدثت باسم إفريقيا فى العديد من الفعاليات الدولية.

وكشف عن توافق مصرى فرنسى على زيادة عدد المدارس الفرنسية فى مصر، إذ توجد حاليًا نحو 60 مدرسة، إلى جانب الموافقة على إنشاء جامعة مصرية فرنسية جديدة، وزيادة الطاقة الاستيعابية لجامعة سنجور من 150 إلى 500 طالب، مما يتيح مساحة أكبر للمصريين للالتحاق بدراسات فى مجالات مستجدة مرتبطة بالتنمية المستدامة.

وخلص «سلامة» إلى أن هذه الزيارة تمثل «نقلة نوعية فى مسار علاقات تاريخية» بين مصر وفرنسا، مؤكدًا أن التعليم والثقافة يعدان بوابة للسياسة والاقتصاد فى هذه العلاقات، وفرنسا بثقلها داخل الاتحاد الأوروبى ومصر بثقلها كدولة مفتاحية فى القارة الإفريقية قادرتان على تحقيق ما هو مطلوب لنهضة القرن الإفريقى.

أخبار الساعة