رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السفير على الحفنى.. أمين المجلس المصرى للشؤون الخارجية: «كيمياء خاصة» فى علاقة الرئيس السيسى وماكرون


15-5-2026 | 12:26

السفير على الحفنى.. الأمين العام للمجلس المصرى للشؤون الخارجية

طباعة
حوار: أحمد جمعة

«كيمياء خاصة»، هكذا يُلخص السفير على الحفنى، الأمين العام للمجلس المصرى للشؤون الخارجية، رؤيته للعلاقة بين الرئيسين عبدالفتاح السيسى وإيمانويل ماكرون، والتى تجاوزت الطابع البروتوكولى التقليدى للعلاقات بين زعماء الدول، نحو مستوى أكثر عمقًا من التفاهم والثقة والتنسيق السياسى.

وفى هذا الحوار، يقدم «الحفنى» قراءة معمقة لدلالات الزيارة الثانية للرئيس ماكرون إلى مصر خلال عام واحد، مشيرًا إلى مسار العلاقات المصرية الفرنسية خلال العقد الأخير، باعتبارها نموذجًا لشراكة تتعزز بتفاهمات سياسية متراكمة، وتعاون ممتد فى مجالات الاقتصاد والتعليم والصناعة والتسليح، وصولًا إلى مستويات غير مسبوقة من التنسيق الاستراتيجى.

ولا يغفل السفير «الحفنى» البعد الرمزى لزيارة ماكرون إلى شوارع الإسكندرية ومواقعها التراثية، معتبرًا أنها تحمل رسائل واضحة عن الاستقرار فى مصر، وعن قدرتها على الجمع بين الانفتاح الثقافى والهوية التاريخية، فى منطقة تموج بالاضطرابات.. وإلى نص الحوار:

 

كيف تقرأ دلالة الزيارة الثانية للرئيس ماكرون لمصر خلال عام واحد؟ هل نحن أمام علاقة استثنائية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسى؟

أرى أنها زيارة موفقة للغاية، وجاءت لغرض مهم، يتمثل فى حضور افتتاح الصرح الجديد لجامعة «سنجور» فى برج العرب، وهذه الجامعة تُعد مؤسسة ناجحة بكل المقاييس؛ إذ استمرت لعقود، وخرّجت آلاف الكوادر الإفريقية، كما تتمتع بسمعة دولية كبيرة، ليس فقط فى إطار المنظمة الدولية للفرنكوفونية والدول الأعضاء فيها، وإنما أيضًا على المستوى الإفريقى بصورة خاصة، وعلى المستوى الدولى بصورة عامة.

وشهدنا مراسم الاحتفال بافتتاح هذا الصرح الجديد، وهو أمر يبعث على الفخر والاعتزاز، فهذا عمل راقٍ فى مجال التعليم، ويؤكد أن مصر دولة متعددة الثقافات، تحترم هذا التعدد، وتعمل على دعم التنمية فى القارة الإفريقية من خلال إعداد الكوادر الإفريقية التى تعود، بعد انتهاء دراستها فى الجامعة، لتسهم فى عمليات التنمية البشرية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك التنمية التقنية فى بلدانها.

وبالتالى، يمكن القول إن هذا الحدث يمثل احتفالًا مهماً لمصر، وللوسط الأكاديمى المصرى، ولمنظومة التعليم العالى فى مصر. كما أن له أبعادًا إقليمية على المستوى الإفريقى، وأبعادًا دولية أيضًا، لأنه يرتبط بقضية التعليم العالى بصفة خاصة.

وبطبيعة الحال، فإن وجود الرئيس ماكرون فى هذه المناسبة يُعد أمرًا بالغ الأهمية، لأن فرنسا لعبت دورًا كبيرًا فى تأسيس الرابطة الفرنكوفونية، التى تحولت لاحقًا إلى منظمة دولية، ولا ننسى أن أول أمين عام لهذه المنظمة كان الدكتور الراحل بطرس بطرس غالى، الذى شغل أيضًا منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

والحقيقة أن مسيرة التعاون التعليمى بين مصر وفرنسا تمثل مصدر اعتزاز وفخر لنا جميعًا، خاصة أن مئات الآلاف من الكوادر المصرية ذهبت للاستفادة من فرص التعليم العالى فى فرنسا، ولا سيما فى مجال الحقوق والقانون، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا يزال هذا التعاون مستمرًا حتى اليوم.

ومن ثم، فإن مصر منفتحة تعليميًا على مختلف الدول، ومنفتحة ثقافيًا على الفضاء الفرنكوفونى، وهو أمر يمثل بلا شك مصدر اعتزاز وفخر لكل مصرى.

وما تقييمك لمسار العلاقات الثنائية بين مصر وفرنسا خلال العقد الأخير؟

زيارة الرئيس ماكرون إلى مصر مهمة للغاية، لأن البلدين يرتبطان بعلاقات خاصة ووثيقة للغاية، وهى علاقات تتطور مع مرور الوقت، وتعكس حجم التفاهم القائم بين مصر وفرنسا، سواء على مستوى الرئيسين المصرى والفرنسى، أو على مستوى الحكومتين المصرية والفرنسية.

فهناك تبادل وتعاون فى مجالات عديدة، لا يقتصر فقط على المجال التعليمى، وإنما يمتد أيضًا إلى المجالات الاقتصادية والفنية، كما تُعد فرنسا من أهم الدول المستثمرة فى مصر، وهو ما يعكس عمق الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

وامتد هذا التعاون إلى مجالات متعددة، بما فى ذلك المجال العسكرى، حيث جرى إبرام صفقات مهمة بين مصر وفرنسا فى هذا الإطار، وتستفيد مصر من الخبرات الفرنسية المتراكمة فى مجال الصناعات العسكرية، إذ أصبحت تُنتج قطعًا بحرية، كما أصبحت تُصنع بعض قطع الغيار الخاصة بطائرات «رافال» التى استوردتها من فرنسا، والتى أسهمت فى تعزيز قدرات القوات الجوية المصرية، باعتبارها أحد أهم الأفرع الرئيسية فى منظومة التسليح التابعة للقوات المسلحة المصرية.

دائمًا ما يكون هناك جانب مختلف خلال زيارات ماكرون إلى مصر، سواء من خلال زيارته للأماكن التراثية أو جولاته فى الشارع.. ما تأثير ذلك؟

الجانب الذى شاهدناه خلال الزيارة محل تقدير كبير، خاصة ما قام به الرئيس ماكرون من نزول إلى الشارع المصرى والاحتكاك المباشر بالمواطنين، لأن ذلك يحمل دلالة مهمة للغاية، تتمثل فى حجم الاستقرار الذى تنعم به مصر فى الوقت الراهن، مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، لا سيما فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك منطقة القرن الإفريقى، التى لا تزال تشهد اضطرابات حادة ومتواصلة.

وقد شاهدنا جميعًا تداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وما خلفته من دمار، إلى جانب استمرار الأزمات والصراعات فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وفى لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، فضلًا عن التداعيات التى طالت بعض دول الخليج، وما تعرضت له من خسائر جسيمة وأضرار كبيرة نتيجة الاعتداءات الإيرانية على هذه الدول الشقيقة، وهى الحرب التى تركت انعكاسات وتداعيات واسعة على المنطقة بأكملها.

ومن ثم، فإن حرص الرئيس ماكرون على التجول فى الشارع المصرى، وزيارة الأماكن التراثية والتاريخية، والتفاعل المباشر مع المواطنين، يعكس حالة من الثقة فى مستوى الأمن والاستقرار الذى تشهده الدولة المصرية، كما يبعث برسائل إيجابية إلى المجتمع الدولى بشأن طبيعة الأوضاع داخل مصر، وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار وسط محيط إقليمى شديد الاضطراب.

أيضًا تظل لقاءات الرئيسين السيسى وماكرون تشهد مباحثات مهمة بشأن القضايا الإقليمية والدولية.. ما قراءتك للقاء الأخير؟

بالطبع، يُمثل اللقاء بين الزعيمين فرصة مهمة لاستمرار التشاور، وتبادل وجهات النظر والمعلومات، والتعرف على تقديرات كل جانب بشأن التطورات التى شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

ولا شك أن القضية الفلسطينية استحوذت على جانب مهم من هذه المباحثات، بما سمح بتأكيد الموقفين المصرى والفرنسى، مرة تلو الأخرى، تجاه القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، وكذلك فيما يتعلق بحل الدولتين باعتباره المسار الأساسى لتحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة.

ولا ننسى أيضًا المؤتمرين اللذين استضافتهما الأمم المتحدة، بمبادرة مشتركة من المملكة العربية السعودية وفرنسا، كما لا يمكن إغفال خطوة اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية، إلى جانب اعتراف عدد من الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى بالدولة الفلسطينية، وهى كلها تطورات مهمة تجرى متابعتها باهتمام بالغ.

كذلك، هناك متابعة دقيقة لما تحقق من تفاهمات خلال قمة شرم الشيخ فى نهاية العام الماضى، وما تم الاتفاق عليه بشأن وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، فضلًا عن أهمية الانتقال العاجل والضرورى من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية فى إطار تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه خلال القمة، التى شارك فيها عدد كبير من الزعماء والقادة الدوليين الذين أيدوا ودعموا هذا الإعلان، وما تضمنه من تفاهمات تهدف إلى وضع حد للأعمال العسكرية فى قطاع غزة، والانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا تسمح باستعادة الاستقرار فى هذه المنطقة المهمة الواقعة على الحدود الشرقية لمصر.

كيف يمكن تفسير هذا التقارب بين الرئيس السيسى وماكرون؟

من الواضح أن هناك «كيمياء ما بين الرئيسين» عبر حالة من التفاهم والتقارب، تقوم فى الأساس على الثقة المتبادلة، والاحترام المتبادل، فضلًا عن وجود فهم عميق لدى كل طرف لمواقف الطرف الآخر وتقديراته فيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية والدولية.

وهذا الأمر ينعكس بصورة مباشرة على مسار العلاقات المصرية الفرنسية، ويسهم فى تعزيزها، ودفعها نحو آفاق أوسع، بحيث لا تقتصر فقط على إطار الشراكة الاستراتيجية، وإنما تكتسب أيضًا قدرًا من الخصوصية التى تشكلت عبر عقود طويلة من التعاون والتقارب بين البلدين، والتى تشهد حاليًا مرحلة يمكن وصفها بالمرحلة الذهبية.

ومن ثم، فلا شك أن طبيعة العلاقة بين الزعيمين تلعب دورًا مهمًا للغاية فى استمرار قوة الدفع داخل العلاقات المصرية الفرنسية، وفى دعم فرص انتقالها إلى مستويات أرحب وأكثر عمقًا خلال المرحلة المقبلة.

ما الذى يجعل فرنسا فى عهد ماكرون تبدو أقرب وأكثر حضورًا للشراكة مع مصر مقارنة بسنوات سابقة؟

لا ينبغى أن ننسى أن فرنسا، على المستويين الرسمى والشعبى، تُقدّر مصر تقديرًا كبيرًا؛ فهى تُقدّر تاريخها، وحضارتها، وتراثها، كما تُقدّر السياسة الخارجية المصرية، وتُقدّر كذلك المواطن المصرى ذاته.. والرئيس الفرنسى، عندما يكون موجودًا فى مصر، يدرك جيدًا أنه موجود فى دولة ذات حضارة عظيمة أسهمت فى إثراء المعارف الإنسانية، وأن كثيرًا من العلوم والمعارف انطلقت من مصر إلى حوض البحر المتوسط، ثم إلى القارة الأوروبية، وإلى مختلف مناطق العالم.

ومن هنا يمكن فهم هذا الاهتمام الفرنسى المستمر بالاكتشافات الأثرية التى تشهدها مصر بين الحين والآخر، وكذلك حجم التعاون المصرى الفرنسى فى مجالات الآثار والحفاظ على التراث.

كما لا ينبغى إغفال أن منظمة اليونسكو تتخذ من باريس مقرًا لها، فضلًا عن أن مديرها العام الحالى مصرى، ويتمتع بمكانة متميزة للغاية، بالنظر إلى قدراته وخبراته، وهو محل تقدير كبير لدى الفرنسيين، الذين سبق أن دعموا ترشحه لمنصب مدير عام المنظمة، كما قدّروا دوره من قبل عندما تولى مسؤولية وزارة الآثار.

ومن ثم، فإن الرئيس ماكرون، عندما يزور مصر، فإنه يُعبر أيضًا عن قطاع واسع من الشعب الفرنسى الذى يقدر الحضارة المصرية وتاريخها والدور الذى لعبته مصر عبر العصور، وهو دور أسهمت فرنسا نفسها فى التفاعل معه والاستفادة منه.

ولا يمكن كذلك تجاهل تأثير الدور الفرنسى وما ارتبط به من اكتشافات علمية ومعرفية مهمة فى مصر، فضلًا عن انفتاح الفضاء التعليمى الفرنسى أمام الكوادر المصرية التى ذهبت إلى فرنسا للاستفادة من العلوم المختلفة، وخاصة العلوم القانونية، التى تُعد أساسًا لكثير من العلوم الأخرى.

عندما يتجول رئيس دولة كبرى فى شوارع الإسكندرية بهذا الشكل، ما الرسالة التى تصل للعالم عن مصر؟

من الطبيعى أن يحرص الرئيس ماكرون، خلال وجوده فى مصر، على زيارة الأماكن التى لم يزرها من قبل، وأن يستشعر عبق التاريخ والتراث والثقافة فى هذا البلد. فمصر دولة منفتحة على العالم، وتؤمن بالتعدد الثقافى، وهذا أمر واضح وراسخ فى بنيتها الثقافية والتعليمية.

لدينا مدارس فرنسية تُخرج سنويًا أعدادًا كبيرة من الطلاب، ولدينا الجامعة الفرنسية، ولدينا أيضًا جامعة «سنجور»، وبالتالى فإن الفضاء الثقافى الفرنسى داخل مصر له مكانته وتقديره واحترامه.

وبالتالى، فرغم أن الثقافة العربية تمثل المكون الأساسى لهوية مصر، فإن جذورنا المصرية القديمة حاضرة بقوة، إلى جانب انفتاحنا على الفضاء الثقافى الفرنسى والفضاء الثقافى الإنجليزى، وهو أمر نعتز به كثيرًا، ونعتبره أحد عناصر القوة الناعمة المصرية.

والأهم من ذلك أن هذا التعدد الثقافى لا يقتصر على الشعارات أو التصريحات، وإنما ينعكس فى سياسات وإجراءات عملية على أرض الواقع، وهو ما يدركه ويلاحظه كل مَن يزور مصر أو يتابعها من الخارج. ولذلك، فإن تجول رئيس دولة كبرى فى شوارع الإسكندرية بهذا الشكل يبعث برسالة واضحة إلى العالم، مفادها أن مصر دولة مستقرة، منفتحة، وآمنة، وقادرة على التفاعل الحضارى والثقافى مع مختلف شعوب العالم.

بالتزامن مع زيارته لمصر، صدّق ماكرون على قانون إعادة الآثار الإفريقية المنهوبة من فرنسا قبل عقود.. هل يأتى ذلك فى إطار إعادة صياغة علاقة بلاده بالقارة السمراء؟

نحن نُقدر هذا الموقف من جانب فرنسا، لأنه يعكس تطورًا مهمًا فى طريقة التعاطى مع ملف التراث الإفريقى. ولا ينبغى أن ننسى أن مصر استضافت فى عام 2000 القمة الإفريقية الأوروبية الأولى، وأن الإعلان الصادر عن هذه القمة تضمن جزءًا مهمًا يتعلق بتراث الدول الإفريقية، وضرورة توفير الآليات التى تسمح باستعادة ما خرج بصورة غير مشروعة من هذه الدول.

وهذا الأمر مهم للغاية، لأن الدول الإفريقية، ومنها مصر، لها الحق الكامل فى استعادة تراثها وآثارها، بما يسمح بتوفير المناخ الملائم لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها وحضارتها، وتعزيز شعورها بالفخر والاعتزاز بهذا التراث الإفريقى العريق.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة