رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الجدل مطلوب حول مشروع قانون الأسرة الجديد


15-5-2026 | 12:25

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

إن استمرار النقاش وإثارة الجدل حول مشروع قانون الأسرة الجديد قبيل إقراره من مجلس النواب.. ظاهرة صحية مطلوبة وربما تكون من أهم ضمانات نجاحه ـ هذه المرة ـ في عودة الاستقرار المجتمعي وفك الاشتباك وفض النزاعات الأسرية التي تزايدت معدلاتها وتسارعت وتيرتها على مدى العقود الستة الأخيرة رغم ما شهدته قوانين الأسرة السابقة من تعديلات كثيرة!.

هذا النقاش أو الجدل المجتمعي ظل غائباً ومفقوداً طوال السنوات الماضية، فدائماً ما كنا نفاجأ بقوانين أو تعديلات تشريعية «تسقط بالبراشوت» أي يتم تمريرها برلمانياً دون نقاش، فكان مصيرها الفشل في تحقيق التوازن المطلوب بين الحقوق والواجبات الملزمة لأطراف الحياة الزوجية، بل كانت كثيراً ما تكشف عن انحياز فج لطرف دون الآخر..

 

البعض رآها «تُشيطن» الزوج و«تُميلك» الزوجة والعكس، لأنها ببساطة شديدة كانت تصدر لخدمة أغراض شخصية فى ظروف معينة دون النظر إلى مصلحة الأسرة، فضلاً عن أنها كانت تأتى كرد فعل لأزمات اجتماعية وضغوطات إعلامية، وليست نتيجة حوار مجتمعى يضم مختلف الأطياف من رجال دين، وقانونيين، وعلماء نفس واجتماع، وجمعيات أهلية ومجتمع مدني، ناهيك عن أنها ركزت على جانب الحقوق دونما ترسيخ لمفهوم الواجبات المتبادلة داخل الأسرة.

ومن ثم.. عجّت محاكم الأسرة فى مصر بملايين القضايا سنوياً، وبحسب تقديرات العام القضائى الأخير (2025-2026) نظرت تلك المحاكم 1.7 مليون قضية، بمعدل يومى يقارب 1500 قضية جديدة تصدرتها قضايا النفقة والطلاق والخلع والحضانة والرؤية والولاية التعليمية، وجميعها استغرق الفصل فيها أوقاتاً طويلة ومعارك استنزاف نفسى ومادي، بينما الأبناء هم الضحية الأولى، الأمر الذى يعكس ضخامة الكثافة العالية للخلافات الزوجية!.

هذه المرة اختلف الوضع تماماً وبات النقاش المجتمعى ومدى التوافق عليه مطلوباً، وأصبح من أهم العناصر المكملة لإصدار تشريع متوازن، نأمل أن يحقق العدالة للطرفين، ويحمى حقوق الأبناء، ويضمن سرعة الفصل والحسم فى القضايا وتنفيذ الأحكام، بعيدًا عن أى انحياز لطرف على حساب الآخر.

لا شك أنه من النقاط المضيئة المستحدثة فى مشروع قانون الأسرة الجديد والمتكامل، المحال منذ أيام من الحكومة ــ التى تستحق الشكر عليه إلى البرلمان، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية، والذى يضم نحو 355 مادة، تلك التعديلات الجوهرية فى قضايا الطلاق والحضانة والنفقة، إلى جانب طرح بدائل مثل نظام «الاستضافة» بدلًا من الرؤية التقليدية، بهدف تحويل نظام الحضانة المنفردة إلى الحضانة المشتركة أو التربية التعاونية لتعزيز مصلحة الأبناء باعتبارها الأولوية القصوى، وتسريع إجراءات التقاضى وضمان تنفيذ الأحكام بفاعلية، واستحداث آليات أسرع للنفقة التى قد يستغرق الفصل فيها سنوات تمر بصعوبة بالغة على الزوجة والأبناء، وتقليل مساحات الصراع بعد الطلاق، والنقطة الأهم.. إشراك المجتمع فى صياغة القانون.

هناك أيضاً نقاط أراها جيدة، حتى وإن أثارت رؤى خلافية وجدلاً واسعاً بين مؤيدين ومعارضين حول «الشبكة والهدايا والنفقة»، والتعديلات الجذريّة فى الطلاق والخلع، وإعادة ترتيب أولويات الحضانة، ومقترح منح الزوجة حق فسخ العقد خلال 6 أشهر من إتمامه فى حال ثبوت التدليس (إخفاء معلومات جوهرية) على الرغم من أن بعض رجال الدين رأوه مخالفاً للشريعة الإسلامية، ورآه نفرٌ من رجال القانون عواراً دستورياً لم يقم على المساواة بين الجنسين عندما منح ذلك الحق للزوجة و منعه عن الزوج!

ومن أكثر النقاط التى أؤيدها بشدة، مسألة الحضانة، فقد حددت المادة 115 من مشروع القانون بأن يكون سن الحضانة 15 عامًا، حتى تكتمل لدى الطفل قدرته على التفكير المنطقى والاستنتاجي، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وتحمل المسؤولية، ويحق للمحضون بعد ذلك أن يختار العيش مع من يُريد ممن كان له الحق فى حضانته وله استبدال هذا الاختيار حتى يبلغ الصغير سن الرشد والصغيرة حتى تتزوج.

كما نصت المادة (136) على أن تكون الولاية التعليمية للأم بعد وفاة الأب، لتصبح الوصى الأول بدلاً من الجد أو العم، ومنح الحضانة للأب مباشرة بعد وفاة الأم بعد أن كان ترتيبه متأخراً جداً، وفى هذا الصدد كشفت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أسباب ذلك موضحة أنه تم تقديم الأب بعد الأم ليكون فى المرتبة الثانية، وفقًا لما أسفر عنه الواقع العملى من مشكلات أصابت العديد من الصغار بضرر نفسى واجتماعى نتيجة ضعف صلتهم بأبيهم وأهلهم من جهته، وهو ما يتفق مع ما انتهت إليه دار الإفتاء المصرية، حيث قررت أن ترتيب الحضانة بعد الأم ليس رأيًا قاطعًا، وإنما يُراعى فيه مصلحة المحضون التى تتغير بتغير الزمان والأحوال، وينبغى عند تشريع ترتيب الحاضنين أن يؤخذ فى الاعتبار ما تسفر عنه الدراسات والواقع الاجتماعي، فإذا ثبت أن مصلحة المحضون تتحقق بتقديم الأب بعد الأم جاز للمشرع الأخذ بذلك.

أما المادة 29 التى نصت على أن قائمة المنقولات ملكاً خالصاً للزوجة ولا يحق التنازل عنها، حتى وإن طلبت الخلع فقد شكلت مسار خلاف واجه نقاشاً مجتمعياً ورفضاً من البعض لا سيما رجال الدين الذين رأوا فيها مخالفة صريحة لسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

من النقاط المضيئة فى المشروع أيضاً تأكيده على توثيق الزواج كشرط أساسي، مما يحد من فرص الزواج العرفي، واعتبار الخطبة وعدًا بالزواج فقط، لا يترتب عليها أى آثار قانونية خاصة بعقد الزواج، وتأكيده على ضرورة توثيق الطلاق خلال 15 يوماً من وقوعه وعدم الاعتداد بالطلاق الشفهي، فضلاً عن ضرورة حصول الزوجة على موافقة كتابية من الزوج إذا شرع فى زواج ثان، أما إذا قرر تطليق زوجته خلال السنوات الثلاث الأولى، عليه أن يتقدم بطلب إلى قاضى الأمور الوقتية ليحصل على موافقته، وأتصور أن ذلك الشرط سيقلل من معدلات الطلاق التى سجلت ارتفاعاً ملحوظاً بلغت نسبته 3.1فى المائة فى عام 2024 عن العام السابق، لتصل إلى حوالى 274 ألف حالة، بمعدل تقريبى يبلغ 750 حالة يومياً، بحسب آخر إحصائية صدرت عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

ومن المواد المقترحة الجيدة من وجهة نظرى المتواضعة، يحق للخاطب أو ورثته استرداد المهر الذى تم دفعه قبل عقد القران، سواء فى حالة العدول عن الخطبة أو وفاة أحد الطرفين، على أن يتم رد المهر بذات الشيء أو بقيمته وقت استلامه إذا تعذر رده.

علينا أيضاً تثمين التعديلات التى تهدف إلى تقليل معاناة التقاضي، حيث ألزم المدعى بتقديم جميع طلباته المتعلقة بالنفقة وأجر المسكن وغيرها ضمن صحيفة دعوى واحدة أمام محكمة واحدة، بدلًا من تعدد القضايا كما هو معمول به حاليًا مع الإبقاء على إعفاء دعاوى النفقات من الرسوم القضائية، تخفيفًا للأعباء المالية على الأمهات، الأمر الذى أرهقهن بشكل كبير.

وفى الختام أرجو ألا تطول مدة مناقشة مشروع القانون الذى طال انتظاره واستغرق التحضير له أكثر من 5 سنوات لأنه يشكل أهمية خاصة باعتباره المنظم لشؤون الأسرة بصفتها النواة الأساسية للمجتمع»، وأتمنى أيضاً ألا تستغرق اجتماعات اللجنة التشريعية مع المجلس القومى لحقوق الإنسان البالغ عددها 13 اجتماعًا لبحث ودراسة مشروع القانون وقتاً طويلاً.

إننا بالفعل ولأول مرة أمام مشروع قانون أسرة متكامل وليس «ترقيعاً» لتعديلات قديمة وآمل تمريره داخل مجلس النواب بسهولة ويسر، حتى وإن طال بعض مواده جدل أو اختلاف فى وجهات النظر بين مؤيد ومعارض.

من المؤكد أن هذا القانون ربما لن يلقى استحساناً تاماً أو يحقق رضاءً كاملًا لجميع الأطراف، لكنى أتوقع أن يحظى بتأييد تتجاوز نسبته الـ80فى المائة، لأنه ولأول مرة يعالج الكثير من العوار وعدم انحيازه لطرف على حساب آخر.

أخبار الساعة