رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

نزيف العقل!


15-5-2026 | 12:26

.

طباعة
بقلم: سحر رشيد

جوعى وظمأى بلا مأوى.. نحمل المستحيل ونتسلل داخل عباءة الحياة.. وكأننا منْ أجرمنا بحمله ولم يكن مفروضا علينا؟!.. نركض ونتقهقر.. فى تكيف وتسليم نرجو الحياة ودادا.. تفاجئنا بعبوس وضجر.. نواجهها بضحك وافتعال دون ملل رغم امتلائنا بالجمود!.. نتابع دون أى رد فعل!.. نراقب ونترقب ربما فزنا؟!.. ربما نفارق دون ضجيج يفضحنا؟!.. بتسرب الحياة من بين أيدينا دون إرادة منا!.. نحمل الخذلان والسعادة الزائفة كرها!.. نتراقص بين العقل والجنون!.. نستجدى الحياة أو الموت!.

فى رحلة الوهن والعبث دون خيار.. لا يقتلنا الألم ولا تشفينا المقاومة!.. نغلق مفاتيح العقل ونحزم حقائبه لنلوذ بالراحة.. نحتفظ بها فحتما سنحتاح إليها.. قد ننعم بالهدوء رغم الخوف لكنه حل.. ننام دون مصابيح مضاءة.. شىء من الجنون يتسرب أو حتى حيادية لنواجه أجسادنا كما لو كنا نتحسسها لأول مرة!.. منطق جديد نُحاكى معه عالما بإرادة غير مفروضة.. دون سرعة فى إنجاز أو فوضى فى المرور من ملل البحث عن الحقائق.. ربما رأينا بقلوبنا وأرواحنا التى أهملنا نداءاتها.. فما كان العبور بالعقل وحده!.. فمن العقل ما قتل ومن القلب أيضا!.. فتكرار الحكمة قد يوهن الجسد.. فنحيا فى مجون وحكمة ودهشة وذل وإهانة وخواطر متعبة!.. عقل واهم بالحقيقة يفتش!.. وقلب أضناه الانكسار!.. فصار الخصم فى عزلة.. حياة فى مواقف العبث بحجة الوجود ومعناه.. حر.. حى.. مقيد.. فى الحوار والبقاء يسعى لمخرج.. لا يفهم ولا يعيش!. متأرجح بلغة البشر وما زال فى الأسباب أحمق!.. دون تغيير يصيبه أو ربما أصابه متأخرا؟!.. فى تحدٍّ يرفع الراية.. بالرغبة الشديدة يكون النسر والفراشة!.. وسط الطيور يختفى ويظهر.. ينأى بعيداً عن مهب الريح يرجو سكنا.. غارق فى الضباب يظن الحياة!.

يأتى ويذهب ولا يصل.. ينتهى عند المغيب بموقع وصول خارج الكر.. متألما فلم يكن غير بشر يحيا المعركة.. يهدد النفس بضرب الفارغ لفراغ ممتلئ.. ليس جديدا ما يفعله.. معترفا لنفسه فقط!.. دون الشعور به!.. ظن نفسه المقاتل الشرس.. مسكين فى ظل الزوال.. بهشاشة العقل القاصر والقلب المهلك.. يا هذا؟! حلق وابتعد أو أسقط شهيدا فى البحث المضنى.. كأنك لم تكن!.. سراب يتلاشى.. لن يصرخ من غيابه أحد.. ولم يبكِ عليه النسيان !.

دون أثر يقتفى.. فالأمل فى الأشياء مندثر.. قصة تكتب وتطوي حتى العبرة تنمحى.. حكاية كل البشر فناء من غير بقاء حتى الذاكرة تحرق!.. زمن يلتهم الأشياء والأشخاص والأماكن فى لعبة الوجود والعدم.. فناء دون إذن أو اعتذار.. استحضر الفناء أو يستحضره الفناء فلا طريق لدخان.. لا يعود المنتهى ولا يتغير.. والاستنساخ لا أحد يبلغه.. ولا حى من رحم ميت.. ولا يلتفت الراحل ولا يعود.. والقاتل لا يتوب.. والمقتول لا يستجيب لتوبة القاتل!

عقل أوهن الجسد.. فأطلق بوابات الجنون.. دمر صداه كل الأركان.. فصار شبحا يطارد الوجود.. تطارده الكوابيس ويلاحق الأحلام.. صراخ ورعب.. منطق وعقل يدفعه للجمود.. يقتل الروح عن التأمل والتحليق.. متاهة دون طريق.. عاجز يحاول أن يسترجع ما فات أو يقف على نقطة ارتكاز.. تراكم وحصار وأسئلة حائرة لا قيمة لها.. ربما كنا الأفضل بدونها.. وربما دفعنا الفراغ لترديدها.

كل الأشياء تتناقض بعلمنا وتجرفنا فى كيان المقارنات والتوافه!.. يأخذنا فضاء الوجود فى البحث عن ماهيات وموجودات نحن فى غنى عنها.. فنبعد عن ذوات جديرة بالالتحام.. نمضى أعواما وأوقاتا فى غموض وتيه ونشوة.. لا يمكننا تجاوز شىء ولا الوصول لشىء!.

شبح يطارد وجودنا.. عقل يطارد كيانا يحمله لفراغ أو سراب.. بين القيود وإعادة التراتيب على حافة الجنون.. فوضى تشعل أركان الجسد.. تبعثر روحه وشتاته.. وقسوة على الجسد بمرور صداه على كل أركانه.. رغم الحث للذهاب للعقل باعتباره الأفضل الأعدل.. تدفعنا الخطوات لخوف أكثر!.. يزداد الغموض ونُصاب بالعزلة.. أمام كل الأبواب المفتوحة فى آن واحد حتى ولو كانت تتابعا.. نجهد وتُسلب منا الراحة ونعتاد اختراق الأعماق.. وتناول العقاقير.. فالحقائق إما غائبة وإما مفجعة.. فوق قدرتنا.. وعلينا إما اعترافا بهزيمتنا.. أو نتوه فى سراديب الفقد والكذب والزيف!

وننتظر ونفكر ونكبر ونموت ولا تأتى الراحة.. أرهقنا فعل الوعى وبدلا من التعامل معه كطريق ضمن طرق عديدة.. نصير مشتتين نقاتل ذواتنا.. بحثا عن الحكمة والأسئلة دون معنى.. ننسي أننا عابرون.. يصدمنا العسس فى طريقنا.. نعافر لنصل لوجهة مبتغاة.. قد تكون الخطأ وقد يهبنا الطريق صوابه!. فنحن بحاحة دائما ليسوق إلينا الصواب.. فى رحلة القيود والعطايا والعناد نحتار ولا نختار!.

تمضى السنون وتدور الأيام.. مدّ وجزر دون فهم.. نمارس البحث فى تفاصيل الأشياء.. فتحضر شياطينها فى تماهٍ وصراع.. تنهد قوانا وتنفد طاقتنا.. دون القدرة على التسامح أو التوقف عن الندم والعتاب.. فى رحلة سقوط لا نهائية!.. دون فهم!.. دون وعى!.. نضخم الوعى ونستحضر كل القدرات للوصول للمعارف والتشبث بها.. نرفض التغيير أو العبور.. فتزدحم أنفسنا بالأوهام والهموم بعدد لا متناهٍ من العجز والفشل!.. فنحاول التمسك بكل ما بداخلنا الذى غالبا ما يكون غير جيد!.. دون التفكير فى جدوى التمسك به غير أننا نرى أنفسنا ضحايا!.. فتشيع أسباب سقوطنا!

فى شقاء نحيا مهما بلغنا من حكمة فنلجأ للصبر والرضا.. ونصبح عرضة للتآكل البطىء لكل أنحاء الجسد.. وإن لم نبلغها فالصدمات كفيلة بالقضاء علينا فجأة أو على مدار صفع من الصدمات.. فالأثر لا يُمحى والانزلاق وارد ويكفى لسقوط الإنسان فى أى لحظة.. ضعيف يحمل من الرفض ما يشقيه.. ومن الخوف ما يفتت قواه مهما تظاهر بالعكس.. فالمشكلة فى تكوينه وسط بيئة من كيانات تحمل نفس الملامح.. يحيا الصراع فى تفاصيل كافية من المكر والخديعة والانقضاض والخوف والزحام لإنهاك قواه.. فإما مهاجما وإما مدافعا.. غير متروك وشأنه!.. يشقيه الوصول لليقين المتناغم معه.. دون اليقين المطلق الذى يحتكره الفلاسفة والعلماء لصياغة نظريات مجردة.. التى تحمل انتصارا لمبدأ دون أخطاء متعمدة بل رصد وخلاصات.

نسقط ونتوه فى ضجيج وصمت فى أشياء تنتهى.. لا نسمح لها بالاندثار أو التلاشى.. زمن يمر نحاول إيقافه!.. بغباء نقاتل أنفسنا ويقاتلنا الزمن بمرور قاسٍ.. فى عناء وبحضور كامل نمزق.. فى اهتزازات وتباعد وترنح وأمزجة وعناد.. قرب وبعد.. نتيجة محسومة.. عالقون لا يبلغون حدودا أو وصلا.. زمن يمر فوق الرقاب.. كر وفر وارتجاف وانعكاس.. بلا ضمانات.. كل بين قوسين فى التيه معلق.. خيبة أمل وحظوظ وجراح.. أبعاد وأسطورة غير محققة.. حوادث وصدف وأقدار وانكسار وموت.

مذنبون دائما نحمل العقاب المتأخر.. فى طرق آهلة بالتأويل.. حيرة وذهول ودهشة.. أحلام ورضا.. فراغ.. بداية.. نهاية.. مصائر رسمت نحو الرمز المنظور.. فى احتمالات وماضٍ وتوقعات.. رحلة فى ترقب وخوف وحذر الطفل الذى يخشى العقاب.

أجساد تدور فى أفلاك مغلقة لا تمضى ولا تقف!.. تحاول المرور تبحث عن المفاتيح.. تمتلك الوهم بأنها قد تصل أو تنازع الفراغ!.. ربما من شدة الوهم؟!.. وربما حرمت من الوهم؟!.. أو ربما صادفتها الحقيقة؟!.. تركض متصورة أنها تطارد أشياء لكنها تفر من مطاردة الأشياء والأشخاص والزمان!.. تسير خلفها تدفعها للاصطدام.. تتجاوزها وتبعثرها.. تمر.. تقف وتبتسم دهشة وعجزا.. لا تملك سوى البسمة استجداء واستئناسا محاولة السكن!.. لكنها تخونها وتختفى دون أن تقبض عليها!.. سراب عليها أن تعتاده.. وأن تحيا وسط مفقودات خلف أبواب موصدة!.

وحدك رغم رفضك للوحدة.. أو خيارك لها!.. تغنى للزمن أو عن الزمن.. لعل الإشارات تأتى ويرحل اليأس.. تحاول أن تخرج من التيه بحقائق أو بدونها.. ربما منحت الحرية وربما صرت دون ألم.. رغم أننا من أدمنا الألم!.. معضلة الحياة فلا حياة بدون ألم!.. فالألم يُشعرنا بالحياة.. ننزف وعلينا أن نمضى!.. فى علامات استفهام نقضى أعمارنا فى إيقاع واحد.. مذعورين مارقين نحمل الفراغ والانكسار بأجساد واهنة.. وأرواح فقيرة نسير ونستعرض ضعفنا.. تعتصرنا الهموم وتلقى بنا فى سراديب الوهم والعجز.

نرجو عفوا وغفرانا من طول أمد قيد العقول.. انتظار وفراغ وحنث للعهود.. ننادى أرواحنا.. عودة إلى عالمها.. عاشق ومعشوق.. بسرها يحيا.. يجاهد كل خساراته بالقرب منها.. يرجو غفرانها من ندوب واعتلال.. لتمنحه الحياة حتى ولو عاد غريبا.. فكم غريب صار مألوفا بميلاد لروح طهور.. ينادى اقبلى ندائي فأنا المطيع.. فكل ما مضى من سنينى ماضيا.. ظل أرجو ألا يعود صداه.. رغم أنى أغقلت مسامعى.. وأغمضت عيناى.. لا أسمعه ولا أراه.. الآن أتنفس دون غرابة أحمل.. دون ترقب أو تلهف لطىّ ورقة جديدة من رزنامة حياتى.. تصالحت مع الألم فغادرنى شيئا فشيئا.. أباح لى بسره أن وجوده كى يعاتبنى وينصرف بعدها.. فأدركت أنى من فوّت الفرصة على نفسى.. فحنوت عليها وشفيت من العطب.. استسلام لوجود أحتضنه.. فغمرنى بحنان ضنّ به غيره علىّ.. فصرت القانع الراضى.. قبل لومه واعترف بذنبه.. صرت شجاعا رغم ضيق الوقت.

أحيا بكل طاقة أرجو الحياة.. مستندا على ذراعى وحدى.. رغم حملى الشروخ أدركت أننى أحمل جسدا وروحا تليق بالاحترام.. أحملهما برفق حتى أحلق بعيدا فى اكتمال العمر.. أستجلب الدفء وأملأ الفراغات التى صنعها الخذلان.. أمد يدى بالسلام أحاول إلقاء التحية لوطن وجود!.. أصبحت لا أحمل ساعة ولا أهتم بمرور الأوقات.. أردت أن أبتلع الزمان الذى كان يبتلعنى.. أخرج المخبأ من داخلى.. روحى التى اختصرتها لكنها لم تمت.. ربما احترقت لكنها لم تفارقنى.. ربما كانت غفلة.. فسكنت بعد اللجوء.. رحلة بعد التعب فى سنوات الهموم والانكسار والأسى.. ربما لم أعد أحلم فإدراكى فاق الحلم.. أصبحت هنا ولم أعد بحاجة لهناك.. وجودى حقيقى دون ظل يطاردنى.. ربما كان الحامى والحارس لى.. لم أعد أهرب أو أواجه بمضض بعد أن أدركت عبثية الكر والفر!.

أضحك بصوت عالٍ بعدما أغلقت على نفسى الجدران غير عابئ.. بعدما راهنت رهانات خاسرة بعقلى وما عرفت سوى الرمادية بين المكسب والخسارة.. لم أعد أفكر فى النهاية البعيدة.. فلا أحد يبلغها.. ولم أعد بحاجة للعدالة.. فما ينالها أحد سوى بالتصفيق الذى لم يعد لى قدرة عليه.. لا أعانق أحدا سوى نفسى، فقد سئمت معانقة الأعداء ولم يعد لى أصحاب.. أرى وأضحك وأفهم وأبكى وأمشى لأشعر بوجودى.. أحمل هوية لا تحتاج لتقييم.. ولا أسمع سوى أصوات من داخلى.. فالخارح مزدحم بأصوات الغوغاء.. لم أعد أبحث عن الحياة ولا أسأل عن أحوال الطقس.. لم أعد عالقا بين الماضى والحاضر.. لم أعد أحلم أو تطاردنى الكوابيس.. فى ضيافة نفسى أتمتع بحسن الضيافة.. أرقص مع جماعة نفسه وأصلى من أجلها.. تطهرا بعدما أنهكتنى الذنوب وخاننى عقلى.

أخبار الساعة