على مقربة من صدى الأذان، تفوح رائحة القهوة من «مقهى فاروق» التاريخى، الذى تأسس عام 1928 تحت اسم «كاليميرا»، ولم يتغير فيه الكثير منذ أن دخله الملك فاروق الأول، فلا تزال صور الملك وديكورات المقهى التراثية تمنح الزائر فرصة نادرة، ليعبر فجوة زمنية نحو ملكية القرن العشرين، وبالقرب منه تقف «حلقة السمك» العتيقة التى يعود تاريخ تشييدها إلى عام 1834م، لتؤكد أن هذه البقعة كانت ولا تزال شريان الحياة الاقتصادى للمدينة لأكثر من قرنين.
وتكتمل اللوحة بقلعة «قايتباي»، ذلك الحصن المنيع، الذى شهد تقلبات الدول ومحطات التاريخ الفارقة، فالقلعة اليوم لم تعد مجرد أثر، بل باتت مسرحًا لحدث يربط الماضى بالمستقبل، حيث شهدت أروقتها لقاءً رفيع المستوى، جمع بين الرئيس عبدالفتاح السيسى ونظيره الفرنسى إيمانويل ماكرون، حيث تأتى هذه الزيارة الرمزية للقلعة لتعكس عمق العلاقات الدولية، وتتوج يومًا سكندريًا بامتياز، بدأ بافتتاح المقر الجديد لـ«جامعة سنجور» فى برج العرب لتمزج الإسكندرية فى يوم واحد بين عراقة «قايتباي» وتطور «الجمهورية الجديدة».
من ناحيته، قال الدكتور إسلام عاصم، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد ونقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية: إن الزيارة، التى بدت بروتوكولية، حملت فى طياتها رسائل سياسية وثقافية عميقة، فالقلعة التى شُيدت على أنقاض فنار الإسكندرية القديم إحدى عجائب الدنيا السبع لم تكن مجرد محطة سياحية فى جدول الرئيس السيسى ونظيره الفرنسى، بل تأكيد على امتداد الشراكة الفرنسية المصرية من التعليم إلى التراث، فقلعة «قايتباى» بُنيت على أنقاض فنار الإسكندرية القديم، وبناها السلطان الأشرف قايتباى عام 1477 لتكون مركزًا للدفاع عن مدينة الإسكندرية ضدّ الحملات الصليبية والهجمات العثمانية فى تلك الفترة، وقام قايتباى بإعادة استخدام أحجار فنار الإسكندرية القديم فى بناء هذه القلعة.
وأشار إلى أنه ظلت هذه القلعة واحدة من القلاع المهمة جدًا للدفاع عن مدينة الإسكندرية حتى عام 1798، حينما أتى نابليون إلى الإسكندرية لغزو مصر، وكانت القلعة آخر مقر دفاع عن الإسكندرية، وتحصن بها السيد محمد كريم محافظ الإسكندرية فى تلك الفترة، وحاصره نابليون وجنوده فى هذه القلعة حتى نفدت ذخيرته، واستسلم محمد كريم، واستطاعت القوات الفرنسية أن تحصل على القلعة وسيطرت عليها حتى مغادرتها عام 1801م.
وأضاف أنه من هنا يبرز دور هذه القلعة التى يشهد محيطها اليوم تعاونًا واسعًا مع المركز الفرنسى للدراسات السكندرية، والذى يتولى أعمال استكشاف الآثار الغارقة منذ عام 1997، فقلعة قايتباى تحمل دلالات رمزية وتاريخية كبيرة، خاصة أنها تعرضت بعد الحملة الفرنسية لعمليات تخريب على يد الإنجليز شملت هدم أجزاء منها، قبل أن يُعاد ترميمها لاحقا لتتحول إلى موقع أثرى وسياحى وتراثى بارز، ويعود ارتباط فرنسا بها بفترة غزوها للمدينة واستيلائها على القلعة، إلا أن العلاقات المصرية الفرنسية شهدت لاحقًا تحولاً مهمًا نحو التعاون الثقافى والعلمى، بدءًا من أعمال استكشاف الآثار الغارقة وصولاً إلى شراكات ممتدة فى مجالات البحث الأثرى والتبادل الثقافى حتى اليوم.
فيما أكد أحمد الطنطاوى، رئيس الإدارة المركزية لإعلام الإسكندرية وغرب الدلتا السابق بالهيئة العامة للاستعلامات ورئيس جمعية رواد الإبداع، أن اختيار زيارة القلعة على هامش افتتاح جامعة سنجور لها دلالة بأن مصر تقول لفرنسا والعالم: «نحن لا نبنى جامعات فقط، بل نحمى التاريخ الذى تبنى عليه الجامعات»، فالمفارقة التاريخية أن القلعة التى بُنيت للدفاع أصبحت منصة لإعلان التعاون الثقافى والعلمى، ووجود ماكرون فى القلعة يعيد الاعتبار للإسكندرية كجسر حضارى بين ضفتى المتوسط، فالقلعة التى ضربها الأسطول الفرنسى بقيادة نابليون عام 1798، ثم ضربها الأسطول الإنجليزى 1882، تستقبل اليوم رئيس فرنسا فى زيارة ودية، تعكس قوة الدولة المصرية، فالتاريخ يدور والعلاقات تتغير من صراع مدافع إلى شراكة جامعات».
وعن تفاصيل الزيارة، قال «طنطاوى»: إنها استمرت 45 دقيقة، رافقه خلالها الدكتور أحمد عيسى وزير السياحة والآثار، والدكتور هانى هلال رئيس مجلس إدارة جامعة سنجور، وتوقف ماكرون فى الدور الثالث من البرج الرئيسى، وهى النقطة التى تطلّ على الميناء الشرقى بالكامل، واستمع لشرح عن دور القلعة فى صدّ العدوان الثلاثى 1956، كما زار المسجد المملوكى داخل القلعة وصهاريج المياه التى كانت تكفى حامية القلعة سنة كاملة أثناء الحصار، واللافت أن الوفد الفرنسى أبدى اهتماما خاصا بـ«الأعمدة الجرانيتية الوردية» المدمجة فى أسوار القلعة، وهى بقايا مباشرة من فنار الإسكندرية الأصلى الذى انهار بفعل زلزال 1303 م.
أما الدكتور إبراهيم رجب، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ورئيس لجنة الحفاظ على التراث بجمعية رواد الإبداع، فأوضح أنه يجب على أهالى الإسكندرية والشعب المصرى بأكمله أن يفخر بحضارة وعراقة ومكانة بلده التاريخية، فالقلعة التى صمدت عدة قرون فى وجه الغزاة تقف اليوم شاهدة على أن أقوى التحالفات هى التى تبنى على احترام التاريخ المشترك، حتى لو كان هذا التاريخ بدأ بضرب المدافع، ولا بدّ لكل مصرى خاصة طلاب المدارس والجامعات بأن يزوروا هذه الأماكن الأثرية لكى تتجدد روح الوطنية والانتماء وتذكّرهم دائمًا بعراقة وكفاح وطنهم.
وبيّن رئيس لجنة الحفاظ على التراث أن الدولة المصرية تولى اهتمامًا كبيرًا بالسياحة والآثار من خلال المشروعات الأثرية التى تتم فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، من خلال استراتيجيات وسياسات ومشروعات تنفذها وزارة السياحة والآثار طوال السنوات الماضية لإعادة المناطق الأثرية على قائمة المزارات السياحية الدولية لمكانتها التاريخية، واستطاعت الدولة المصرية، ممثلة فى وزارة السياحة والآثار، الاهتمام بالمواقع والمتاحف الأثرية بشكل ملحوظ؛ حفاظًا على التراث المصرى القديم وحفظه للأجيال المتعاقبة، منها مشروع تطوير وترميم قلعة قايتباى الأثرية، ومشروع الصوت والضوء ضمن جهود وزارة السياحة والآثار ووزارة قطاع الأعمال، لزيادة عدد الزائرين وتحسين التجربة السياحية لأول منطقة أثرية فى الإسكندرية.