بعد أيام من رحيل الفنان أنور وجدى فى الرابع عشر من مايو 1955 بالعاصمة السويدية ستوكهولم متأثرًا بإصابته بالورم الخبيث، كتب الفنان زكى طليمات كلمات بليغة لا أدرى إن كانت مدحًا أم ذمًا فى شخص الفنان الراحل، لكنها بالنهاية عبّرت عن وجهة نظر رائد المسرح المصرى فى هذا الفنان الاستثنائى فى تاريخ الفن العربى كله، فماذا قال زكى طليمات؟
«فى حياة أنور وجدى درس للشباب الذى يريد أن يقفز قبل أن يعرف كيف يمشى.. فى حياة أنور وجدى عِبر لمَن يحسب أن المال أثمن من الصحة.. وفى حياة أنور وجدى جانب من مأساة الإنسان مع الزمن... الشيء الذى لا يتم لا بد أن ينقص! الفتى الأول بدنيا الحياة.. مغامر جريء، ومثابر عنيد، لا يملّ الدقّ على الأبواب حتى تنفتح طوعًا أو تنخلع قسرًا.. شاطر.. يلعب بالبيضة والحجر بيد واحدة، فلا تنكسر البيضة.. أما إذا أراد لها أن تنكسر فلكى تُخرج كتكوتًا».
وهكذا جاءت كلمات زكى طليمات لتعبّر عن طموح غير عادى تمتع به أنور وجدى قاده إلى تحقيق مجد لم يُصبه غيره فى عالم السينما، فحينما رحل الفتى الذهبى فى مثل هذه الأيام قبل واحد وسبعين عامًا لم يكن قد تجاوز عامه الرابع والأربعين، ومع ذلك فقد أصبح فى سنوات قليلة علامة فارقة فى تاريخ السينما المصرية، ففى تاريخ الفن السابع أسماء كثيرة جمعت بين التمثيل والكتابة والإخراج بل والإنتاج أيضا، لكن أحدًا منهم لم يصل إلى ما وصل إليه أنور وجدى من نجومية وشهرة وتميز فى هذه المجالات مجتمعة، بعبارة أخرى.. قد يكون يوسف وهبى أو حسين صدقى أو محمود ذو الفقار أو حتى يوسف شاهين أبدعوا فى مجال أو اثنين، بينما أدّوا بتواضع فى مجالات الإبداع السينمائى الأخرى، لكن يبقى أنور وجدى -وحده- الذى أُوتى ذلك التفرد فى هذه المجالات مجتمعة، فهو فى التمثيل أول نجم شباك بين الرجال فى تاريخ السينما المصرية وصاحب حضور قوى على الشاشة لا ينكره عليه أحد، وهو ككاتب للقصة والسيناريو يملك كل مقومات المؤلف الذكى سواء كان يكتب لنفسه أو لغيره، وهو كمخرج، فهو ذو أسلوب خاص وبصمة متميزة لا سيما فى مجال السينما الاستعراضية، وتكفيه أفلامًا مثل: عنبر أو غزل البنات أو دهب دليلاً على ذلك.. أما أنور وجدى المنتج فهو -بلا مبالغة- الأذكى والأشطر بين كل مَن عملوا فى هذا المجال، فقد أنفق بسخاء على أفلامه ونجح فى استرجاع أمواله من خلال أساليبه المبتكرة فى الدعاية وفى توزيع أفلامه، وبرع فى الجمع بين عناصر التوليفة التجارية المضمونة وحشد لها كبار النجوم فى زمانه، وصنع نجومًا وأعاد اكتشاف آخرين وأظهر البقية فى أفضل حالاتهم، أضف إلى ذلك قدرته الفائقة على اللعب على احتياجات الجماهير سواء الكوميديا التى تصل إلى حد الفارس أو التراجيديا التى تبلغ حدود الميلودراما، بل إن الفيلم الواحد عنده كان يجمع أحيانًا بين كل هذه الألوان من الدراما.. المهم أن يقبل الجمهور على مشاهدة الفيلم، وأن يجد فيه كل مشاهد ما يرضيه.. باختصار كان الرجل وحده مؤسسة سينمائية متكاملة.
وقد يقال إنّ أنور لم يفعل كل ما فعله فى هذه الفترة المحدودة إلا حبًا فى جمع الثروة لا حبًا فى إشباع ذاته كفنان، وهذه مسألة لا يستطيع أن يحسمها -فى تصورى- سوى أنور وجدى نفسه، فهو الوحيد الذى يمكنه أن يجزم ما الذى كان يدفعه لتجاوز كل ما واجهه من صعاب والتحليق عاليًا وربما منفردًا فى سماء الشهرة والنجومية.. هل هى شهوة المال أم شهوة الفن؟ عقلية التاجر الشاطر أم روح المبدع الأصيل؟ وإذا كان هو الوحيد الذى يستطيع الإجابة، فإننا نستطيع أن نسأل أنفسنا: هل ما تركه لنا أنور وجدى فن حقيقى أم زائف؟ ثم هل تنازل فى فنه من أجل المال؟ وما هى مساحة هذا التنازل إذا وُجد؟ أعتقد أن نظرة متأنية وموضوعية لسينما أنور وجدى يمكن أن تصحح مفاهيم كثيرة تتعلق بهذا الرجل، وتضع عطاءه الفنى فى الحجم والمكانة اللذين يستحقهما هذا العطاء.
وربما كان أنور وجدى محبًا للمال بالفعل، وأن سعيه له كان على حساب صحته بحسب ما كان يقصده الفنان زكى طليمات، حيث قال إن فى حياة أنور وجدى عِبرًا لمَن يحسب أن المال أثمن من الصحة، لكنه لم يكن بخيلاً قط بحسب ما اتهمه الناس، فمَن ينفق بسخاء على فنه لا يمكن أن يكون بخيلاً، لأن الرجل الممسك يريد دائمًا أن يكسب مالاً كثيرا دون أن يتحمل أية مخاطر، وهو ما لم يكن قائمًا فى شخص أنور وجدى، كما أننى لا أظن أن ما نُسب إليه من دعائه فى أيام فقره بأن يمنحه الله المال ويأخذ منه الصحة كان صحيحًا، فهو ادّعاء يجافى المنطق والعقل ولم يكن الرجل بحاجة إليه. وعلى أية حال، فإننى على كثرة ما بحثت وقرأت فى تاريخ الفن المصرى لم أصادف أى تصريح مباشر لأنور وجدى بهذا المعنى، وإنما كان كل ما نُقل عنه فى هذا الصدد مجرد أقوال لا تستند إلى دليل ملموس، وأدعو مَن لديه ما يثبت ذلك أن يظهره.
ومهما يكن، فإن إلصاق نقيصة الشُح بأنور وجدى وتمنيه المرض على الثروة لم تكن الاتهامات الوحيدة التى طالته، فقد قيل أيضًا إنه كان وراء الشائعة التى نالت من إسلام طليقته ليلى مراد ومن مصريتها بأنها سافرت إلى إسرائيل وتبرعت لجيشها بخمسين ألف جنيه، وقد تأكد لى بالوثائق أن الرجل بريء تماما من هذه الفرية التى كانت إسرائيل نفسها هى التى تقف وراءها من أجل تعكير حياة ليلى مراد فى مصر، ودفعها للهجرة إلى هناك على خلفية أصولها اليهودية وذلك بعد أن فشلت كل محاولات إغرائها بمغادرة مصر.. وهكذا ظلّ أنور وجدى مفترَى عليه دائمًا، وبقيت سيرته على مدى سبعة عقود تلوكها الألسن على غير الحقيقة.