ويؤكد ذلك تلك الحرب العبثية التى شنها على إيران ومعه الكيان المحتل؛ حيث لم يستطع تحقيق أى هدف من الأهداف التى أعلنها مع بداية ذلك العدوان الغاشم، فلم يتغير النظام ولم تندلع ثورة شعبية، ولم يتأثر البرنامج النووي، ولم يتعطل التفوق الصاروخي، وكل الذى حدث بعد حملات القتل والتدمير هو الاكتفاء بحصار الموانئ الإيرانية.. وبعض المناوشات حول مضيق هرمز.. ويعانى الرئيس ترامب من مأزق كبير حيث أبلغ الكونجرس رسمياً أن العلميات ضد إيران قد انتهت تماماً، وذلك بعد انتهاء المدة القانونية المسموح بها- 60 يوماً- للقيام بعمليات من دون أخذ موافقة الكونجرس.. وراح بعد ذلك يقدم سيلاً من التصريحات عن انتصاره الكبير على إيران وفى ذات الوقت يستجدى التفاوض مع الإيرانيين من خلال الوسيط الباكستاني.. وقد انشغل كل الخبراء ومراكز البحث حول العالم بمحاولة الإجابة عن شكل السيناريوهات بعد انتهاء ذلك العدوان وانسحاب القوات الأمريكية؟ والحقيقة أن تلك السيناريوهات ترتبط ارتباطا وثيقا بشكل سيناريوهات نهاية العدوان.. والتى لن تخرج عن ثلاثة سيناريوهات نجملها فيما يلى:
أولا: تحقيق أوهام ترامب بانتصار أمريكى حاسم والذى لن يتم إلا باستسلام إيران.. وتسليمها بكل المطالب الأمريكية.
ثانياً: تحقيق الانتصار الإيرانى الكامل من خلال رفض كل المطالب الأمريكية والمضى قدماً فى سبيل الانتهاء من تصنيع القنبلة النووية التى تعنى حماية إيران من أى عدوان قادم.
ثالثاً: الوصول إلى حل تفاوضى يسمح لكل الأطراف بأن تدعى أنها قد حققت الانتصار فى هذه الجولة من الصراع.. انتظاراً لجولة قادمة تحسم كل الأمور المعلقة بين إيران والحلف الصهيوأمريكي.
وإذا ما تحقق السيناريو الأول.. فإن ذلك يعنى إنهاء دور إيران الإقليمى وتحويلها إلى مجرد تابع للسياسات الأمريكية فى المنطقة والتى لا تخدم إلا الكيان المحتل .. كما يعنى هذا السيناريو القضاء على حلفاء إيران فى المنطقة (حزب الله- حماس- الحوثيون فى اليمن- الحشد الشعبى فى العراق)، وسيؤدى هذا بالتبعية إلى تغول الكيان المحتل فى كل من فلسطين ولبنان..
مما سيؤدى حتما إلى توحش سياساته ومطامعه سعياً لتحقيق ما يردده من سنوات طويلة عن (إسرائيل الكبرى)، التى تتكون على حساب فلسطين والأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق والجزيرة العربية.
من تبعات هذا السيناريو التأثير بشكل كبير على طموحات الصين من أن تتحول إلى القوى الاقتصادية الأولى فى العالم بحلول عام 2030 ومع الصين سيمتد التأثير السلبى إلى روسيا، إضافة إلى كل ذلك يتم ترميم ما تهدم من حلف الناتو.
أما إذا تحقق السيناريو الثاني.. من خلال فرض الإرادة الإيرانية على الحلف الصهيوأمريكى وتحقيق نتائج كالتى حدثت للأمريكان فى فيتنام وأفغانستان؛ فإن هذا يعنى تعملق الدور الإقليمى الإيرانى وتقديم رسالة شديدة القسوة للكيان المحتل وإنهاء أوهامه فى إنشاء إسرائيل الكبرى، وبالتبعية فإن هذا السيناريو سيعمل على ضخ دماء جديدة وقوية.. فى شرايين حلفاء إيران (حزب الله- حماس- الحوثيون- الحشد الشعبي).. والأهم أنه سيعنى إنقاذ لبنان من (مقصلة التفاوض) تحت تهديد السلاح؛ ليتنفس اللبنانيون ويحاولوا إيجاد المخرج الوطنى الذى يعمل على تماسك دولتهم وحمايتها من التهديدات الصهيوأمريكية، والغريب أن حل الصراع بين لبنان والكيان المحتل شديد الوضوح، فهذا الكيان يريد نزع سلاح حزب الله، وتقوم شرعية الحزب على مقاومة احتلال هذا الكيان للأراضى اللبنانية؛ ليصبح الحل انسحاب الكيان من كل الأراضى اللبنانية وفى مقدمتها مزارع شبعا وانضمام سلاح حزب الله إلى الجيش الوطنى اللبنانى وتحول الحزب إلى كيان سياسى ينافس سياسياً داخل الساحة اللبنانية، ورغم وضوح هذا الحل إلا أن الكيان المحتل يتعامى عنه ويعلن زيادة مطامعه فى الجنوب اللبناني.
إضافة إلى كل ذلك إذا ما تحقق هذا السيناريو، فهذا يعنى إنهاء دور الإمارات فى المنطقة، وفى المقابل سعى دول الخليج إلى إيجاد صيغة مرضية تجمعهم بالدولة الإيرانية، ومثل تلك الصيغة لن تتحقق إلا بإنهاء الوجود الأمريكى – المتمثل فى قواعده- من كل دول الخليج.
كما سيؤدى هذا السيناريو إلى إعادة ترتيب القوى الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط، وبالتأكيد سيمتد هذا التأثير إلى الكيانات والتجمعات الشيعية فى المنطقة.
إما إذا تحقق السيناريو الثالث وهو الحل التفاوضى الذى يسمح لكل طرف بأن يزعم بأنه قد انتصر فى تلك الحرب، فإن هذا السيناريو سيعمل على تجميد الصراع وعدم إنهائه انتظاراً لأحداث وجولات جديدة، وتنحصر هذه الأحداث والجولات فى أمرين لا ثالث لهما.. الأول إعلان إيران عن امتلاكها للقنبلة النووية.. لتمنع الحلف الصهيوأمريكى من التفكير فى الاعتداء عليها مرة أخرى، وإذا ما تأخر هذا الأمر سيبرز الأمر الآخر وهو عدوان جديد على إيران أكثر قوة وشراسة فى محاولة لإنهاء كل قدراتها النووية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية، وتستطيع دول المنطقة مع إيران وضع الكثير من العراقيل والكوابح أمام السياسات التوسعية العدوانية التى تمارسها كل من أمريكا والكيان المحتل.. وتتلخص هذه العراقيل والكوابح فى نوع من التعاون الأمنى والاقتصادى تقوده القوى الإقليمية التاريخية فى منطقة الشرق الأوسط (مصر- إيران- تركيا)، وتنضم إليه باكستان والمملكة العربية السعودية، ويعمل هذا التعاون على نزع كل مخاوف دول الخليج من السياسات الإيرانية.. ليتم استبدال هذا التوجس وتلك الريبة بنوع من التعاون الثنائى.. الذى يضمن أمن الخليج وتحقيق المكاسب الاقتصادية الكبيرة من خلال الشراكة الفاعلة والقائمة على الندية واحترام الآخر، ومثل هذا الوضع لن يمنع التعاون الاقتصادى الأمريكى مع كل دول المنطقة وفى مقدمتها دول الخليج، ومثل هذا التعاون الاقتصادى لا يعنى أبداً وجود تلك القواعد العسكرية التى تمثل وجهاً من وجوه الاستعمار، وتعمل على انتقاص السيادة الوطنية فى الدول التى تقبل بوجودها، والأهم أن تلك القواعد العسكرية الكثيرة الموجودة فى دول الخليج- أثبتت فشلها وعدم قدرتها على حماية نفسها، فكيف تعمل على حماية الدول الموجودة على أرضها، كما أن التكلفة الاقتصادية الباهظة التى يتم إنفاقها على تلك القواعد إذا ما تم توجيهها إلى مشروعات تنموية لخدمة دول الخليج بل لخدمة كل دول المنطقة؛ فإن مردوداتها الاقتصادية والأمنية ستكون أضعاف أضعاف مردودات وجود هذه القواعد العسكرية التى لم تستطع حماية نفسها من صواريخ ايران.
ومن الواضح أن السيناريو الثالث سيناريو الحل التفاوضى هو الأقرب إلى التحقق خاصة وأن ذلك السيناريو سيعمل على إخراج ترامب من مأزقه، ذلك المأزق الذى يتضاعف مع اقتراب انتخابات الكونجرس فى نوفمبر القادم.. وفى ذات الوقت فإن هذا السيناريو سيعمل على مضاعفة مأزق نتنياهو، وهو الآخر مقبل على انتخابات فى أكتوبر القادم، ورغم هذا فإن كل السبل تؤدى إلى هذا الحل التفاوض التوافقى الذى سيعمل على تبريد الالتهاب، ولكنه لن ينهى مرض المطامع الأمريكية الصهيونية فى المنطقة.