«الدمج.. قفزة إلى المجهول أم طوق نجاة؟».. معادلة صعبة فرضتها الأجواء الحالية على إدارات بعض الأندية الشعبية، وتحديدًا تلك التى أصبحت تعانى من التعثر، لا سيما أن هناك أصواتًا رأت فى «الدمج» أنه الحل السهل فى ظل المشهد الحالى، فهناك أندية عريقة أنهكتها الديون وتراكمت فوقها أخطاء السنين، فى مواجهة كيانات اقتصادية تملك المال والنفوذ والاستقرار، ليبدو الأمر وكأنه «صفقة إنقاذ» مكتملة الأركان.
فى المقابل، هناك مَن يرى أن كرة القدم لا تُدار بعقلية المعادلات الحسابية الجامدة التى لا تقبل المرونة، فهى ليست ميزانية تُغلق، أو مشروعًا استثماريًا يُباع ويُشترى، بل هى تاريخ يعيش فى قلوب الجماهير، وانتماء يتوارثه الناس، وكيان تشكل عبر عقود من الانتصارات والانكسارات، وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، حين يحاول البعض اختزال كل ذلك فى معادلة مالية، ليجعل «الدمج» قد يبدو حلاً سريعًا، لكنه يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات: وهى ماذا سيحدث لهوية هذه الأندية؟ من سيملك القرار؟ وأين يقف الجمهور فى معادلة لا تعترف إلا بالأرقام؟.. ربما يكون سيناريو «الدمج» فرصة للإنقاذ، غير أن هناك «فئة» ثانية تشير إلى احتمالية أن يكون الدمج السطر الأول فى صفحة أزمة أكبر لن يكون المال عنوانها، بل ستكون أزمة «انتماء».
النادى الإسماعيلى واحد من الأندية ذات التاريخ العريض فى عالم الساحرة المستديرة المصرية، غير أن هذا التاريخ لم يكن حائط صدّ يحول دون سقوط «برازيل مصر» فى فخّ «الأزمات المالية»، الأمر الذى كان له بالغ الأثر على حاضر «الإسماعيلى» وبات يهدد مستقبل «الدراويش»، وفى هذا السياق، قال محسن عبدالمسيح، عضو مجلس إدارة نادى الإسماعيلى السابق: الأندية الشعبية فى مصر، مثل الإسماعيلى والمنصورة وأسوان وغيرها، لم تصل إلى هذا الوضع من فراغ، بل هى نتاج سنوات طويلة من غياب التخطيط المالى، وتضخم المصروفات دون موارد حقيقية، هذا فضلاً عن الصراعات الإدارية المتكررة وضعف الاستثمار فى الأصول.
«عبدالمسيح»، أضاف: لعل نموذج النادى الإسماعيلى هو الأكثر تعبيرا عن هذا المشهد، نادٍ صنع تاريخًا قاريًا ومحليًا، وكان يومًا ما مدرسة كروية قائمة بذاتها، لكنه اليوم يقف على حافة التعثر المالى والإدارى، وهنا يظهر «الحل السهل» وهو الدمج مع كيان اقتصادى قوى، شركة بترول، أو مجموعة صناعية، أو مستثمر كبير، لكن السؤال ليس هل هذا ممكن؟.. بل هل هذا صحيح؟.. الأندية ليست شركات، والهوية لا تُشترى ولا تُباع، الخلل الأول فى فكرة الدمج أنها تنطلق من تصور اقتصادى بحت يتجاهل أن الأندية الشعبية ليست مجرد مؤسسات رياضية، بل كيانات اجتماعية وثقافية، جماهير الإسماعيلى، على سبيل المثال، لا ترى ناديها كفريق كرة قدم فقط، بل كجزء من الهوية والانتماء، فهل يمكن دمج هذه الهوية فى كيان استثمارى، وهل تقبل جماهير الدراويش أو أى نادٍ جماهيرى آخر أن يتحول ناديها إلى فرع من شركة، وهذا ما سنراه فى قادم الأيام، ولكن التجربة تقول إن الجمهور قد يتحمل الخسارة، لكنه لا يتحمل فقدان هوية ناديه.
عضو «إدارة الإسماعيلى»، أشار أيضا إلى أن «تضارب المصالح هو الخطر الصامت فى عملية دمج الأندية، لا سيما من الناحية التنظيمية، وتطرح فكرة الدمج إشكالية أكثر تعقيدًا، لأنه حين يرتبط نادٍ بشركة، أو يصبح جزءًا منها، فإننا أمام احتمالات عديدة، منها تدخل مباشر فى القرارات الفنية والإدارية، وتضارب فى المصالح حال وجود أكثر من نادٍ تابع لكيانات اقتصادية متشابكة، وهذا سيكون له تأثير غير مباشر على المنافسة. على سبيل المثال، فى الدوريات الكبرى توجد قواعد صارمة تمنع امتلاك كيان واحد لأكثر من نادٍ فى نفس المسابقة، أو تفرض فصلاً إداريًا وماليًا واضحًا. أما فى حالة الكرة المصرية، فإن اللوائح لا تزال بحاجة إلى وضوح أكبر فى هذا الملف، وهنا يكمن الخطر، فقد يفرض الواقع إيقاعه قبل أن يكتمل التنظيم، فتظهر مشكلات لم يتم الاستعداد لها.
«عبدالمسيح»، لفت أيضا إلى أن السؤال الأكثر حساسية هو «من صاحب قرار الدمج؟»، هل هو قرار إدارى داخلى للأندية، أم توجه من وزارة الشباب والرياضة، أم مجرد اجتهادات فردية تُطرح كحلول؟.. فى كل الأحوال لا يمكن ترك هذا الملف للاجتهاد أو الضغط الجماهيرى أو حتى الضرورة المالية، لأن أى قرار من هذا النوع لا يخص ناديا واحدا، بل ينعكس على منظومة الكرة المصرية ككل، وزارة الشباب والرياضة بحكم دورها التنظيمى، مطالبة ليس فقط بالموافقة أو الرفض، بل بوضع إطار واضح يحكم طبيعة العلاقة بين الأندية والكيانات الاقتصادية، من خلال حدود التدخل الإدارى، وضمانات استقلال القرار الرياضى، وحماية المنافسة العادلة، وبدون ذلك يتحول الدمج من حل إلى مصدر فوضى.
بدوره، قال ثروت سويلم، عضو رابطة الأندية: مشروع دمج الأندية المصرية أو شراكتها هو مبادرة مطروحة لإنقاذ الأندية الجماهيرية من الأزمات المالية عبر شراكة مع أندية الشركات، تهدف لإعادة التوازن للدورى ورفع قيمته التسويقية، والفكرة تقوم على استمرار الكيان الجماهيرى واسمه وشعاره، مع إدارة كرة القدم بواسطة شركة مشتركة، وسط ترشيحات بدمج أندية مثل الإسماعيلى والاتحاد والمنصورة ومنتخب السويس والشرقية مع أندية شركات، وهدف المشروع الرئيسى إنقاذ الأندية الشعبية من الانهيار المالى والرياضى، وإعادة الجماهير للمدرجات، وزيادة التنافسية، والفكرة المطروحة حاليا ستكون عبر الشراكة وليس الاندماج الكامل، حيث يحتفظ النادى الجماهيرى بشخصيته الاعتبارية وجمعيته العمومية، بينما تنشأ شركة تدير فريق كرة القدم مشتركة مع نادى مؤسسة، وهناك أمثلة مرشحة لتلك الفكرة ومنها شراكة الاتحاد السكندرى مع زد، الإسماعيلى مع سيراميكا كليوباترا، بتروجيت مع منتخب السويس، إنبى مع المنصورة، البنك الأهلى مع الشرقية، وستكون الجهات الداعمة، رابطة الأندية المصرية، اتحاد الكرة، ووزارة الشباب والرياضة.
«سويلم»، أكد أن فكرة «طمس» أو «إلغاء» أسماء الأندية الشعبية العريقة ليست مطروحة ولا أحد يملك هذا القرار، وأى تحرك سيكون استثماريا لدعم هذه الأندية وليس لمحو هويتها، والدمج حل حقيقى فى الوقت الراهن وليس تأجيلاً للأزمة كما كان فى السنوات السابقة، ومن خبرتى أرى أن ضخّ الأموال قد يعالج الأعراض لكنه لا يعالج المرض، لأن الأندية التى تعانى اليوم لم تسقط بسبب نقص المال فقط، بل بسبب غياب الإدارة الرشيدة، وإذا لم يتغير هذا الواقع، فإن أى كيان اقتصادى سيدخل فى المعادلة سيجد نفسه أمام نفس المشكلات بعد سنوات قليلة، بل إن الخطر الأكبر هو أن يعتمد النادى على التمويل الخارجى، أو يتحول إلى كيان معتمد على الدعم لا الإنتاج، وسيصبح رهينة لقرار المستثمر أو الشركة، وهنا نكون قد استبدلنا أزمة بأخرى، ربما أكثر تعقيدًا.
وتابع: أندية شعبية كثيرة تعانى من أزمات طاحنة، لعل أبرزها حاليا نادى الإسماعيلى الذى يعانى من إيقاف القيد لعدة فترات بسبب قضايا وغرامات للاعبين ومدربين سابقين لدى الفيفا، وأزمات أخرى عديدة حتى وصل الأمر إلى خروج دعوات جماهيرية ومحبى النادى لسرعة إيجاد حلول مادية جذرية تجنبًا لسيناريو هبوط الفريق التاريخى، والموقف الرسمى لإدارة الإسماعيلى من فكرة الدمج أو «الشراكة» المطروحة لاقت ترحيبًا، ووافق مجلس إدارة النادى مبدئيا على دخول مستثمرين لشراء حصة فى شركة كرة القدم التابعة للإسماعيلى لتوفير السيولة وسداد الديون المتراكمة التى تتجاوز 200 مليون جنيه، وسيتمثل شكل الشراكة المقترحة فى منح المستثمر أو نادى الشركة نسبة 51 فى المائة من قطاع الكرة مقابل 49 فى المائة لنادى الإسماعيلى، مع الحفاظ الكامل على اسم الفريق، وألوانه، وتاريخه، واللعب على ملعبه فى الإسماعيلية، ولكن تم تجميد القرار مؤقتا لحين إرجاء الدعوة للجمعية العمومية غير العادية لعدم وضوح بعض البنود القانونية، مثل تحديد مصير النادى القانونى فى حال تم إنهاء الشراكة أو الانفصال مستقبلا.
عضو الرابطة، أوضح أنه «فى كثير من الأحيان، تتخذ القرارات الكبرى دون الالتفات إلى الجمهور وكأنه عنصر ثانوى، لكن الحقيقة أن الجمهور هو «رأس المال الحقيقي» لأى نادٍ شعبى، والدمج قد يخلق حالة من الرفض أو الاغتراب لدى الجماهير، خاصة إذا شعرت بأن القرار جاء من خارج المنظومة وأن الهوية التاريخية أصبحت مهددة، وقد لا يظهر هذا التأثير فورا، لكنه يتراكم ببطء، حتى يتحول إلى عزوف أو غضب وهو ما يصعب إصلاحه لاحقا، ولكن فكرة الدمج المطروحة حاليا تؤكد استقلالية النادى بتاريخه وعدم طمس هويته.
فى حين أكد عامر العمايرة، خبير اللوائح، أنه فى تقديره، وبعيدا عن أى انفعال أو ضغوط جماهيرية، فإن الحديث المتداول عن «دمج الأندية» بين الكيانات الشعبية وأندية الشركات لا يستند إلى أرضية قانونية صلبة فى صورته الحالية، وقال: اللوائح المنظمة للرياضة فى مصر لا تتضمن نصًا واضحًا يجيز هذا النوع من الدمج، وبالتالى فإن أى محاولة لتنفيذه دون سند تشريعى ستكون محل طعن، وقد تفتح الباب لنزاعات قانونية معقدة نحن فى غنى عنها، المشكلة ليست فى فكرة البحث عن حلول للأزمات المالية التى تعانى منها بعض الأندية الجماهيرية، فهذا أمر مشروع وضرورى، لكن الإشكالية تكمن فى الوسيلة، الأندية الشعبية تخضع لطبيعة قانونية مختلفة تماما عن أندية الشركات، فهى ترتبط بجماهير وتاريخ، كما أن أموالها تخضع فى كثير من الأحيان لاعتبارات المال العام، على عكس أندية الشركات التى تُدار بمنطق الاستثمار والملكية الخاصة، هذا التباين يخلق تعارضًا واضحًا فى المراكز القانونية لا يمكن تجاوزه بقرار إداري.
«العمايرة» أشار إلى أن «ما يُطرح حاليا قد يبدو حلاً سريعًا، لكنه فى الواقع يتجاهل تعقيدات قانونية وتنظيمية كبيرة، وإذا أردنا السير فى هذا الاتجاه، فلا بدّ من تعديل تشريعى واضح فى قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، أو اللجوء إلى بدائل أكثر واقعية، مثل إنشاء شركات مساهمة لإدارة نشاط كرة القدم داخل الأندية، وهو ما يسمح بجذب استثمارات دون المساس بالكيان الأصلى للنادى، والإصلاح يجب أن يكون مؤسسيًا ومدروسًا، وليس مجرد حلول مؤقتة قد ترضى اللحظة، لكنها تخلق أزمات أكبر فى المستقبل».