تعثر وانتكاسة جديدة لمسار المفاوضات فى اللحظة الأخيرة بعد إلغاء الرئيس دونالد ترامب محادثات السلام الأمريكية مع إيران فى باكستان، بعد أن أصدر النظام الإيرانى قائمة مطالب جديدة لإنهاء الحرب، ويبدو أن كلا من واشنطن وطهران وصلتا إلى طريق مسدود، إذ لم يتم التوصل إلى اتفاق بعد بشأن تخصيب اليورانيوم، أو الضمانات الأمنية، أو مضيق هرمز، ويبقى السؤال هل يؤدى طول أمد المفاوضات إلى خلق فرص أكبر للتسوية، أم يعمّق الفجوة ويزيد من تعقيد المشهد؟
وفى خضم تطور الأحداث، أعلن وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى أن المحادثات فى باكستان بحثت شروط استئناف المفاوضات.. واعتبر أن ضمان سلامة حركة الملاحة فى مضيق هرمز يشكل مسألة عالمية مهمة وذلك لدى وصوله إلى روسيا للقاء الرئيس فلادمير بوتين. وقبل ذلك بيوم ألغى الرئيس ترامب الرحلة إلى إسلام آباد، التى كان من المقرر أن يلتقى خلالها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر بمسئولين إيرانيين، ويأتى ذلك بعد أن تجاهلت إيران محادثات السلام وغادرت باكستان دون لقاء الأمريكيين.
وكان من المقرر عقد مفاوضات حاسمة هذا الأسبوع سعيًا للتوصل إلى اتفاق سلام دائم، لكن الحصار الأمريكى لمضيق هرمز أثّر سلبًا على هذه المفاوضات.
وفى هذا السياق أوضح الدكتور محمد اليمني، الخبير فى العلاقات الدولية، أن من قلب لحظة إقليمية ملتهبة، خرج نائب رئيس البرلمان الإيرانى، على نيكزاد، فى تصريح شديد الخطورة، ليعلن ما يمكن اعتباره تغييرًا جذريًا فى قواعد السيطرة على واحد من أخطر الممرات البحرية فى العالم؛ مضيق هرمز.
الرجل لم يتحدث بلغة التهديد العابر، ولم يلمّح إلى مناورة سياسية مؤقتة، بل قالها بشكل مباشر وصادم: «لن نعيد مضيق هرمز إلى وضعه السابق تحت أى ظرف من الظروف، لأن هذا أمر من قائد الثورة».
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية شبه رسمية، فإن نيكزاد كان يشير إلى أمر صادر عن المرشد الأعلى الإيرانى مجتبى خامنئى، فى رسالة تحمل معنى واحدًا: إيران ترى أن زمن التعامل القديم مع مضيق هرمز قد انتهى، وأن هذا الشريان العالمى لن يعود كما كان قبل الحرب.
وتابع اليمنى أن الأخطر فى كلام نيكزاد لم يكن فقط حديثه عن بقاء الوضع الجديد فى هرمز، بل قوله إن من «بركات الحرب» أن إيران أدركت أنها إذا وضعت قدمها على مضيق هرمز وباب المندب، فإن 25 فى المائة من اقتصاد العالم سيتأثر.
هذه الجملة وحدها تكشف حجم التحول فى العقل الاستراتيجى الإيرانى. طهران لا تنظر الآن إلى المضائق البحرية باعتبارها نقاط عبور فقط، بل باعتبارها أوراق قوة، ومفاتيح ضغط، وساحات اشتباك اقتصادى يمكن أن تضرب خصومها فى مكان مؤلم جدًا: الطاقة، التجارة، وسلاسل الإمداد. بمعنى أوضح: إيران تقول إن الحرب كشفت لها حجم السلاح الذى تملكه، ليس فقط فى الصواريخ والمسيّرات، بل فى الجغرافيا نفسها.
وأضاف اليمنى أن «نيكزاد» لم يذكر هرمز وحده، بل ربطه بباب المندب أيضًا، وهذا تفصيل بالغ الأهمية. فمضيق هرمز يتحكم فى بوابة الخليج، بينما باب المندب يتحكم فى مدخل البحر الأحمر نحو قناة السويس والبحر المتوسط، وعندما يضع مسئول إيرانى المضيقين فى جملة واحدة، فهو لا يتحدث عن نقطة بحرية واحدة، بل عن قوس ضغط يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن النفط إلى التجارة العالمية، ومن السفن التجارية إلى الأساطيل العسكرية، هذه ليست رسالة بحرية فقط، بل خريطة نفوذ كاملة تقول إن إيران وحلفاءها قادرون على التأثير فى أكثر من شريان حيوى فى وقت واحد.
وأشار اليمنى إلى أن «المفاوضات الممتدة بين الولايات المتحدة وإيران تشكل نموذجًا كلاسيكيًا لما يُعرف فى الأدبيات السياسية بـ»دبلوماسية الاستنزاف»، حيث لا يكون الزمن مجرد عامل محايد، بل يتحول إلى أداة استراتيجية بحد ذاته من الناحية النظرية، تمنح المفاوضات الطويلة الأطراف فرصة لإعادة تقييم مواقفها، وبناء جسور ثقة تدريجية، وامتصاص الضغوط الداخلية، غير أن التجربة مع الملف الإيرانى تشير إلى أن الزمن لم يكن دائمًا عنصر تهدئة، بل فى كثير من الأحيان أصبح مساحة لتكريس الشكوك وتعزيز مواقف التشدد، فكل جولة تفاوض غير حاسمة تفتح الباب أمام حسابات جديدة، سواء داخل مراكز صنع القرار أو لدى الحلفاء الإقليميين والدوليين».
وفيما يخص خطة «ترامب» المحتملة ضد إيران فى حال فشل المفاوضات، أشار «اليمنى»، إلى أنها «قد ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية أولًا، تشديد العقوبات الاقتصادية بشكل يستهدف قطاعات حيوية إضافية، خاصة الطاقة والتكنولوجيا، ثانيًا، بناء تحالف إقليمى يضم دولًا عربية وإسرائيل لاحتواء النفوذ الإيراني، سواء سياسيًا أو أمنيًا، وثالثًا، استخدام أدوات الضغط غير التقليدية، مثل العمليات السيبرانية أو دعم حركات معارضة داخلية، بهدف إضعاف النظام من الداخل دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن فى المقابل، لا يمكن تجاهل أن إطالة أمد الأزمة تمنح إيران أيضًا فرصًا استراتيجية، فكل يوم إضافى دون اتفاق نهائى يتيح لطهران تطوير قدراتها، سواء فى المجال العسكرى التقليدى أو فى برنامجها النووي. كما أن الوقت يسمح لها بإعادة ترتيب تحالفاتها، وتعزيز علاقاتها مع قوى دولية مثل روسيا والصين، بما يخفف من تأثير العقوبات الغربية».
وبحسب «اليمني»، فإنه إضافة إلى ذلك، تستفيد إيران من حالة «الضبابية الاستراتيجية»، حيث يصعب على خصومها تحديد الخطوط الحمراء بدقة، ما يمنحها هامش مناورة أوسع، وفى ظل غياب اتفاق واضح، يمكن لطهران الاستمرار فى سياسة «الخطوة مقابل الخطوة»، أى التقدم التدريجى دون الوصول إلى نقطة اللاعودة التى قد تستدعى ردًا عسكريًا مباشرًا.
وتابع: فى المقابل، تستغل واشنطن أيضًا عامل الزمن، ولكن بطريقة مختلفة، فإطالة الأزمة تمنحها فرصة لحشد دعم دولى أوسع، وإقناع الحلفاء بضرورة تشديد الضغوط على إيران، كما تتيح لها بناء سردية سياسية وإعلامية تبرر أى خطوات تصعيدية مستقبلية، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، ولا يبدو أن الزمن يعمل لصالح طرف واحد بشكل مطلق، بل يتحول إلى ساحة صراع موازية للمفاوضات نفسها، فكلما طال أمد التفاوض، زادت احتمالات التوصل إلى حل نظريًا، ولكن فى الوقت ذاته تتراكم التعقيدات الواقعية التى تجعل هذا الحل أكثر صعوبة فى التطبيق.
واختتم «اليمني» حديثه بالإشارة إلى أن «إطالة المفاوضات تمثل سيفًا ذا حدين: فهى تفتح نافذة للحلول، لكنها فى الوقت نفسه توسّع فجوة الخلافات، وبين هذين الحدين، يبقى مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران مرهونًا بقدرة الطرفين على تحويل الزمن من عامل استنزاف إلى أداة لإنضاج تسوية حقيقية، وهو أمر لا يزال بعيد المنال فى ظل المعطيات الحالية».