فى لحظة يفترض أنها الأكثر أمانًا على الأرض، يقف رئيس الولايات المتحدة محاطًا بدوائر غير مرئية من الحماية.. رجال ببدلات داكنة، أعين لا تنام، أجهزة ترصد كل حركة. ومع ذلك، يقول التاريخ إن الخطر لا يختفى أبدًا، من اغتيال جون كينيدى إلى محاولة اغتيال رونالد ريجان، وصولاً إلى محاولات اغتيال دونالد ترامب مجددًا، ويبقى السؤال: كيف يمكن اختراق أقوى منظومة حماية فى العالم؟ ولماذا تتفاقم مسألة العنف السياسى فى الولايات المتحدة؟
فى كل مرة يرفع فيها الرئيس الأمريكى يده ملوّحًا للجمهور تبدو اللحظة عادية، ابتسامة، تصفيق، كاميرات تلتقط الصورة، لكن خلف هذه اللقطة البسيطة، هناك عالم كامل يعمل فى صمت، عالم لا يحتمل الخطأ. فى الظل يقف رجال الخدمة السرية الأمريكية بوجوه جامدة وأعين تمسح المكان بلا توقف بالنسبة لهم، لا يوجد «حدث عادى»، كل حركة محسوبة، وكل شخص محتمل أن يكون تهديدًا. ومع ذلك، يخبرنا التاريخ أن هذا الجدار الصلب يمكن أن يتصدع.
لحظة غيّرت كل شيء، وعاد اسم فندق هيلتون واشنطن إلى الواجهة من جديد بعد واقعة إطلاق النار التى وقعت فيه مساء السبت الماضى، خلال حفل عشاء مراسلى البيت الأبيض، الذى حضره الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى إحدى قاعاته، وأخرج أفراد جهاز الخدمة السرية «ترامب» وزوجته ميلانيا على عجل من الحفل، بعد سماع أصوات إطلاق نار، وتم القبض على المشتبه به.
وقالت شبكة «فوكس نيوز»: إن «المشتبه به المعتقل حاليا يدعى كول توماس ألين، ويبلغ من العمر 31 عاما، وهو من كاليفورنيا، والمشتبه به كان نزيلاً فى الفندق».
تعد حادثة «هيلتون» هى الثالثة لـ«ترامب»، وما حدث لم يكن اغتيالاً ناجحًا، بل محاولة تم إحباطها فى اللحظة الأخيرة بفضل يقظة فريق الحماية. فداخل القاعة، كان كل شيء يبدو طبيعيًا حتى اللحظة التى انقطعت فيها الكهرباء لثوانٍ معدودة، ساد الصمت ثم ارتفعت همسات القلق. عندما عادت الأنوار، كان المشهد قد تغيّر؛ فوضى، حراس يتحركون بسرعة، وضيوف فى حالة ذهول، لاحقًا، كُشف أن الانقطاع كان جزءًا من خطة معقدة لإرباك الأمن، لكنها فشلت بسبب خطأ بسيط لم يتوقعه منفذوها، وعادت الأضواء، وظهر «ترامب» محاطًا بحراسه سليمًا، فى النهاية، خرج «ترامب» بعد ساعات ليظهر أمام الإعلام، مؤكدًا أن «الأمن كان أقوى من أى تهديد».
شهدت السنوات الماضية عدة حوادث أمنية أخرى لم يُحدد فيها الدافع الحقيقى للمهاجم، وربما تكون هناك محاولات أخرى أحبطتها جهات إنفاذ القانون دون علم العامة، ويعود اسم فندق هيلتون واشنطن إلى الواجهة كلما ارتبط بحادث أمنى بارز؛ فهذا الفندق الواقع فى منطقة دوبونت سيركل، والذى يُعرف لدى كثيرين باسم «فندق ريجان»؛ اقترن بمحاولة اغتيال الرئيس الأمريكى الأسبق رونالد ريجان عام 1981، وقد دفع ذلك كثيرين إلى المقارنة بين مشاهد متشابهة من حيث الموقع والتوتر الأمنى وحالة الاستنفار، رغم اختلاف الظروف والسياقات، ويبقى العامل المشترك هو رمزية هذا المكان، الذى لم يعد مجرد فندق شهير فى العاصمة الأمريكية، بل أصبح شاهدًا على لحظات حساسة فى تاريخ أمن الرئاسة الأمريكية. ولا يزال الفندق يحمل إرثًا ثقيلاً من الأحداث الأمنية الكبرى.
المعضلة الأساسية بسيطة ومعقّدة فى آن واحد، الرئيس يجب أن يكون قريبًا من الناس، لكن هذا القرب هو الخطر ذاته، وعلى مدار تاريخ الولايات المتحدة، تعرض أربعة من رؤسائها للاغتيال فى أحداث كان لها تأثير كبير على تاريخ البلاد وهم أبراهام لينكولن، وجيمس جارفيلد، وويليام ماكينلى، وجون إف كينيدى، كما كانت هناك عدة محاولات لاغتيال رؤساء شملت أندرو جاكسون، وثيودور روزفلت، وفرانكلين روزفلت، وهارى ترومان، وجيرالد فورد، ورونالد ريجان، وفى 18 يونيو 2016، حاول رجل سرقة سلاح نارى من ضابط شرطة واستخدامه ضد «ترامب»، خلال تجمع انتخابى فى لاس فيجاس، نيفادا.
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا فى العنف السياسى فى الولايات المتحدة، ما أثار قلقًا واسعًا بشأن دلالات هذا التوجه على الديمقراطية، كما أن الخطاب العدائى من النخب السياسية يتضافر مع تنامى نفوذ الشخصيات السياسية، وارتباطها فى كثير من الأحيان بأشخاص عنيفين، ما يغذى حلقة مفرغة من الاستقطاب السياسى والعنف السياسى، وتعدّ محاولة اغتيال «ترامب» أحدث حلقة فى سلسلة من الهجمات التى استهدفت السياسيين ومقربيهم بعد اغتيال تشارلى كيرك، الشخصية اليمينية المؤثرة، ولا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة وحدها؛ فمثلًا، يشهد العنف ضد السياسيين تصاعدًا مماثلاً فى ألمانيا.
فى ظل هذا التصاعد المقلق للعنف السياسى، لم يعد استهداف الشخصيات العامة حدثًا استثنائيًا، بل أصبح خطرًا حقيقيًا يهدد استقرار الأنظمة الديمقراطية، فحين يتحول الخطاب السياسى إلى أداة للتحريض والتعبئة ضد «الآخر»، تتزايد احتمالات انتقال هذا التوتر من الكلمات إلى الأفعال، كما شهدت الولايات المتحدة فى حوادث متعددة كان أبرزها اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكى، وهنا تحديدًا تتضح العلاقة بين المناخ السياسى المشحون والعنف المباشر الذى يستهدف القادة ومؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الدور الحيوى الذى يلعبه جهاز الخدمة السرية United States Secret Service، ليس فقط كجهاز أمنى، بل كاستجابة تاريخية لتكرار تهديدات العنف السياسى، فمنذ اغتيال أبراهام لينكولن على يد جون ويلكس بوث، مرورًا باغتيال ويليام ماكينلى، وصولاً إلى صدمة اغتيال جون كينيدى، أدركت الدولة الأمريكية أن العنف السياسى ليس مجرد انحراف فردى، بل ظاهرة متكررة تتطلب بنية مؤسسية معقدة لمواجهتها.
جهاز الخدمة السرية ليس مجرد عمل أمنى تقليدى، بل حكاية طويلة مليئة بالأزمات، والتحولات، والتفاصيل التى تبدو أحيانًا كأنها من فيلم سياسى مشوّق، فى البداية، قد يبدو غريبًا أن هذه الوكالة لم تُنشأ لحماية الرؤساء أصلاً، فقد تأسست عام 1865، فى أعقاب الحرب الأهلية الأمريكية، وكان هدفها الأساسى مكافحة تزوير العملة، لكن التاريخ كان لديه خطط أخرى، حيث اُغتيل أبراهام لينكولن على يد جون ويلكس بوث وهو يشاهد العرض المسرحى برفقة زوجته، ولم يكن يعلم أن تلك اللحظات الهادئة هى الأخيرة فى حياته، ففى الظل، كان هناك رجل يتحرك بخطوات واثقة، ممثل مشهور، لكنه يحمل فى قلبه غضبًا عميقًا، وقرر أن يكتب نهاية مختلفة للتاريخ، حيث اقترب «بوث» من المقصورة الرئاسية بهدوء، وكانت الضحكات تملأ القاعة، ما أخفى صوت خطواته وفتح الباب ببطء ورفع مسدسه وفى لحظة خاطفة، أطلق النار ثم فرّ هاربًا. توقف الزمن وعمّ الذهول، وتحولت الضحكات إلى صرخات وسط الفوضى. حُمل «لينكولن» فاقدًا الوعى إلى منزل قريب قبل أن يُتوفى متأثرًا بجراحه، لكن هذه الحادثة كانت بداية إدراك خطير وهو أن الرئيس الأمريكى هدف دائم.
لاحقًا، وبعد سلسلة من الاغتيالات، أبرزها اغتيال ويليام ماكينلى عام 1901، قررت الحكومة رسميًا تكليف الخدمة السرية بحماية الرئيس، ولم تكن حادثة اغتيال جون كينيدى مجرد جريمة، بل صدمة كشفت حدود الحماية، وأعادت تعريف معنى الأمن الرئاسى بالكامل. بعدها، لم تعد أى زيارة «روتينية»، ومع الوقت، تحولت مهمة الحماية إلى علم قائم بذاته رجال ونساء الخدمة السرية لا يكتفون بالوقوف حول الرئيس؛ بل يدرسون كل شيء؛ المسارات، المبانى، الحشود، وحتى لغة الجسد.
فى هذا السياق، تحدثت الأستاذة رقية سويدان، نائبة رئيس معهد شئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من واشنطن، لـ«المصوّر»، وقالت: جهاز الخدمة السرية الأمريكى هو مَن يتولى حماية رئيس الولايات المتحدة، حيث يُشغّل الجهاز نظامًا أمنيًا متعدد المستويات يشمل حواجز أمنية محيطية، وأجهزة كشف المعادن، وفحوصات استخباراتية، وتقييمات مسبقة للمواقع، وفرقًا للحماية المباشرة.
وقد تأسس جهاز الخدمة السرية الأمريكى فى ستينيات القرن التاسع عشر بهدف مكافحة ظاهرة تزييف العملة المتفشية آنذاك، والتى كانت تُشكل تهديدًا للنظام المالى للدولة. وكان الجهاز فى الأصل مكتبًا تابعًا لوزارة الخزانة، ولم يضطلع بمهمة حماية الرئيس إلا عقب اغتيال الرئيس ويليام ماكينلى فى عام 1901، وفى كثير من الحالات، يكون المهاجمون أفرادًا يعملون بشكل منفرد، مدفوعين بمظالم شخصية، أو قناعات أيديولوجية، أو اضطرابات نفسية وعاطفية، وقد لا يتسنى دائمًا رصد هؤلاء الأفراد بشكل مسبق، لا سيما إذا كانت بصماتهم الرقمية محدودة، أو إذا تصرفوا بشكل اندفاعى.
وفيما يتعلق بهذه الواقعة تحديدًا، فإن ما أُفيد عن اقتراب أحد الأفراد من نقطة تفتيش وهو مسلح، يُشير إلى احتمال وجود ثغرات أو إخفاقات فى إجراءات تأمين المحيط الخارجى، أو رصد التهديدات، أو عمليات الفحص والتدقيق الأمنى. ومع ذلك، فمن المهم الإشارة إلى أن التحقيقات لا تزال جارية، وأنه ينبغى التريث وعدم استباق الأحداث بإصدار استنتاجات قاطعة بشأن أى قصور محتمل، وذلك لحين صدور النتائج الرسمية للتحقيقات.
وأشارت «سويدان» إلى أن حوادث كهذه تميل إلى إحداث أثر توحيدى فورى وقصير الأمد؛ إذ يتفاعل القادة السياسيون وعامة الجمهور مع صدمة العنف الموجه ضد شخصية وطنية بارزة. وفى أعقاب الحادث، عقد الرئيس مؤتمرًا صحفيًا فى البيت الأبيض، حيث تبادل هو والمراسلون الاحترام والتعاطف النابع من تجربة مشتركة من الخوف والذعر، وأصدر قادة من كلا الحزبين بيانات تدين العنف وتعرب عن دعمها لأجهزة إنفاذ القانون؛ فعلى سبيل المثال، توجّه حكيم جيفريز بالشكر لأجهزة إنفاذ القانون على استجابتها السريعة، مؤكدًا ضرورة وضع حد للعنف السياسى، بينما أعرب مايك جونسون عن صلواته وتمنياته بالسلامة لجميع الأطراف المعنية.
وفى الوقت ذاته، تتزامن ردود الفعل هذه مع نمط أوسع من الخطاب السياسى الذى يزداد حدة وخشونة، ففى الأيام التى سبقت وقوع الحادث، كان قادة الحزبين، الديمقراطى والجمهورى على حد سواء، قد استخدموا لغة تنتقد الطرف المقابل بعبارات قاسية وصارمة، ويُبرز هذا التناقض سمة ديناميكية مستمرة فى المشهد السياسى الأمريكى، ألا وهى «لحظات من الوحدة والتكاتف فى مواجهة العنف، سرعان ما تعقبها عودة إلى لغة الخصومة والاستقطاب».
وعلى المدى الطويل، من شأن هذه الحوادث أن تعزز الانقسامات القائمة، وأن تثير فى الوقت ذاته مخاوف متجددة بشأن العنف السياسى، والسلامة العامة، ونبرة الخطاب الوطنى. وتاريخيًا وفى يومنا هذا، يمكن استغلال الحوادث الأمنية الكبرى سياسيًا، وإن لم يكن ذلك دائمًا بطرق علنية أو منسقة، وقد يلجأ الفاعلون السياسيون إلى استخدام مثل هذه الأحداث من أجل التأكيد على المخاوف المتعلقة بالسلامة العامة أو إنفاذ القانون والدعوة إلى إدخال تغيرات على سياسات الأسلحة النارية أو التدابير الأمنية وتسليط الضوء على مخاطر الخطاب السياسى والاستقطاب.
فى الوقت ذاته، من المهم الإقرار بأن ليست كل الاستجابات السياسية ذات طابع استغلالى؛ فبعضها يعكس مخاوف حقيقية بشأن الأمن، والحوكمة، والاستقرار العام، وغالبًا ما يعتمد الحد الفاصل بين مجرد «الاستجابة» وبين «الاستغلال» على النبرة، والتوقيت، والأدلة المطروحة.
وفيما يخص تفاقم مسألة العنف السياسى فى الولايات المتحدة، أوضحت «سويدان» أنه بشكل أساسى، يميل الناس إلى اللجوء للعنف عندما يشعرون بأن القنوات الديمقراطية التقليدية -كالتصويت والتمثيل والدعوة السلمية- لا تُحقق النتائج المرجوة. يشعر عدد متزايد من الأمريكيين بالانفصال عن المؤسسات السياسية والإحباط من بطء الحكم أو عدم فاعليته، وهذا الشعور بالعجز قد يُهيئ الظروف التى يبدأ فيها الأفراد بتبرير أعمال أكثر تطرفًا.
وتابعت: مع ازدياد الاستقطاب، يميل الناس إلى شيطنة خصومهم السياسيين أو تجريدهم من إنسانيتهم، ما يُضعف الحاجز النفسى أمام العنف. وخلال العقد الماضى، أصبحت اللغة السياسية فى الولايات المتحدة أكثر سلبية بشكل ملحوظ، لا سيما خلال فترة صعود دونالد ترامب وبعدها، وهو ما يربطه العديد من المحللين بتصاعد التوترات والتهديدات الموجهة للشخصيات السياسية والصحفيين والمؤسسات، كما أن هناك دورًا للمعلومات المضللة ووسائل التواصل الاجتماعى التى تُسرِّع من حدة الغضب، وتُروِّج لنظريات المؤامرة، وتُتيح للأفكار المتطرفة الانتشار بسرعة. وتُظهر استطلاعات الرأى أن الأمريكيين يرون على نطاق واسع أن المعلومات الكاذبة أو المُضلِّلة، وتقاعس القادة عن إدانة الخطاب العنيف، من العوامل الرئيسية المُساهمة فى العنف السياسى.
واختتمت «سويدان» حديثها، بقولها: تبرز أهمية القضايا الثقافية والهيكلية الأوسع نطاقًا مثل سهولة الحصول على الأسلحة والضغوط الاقتصادية وعدم الاستقرار وقصور أداء الحكومة (مثل عمليات الإغلاق، والتأخير فى وضع السياسات) ووجود بيئة إعلامية وإلكترونية تُشجع الغضب والصراع فى كثير من الأحيان. إذن، ليس السبب واحدًا، بل هو مزيج من انعدام الثقة السياسية، والاستقطاب، والخطاب العنيف، وبيئة معلوماتية مُشتتة، ما يُؤدى إلى هذا التصعيد.