«مسار بديل»، لسنوات طويلة ارتبط المصطلح السابق بـ«التدريب المهنى»، غير أن ما شهده العالم خلال الفترة القليلة الماضية، والتحديات التى فرضتها الثورة التكنولوجية؛ جعلت «التدريب» واحدًا من أهم أدوات التمكين الاقتصادى للشباب، خاصة فى ظل التحديات المتزايدة بسوق العمل، لا سيما أنه قياسًا على محدودية فرص التوظيف التقليدية، فإن المهارة باتت هى الطريق الأقصر نحو الاستقلال وتحقيق دخل مستدام، وهو ما انعكس فى توجهات الدولة نحو دعم وتأهيل الشباب وربطهم بفرص إنتاج حقيقية.
وفى هذا الإطار، تعمل وزارة التنمية المحلية والبيئة، من خلال وحدات السكان بالمحافظات على تنفيذ أنشطة وبرامج تستهدف تدريب وتأهيل الشباب، عبر التنسيق مع الجهات المعنية، بما يسهم فى تحسين الخصائص السكانية وتعزيز فرص التمكين الاقتصادى، خاصة فى القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
جهود «التنمية المحلية»، لم تقف عند حدود التدريب فقط، بل امتدت لتشمل توفير سبل الدعم اللازمة لتحويل المهارات إلى مشروعات قائمة بالفعل، حيث توفر الوزارة من خلال برنامج «مشروعك» التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الدعم الفنى والإرشادى، بما يساعد الشباب بتمويل مشروعاتهم وتسهيلات فى السداد لبدء مشروعاتهم الخاصة وتحقيق الاستقلال الاقتصادى.
وتبرز قصص النجاح على أرض الواقع كنماذج حية تعكس أثر هذا التكامل بين التدريب والتمويل، حيث تمكن عدد من الشباب من تحويل ما اكتسبوه من مهارات مهنية إلى مشروعات ناجحة، أصبحت مصدر دخل مستقرًا، وخطوة حقيقية نحو بناء مستقبل أفضل.
وفى هذا السياق، أكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أنه «فى إطار استراتيجية الدولة لتحقيق التنمية المستدامة وبناء الإنسان المصرى، وتنفيذ رؤية مصر 2030، وبتوجيهات رئيس مجلس الوزراء، تستهدف الوزارة دعم الشباب والمرأة وتمكينهم اقتصاديًا، وإتاحة فرص عمل، وخفض معدلات البطالة، إلى جانب دعم التكتلات الاقتصادية بالمحافظات».
«د. منال» أوضحت أن «وحدات السكان بالمحافظات تعمل على تنفيذ برامج تدريبية تستهدف تأهيل الشباب والمرأة، وتنمية مهاراتهم فى مجالات متعددة، بما يسهم فى تعزيز فرص التشغيل ورفع كفاءة الموارد البشرية على مستوى المحافظات، وخفض معدلات البطالة»، مضيفة أن «هذه الجهود تتكامل مع برامج دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وعلى رأسها برنامج مشروعك، الذى يوفر التمويل والدعم الفنى للمستفيدين، بما يسهم فى تحويل المهارات المكتسبة من التدريب إلى مشروعات إنتاجية على أرض الواقع».
الوزيرة أكدت أن «البرنامج نجح منذ انطلاقه عام 2015 وحتى سبتمبر 2025 فى تمويل نحو 228 ألف مشروع صغير ومتوسط، بإجمالى قروض بلغت 36 مليار جنيه، ما أسهم فى توفير أكثر من 1.5 مليون فرصة عمل للشباب والمرأة بمختلف المحافظات»، لافتة إلى أن «البرنامج لا يقتصر على التمويل فقط، بل يشمل تقديم الدعم الفنى والتسويقى ودراسات الجدوى، بما يضمن استدامة المشروعات وتحقيق عائد اقتصادى حقيقى، مع التوسع فى إتاحة خدماته داخل القرى والمراكز خلال الفترة المقبلة».
كذلك، أشارت «د. منال» إلى أن «هذا التكامل بين التدريب والتمكين الاقتصادى يسهم فى خلق قصص نجاح واقعية لشباب استطاعوا تحويل مهاراتهم إلى مشروعات حقيقية، أصبحت مصدر دخل مستقرًا وخطوة فعالة نحو مستقبل أفضل».
ومن جانبها قالت فاطمة الزهراء جيل، رئيس وحدة السكان المركزية بـوزارة التنمية المحلية والبيئة: خطة الوزارة للعام 2026 تتضمن تنفيذ 20 مبادرة تستهدف دعم الشباب وتمكينهم اقتصاديًا، من خلال برامج التدريب على ريادة الأعمال، والشمول المالى، والتدريب المهنى، بما يسهم فى تعزيز فرص العمل ومواجهة البطالة، والخطة تشمل أيضًا 14 مبادرة موجهة لتمكين المرأة، عبر تزويدها بالمعلومات والمهارات اللازمة لزيادة مشاركتها فى سوق العمل، بما ينعكس إيجابًا على خفض معدلات البطالة وتحسين الخصائص السكانية.
وأوضحت أن «تنفيذ هذه المبادرات يتم من خلال وحدات السكان بالمحافظات، بالتعاون مع مختلف الشركاء المعنيين، مع تقديم الدعم الفنى والإشراف من وحدة السكان المركزية بالوزارة».
فى السياق، أكد رمضان الصغير، مدير وحدة السكان بقنا، أنه «تم تدريب 20,300 شاب وفتاة بالمحافظة لتمكينهم اقتصاديًا خلال مبادرة «بداية نجاحك.. حقق حلمك»، مشيرًا إلى أنه تحققت نجاحات ملموسة على أرض الواقع بمحافظة قنا، وذلك تحت رعاية اللواء الدكتور مصطفى الببلاوى محافظ قنا، وبإشراف الدكتورة فاطمة الزهراء مدير الوحدة المركزية لتسريع الاستجابة المحلية للقضية السكانية بوزارة التنمية المحلية والبيئة».
وأشار «الصغير»، إلى أن «المبادرة تستهدف تقديم برامج تدريبية متكاملة لنشر ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، وتأهيل أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتزويدهم بالمهارات اللازمة لتنمية وتطوير مشروعاتهم، مضيفًا أن «المبادرة توفر حزمة من المزايا للشباب بالتعاون مع بنك مصر، تشمل: إصدار بطاقات «ميزة» مجانًا وفتح حسابات الشباب بدون رسوم، وإتاحة المحافظ الإلكترونية لتيسير المعاملات المالية، وتمويل المشروعات متناهية الصغر، وفتح حسابات النشاط الاقتصادى بمزايا خاصة، ودعم ذوى الهمم من خلال حسابات مصرفية مخصصة».
وتابع: كما تسهم المبادرة فى تدريب وتأهيل الشباب لسوق العمل من خلال التدريب على البرامج والحرف المختلفة بالتعاون مع مديرية العمل، إلى جانب تنفيذ قوافل طبية بالتعاون مع مؤسسة صناع الخير، تشمل الكشف على الشباب المستهدفة من التدريب على أمراض العيون، وتوفير النظارات الطبية، وإجراء العمليات الجراحية مجانًا وفقًا للحالات المستحقة، خلال المرحلة الأولى من المبادرة، تم تدريب وتأهيل 18,300 شاب وفتاة بالقرى المستهدفة ضمن مبادرة «حياة كريمة» خلال عامى 2024-2025، مما أسهم فى تحسين فرصهم فى سوق العمل، والمرحلة الثانية من المبادرة تشهد تكثيف الأنشطة التدريبية المجانية، حيث تستهدف تدريب 7,000 شاب وفتاة بمراكز «حياة كريمة»، بما يعزز جهود الدولة فى التمكين الاقتصادى للشباب.
ناصر أبوحماد حسن، أحد المستفيدين من التدريب المهنى، يعتبر نموذجًا واقعيًا لثمار جهود وزارة التنمية المحلية والبيئة، فى ربط التدريب المهنى بالتمكين الاقتصادى، وعن هذه الرحلة، قال: التحقت ببرنامج تدريبى على حرفة الألوميتال من خلال وحدة السكان، ضمن مبادرة «حقق حلمك»، حيث تمكنت من اكتساب وإتقان المهارات الأساسية التى أهّلتنى للعمل داخل ورش الألوميتال، وبعد انتهاء فترة التدريب، لم يتوقف طموحى عند حدود التعلم، بل بادرت بإنشاء ورشة صغيرة بجوار منزلى، واضعًا أولى الخطوات نحو العمل الحر، وفى إطار السعى لتطوير مشروعى، اتجهت إلى محافظة قنا، وحصلت على التمويل اللازم بتيسيرات سداد مناسبة، ساعدتنى على تنمية نشاطى».
وبمرور الوقت، تحولت ورشة «ناصر» إلى نموذج ناجح ومصدر دخل مستقر، بل وأصبحت مقصدًا لعدد من الشباب الراغبين فى تعلم المهنة والاستفادة من خبرته، فى تجربة تعكس كيف يمكن لتكامل التدريب والدعم المؤسسى أن يفتح آفاقًا حقيقية نحو العمل والإنتاج.
على رمضان، من قرية أبو مناع بحرى، روى هو الآخر رحلته، وقال: فى البداية كنت أبحث عن فرصة أبدأ بها حياتى العملية، لكن لم أكن أمتلك أى خبرة سواء لتأسيس مشروع أو ممارسة مهنة، هذا إلى جانب عدم امتلاكى رأس المال اللازم لأبدأ به أى مشروع، غير أنى التحقت بأحد برامج التدريب المهنى اللى استهدفت تأهيل الشباب لسوق العمل، واتعلمت خلاله كيفية إدارة مشروع صغير، وعمل دراسة جدوى، هذا إلى جانب تعلمى التعامل مع الميزانية والتكاليف، وخلال التدريب عملنا دراسة جدوى لمشروع سوبر ماركت، وبدأت أفهم خطوة خطوة كيف أحول الفكرة لمشروع حقيقى على الأرض.
«على» أضاف: «بعد ما خلصت التدريب، قدمت على تمويل من خلال برنامج مشروعك فى المحافظة، والحمد لله حصلت على قرض بشروط ميسرة ساعدنى أبدأ مشروعى، النهارده المشروع بقى شغال وبيكبر، وبقى مصدر دخل ثابت ليّ، وده خلانى أحس أن التعب والتدريب كان ليهم معنى حقيقى. وأشكر الدولة أنها اهتمت بأبناء القرى ووفرت لهم التدريب والتمويل من خلال وزارة التنمية المحلية».
ومن الرجال إلى النساء، روت إيمان أحمد، إحدى فتيات الواحات، تفاصيل رحلتها مع «التدريب المهنى»، وقالت: «كنت دايمًا بحب الشغل اليدوى، خصوصًا تصميم الشنط، لكن ماكنتش أعرف أبدأ منين ولا إزاى أحول الهواية دى لمصدر دخل. لما عرفت عن برامج التدريب المهنى بالمحافظة دخلت وقررت أجرب، واتعلمت خلال التدريب أساسيات التصميم والتفصيل، وكمان إزاى أطور شغلى وأخليه مناسب للسوق ومع الوقت، بقيت بشتغل بإيدى وبطلع منتجات أنا فخورة بيها، وبدأت أفكر إنى أعمل مشروع خاص بيا بدل ما أكتفى بالتعلم بس. وبعد انتهاء التدريب، قررت أفتح مشروع صغير، وبدأت أشتغل من البيت، لحد ما قدرت أطور نفسى وأفتح محل بسيط لبيع الشنط اليدوية».
وأكملت «إيمان»: «قدمت على تمويل من خلال برنامج مشروعك، والحمد لله حصلت على دعم ساعدنى أكبر المشروع وأجيب خامات أفضل. النهاردده بقى عندى محل وشغل مستقر، وبقيت ببيع لناس كتير، وحاسة أن حلمى بدأ يتحقق خطوة خطوة».