رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار بنية المشروع الصهيونى (1)


1-5-2026 | 12:28

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

وصف المفكر اليهودى «يشعياهو ليبوفيتش» الممارسات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة بـ«اليهود النازيين»، ووصف تحويل (الدولة والجيش) إلى (آلهة) بالوثنية السياسية!

وعدتكم فى المقال السابق بالبدء فى سلسلة توعية جديدة تحت عنوان (الانهيار الوجودى فى بنية المشروع الصهيونى)، وقلت إن ما تشهده إسرائيل اليوم أكثر من علل بنيوية تتجاوز كونها (مجرد كيان له سياسات خاطئة)، إلى (نموذج سياسى معتل)، وهو اعتلال يرصده خصوم المشروع الصهيونى، كما يرصده مفكرون يهود كبار، وفلاسفة كبار فى نقد وتفكيك الخطاب الاستعمارى المعاصر، كما رصده مهندسو الدولة البيروقراطية من زاوية (الانهيار الوظيفى)، والخلاصة أننا أمام اعتلال بنيوى لا يمكن علاجه بإصلاحات تجميلية، بل يتطلب تفكيكا جذريا لأسس المشروع الصهيونى.

 

 

لإثراء هذه اللوحة الفكرية وتعزيزها، يمكننا استحضار أسماء وازنة أخرى، بعضها من (المؤرخين الجدد)، الذين فككوا الأساطير المؤسسة للمشروع الصهيونى، وبعضها من الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين قرأوا (البنية العميقة)، لهذا الاعتلال، هؤلاء المفكرون لم يكتفوا بتوجيه النقد السياسى العابر، بل غاصوا فى أعماق الوعى الجمعى، والبنية النفسية والاجتماعية للمجتمع الإسرائيلى، وقدموا أدلة وشواهد لا تقبل الجدل، وتعزز أطروحة (النموذج المعتل)، وتكشف عن أبعاد جديدة من المأساة.

ولكن، ولكى يكتمل التحليل لا بد من الانتقال إلى مستوى آخر مواز، تحليل منظومة الداعمين، فـ(المجتمع المريض) لا يعيش فى فراغ، ولا يمكن أن يستمر فى اعتلاله دون شبكة معقدة من الداعمين الذين لا يكتفون بتقديم الدعم المادى أو العسكرى، بل يؤدون أدوارا وظيفية محددة فى تبرير وجوده، وحماية صورته، وترويج سرديته، وقمع أى صوت ناقد، وهؤلاء ليسوا مجرد (متعاطفين) عاديين، بل هم أجزاء حيوية فى ماكينة تهدف إلى إدامة الهيمنة، ويمكن تسمية هذه الظاهرة المركبة (بظاهرة الصهيونى الوظيفى)، وهو مفهوم يشمل كل من يؤدى دورا محددا فى المنظومة الداعمة للمشروع الصهيونى سواء كان فردا، أو جماعة، أو دولة، وسواء كان يؤدى هذا الدور بوعى كامل أو باغتراب نفسى، أو بمصلحة طبقية أو بقناعات دينية.

ولتعميق تشريح ظاهرة (الصهيونى الوظيفى) نحتاج إلى الانتقال من الوصف العام إلى التحليل البنيوى الذى يربط بين المصالح الإمبريالية، والعقد النفسية، والوظائف الأمنية والثقافية، هؤلاء ليسوا مجرد (متعاطفين)، بالمعنى العاطفى للكلمة، بل هم أجزاء حيوية فى ماكينة تهدف لإدامة الهيمنة، ويؤدون وظائف محددة قابلة للتحليل والتفكيك.

ما يلى هو محاولة لنسج خيوط هذه الرؤى المتعددة فى لوحة واحدة، تنتقل من النقد الوجودى للذات اليهودية، مرورا بالنقد الفلسفى الغربى، ووصولا إلى تحليل آليات الداعمين الوظيفين، ثم الغوص فى معركة الوعى اللغوى وخديعة الترجمة التى تمهد لكل ما سبق، ثم الانتقال إلى تشريح «الأمساخ الأخلاقية» التى يفرزها هذا الاعتلال البنيوى من داخله، ثم كشف «البيت من الداخل»، عبر تشريح التركيبة العنصرية و«الأبارتهيد» الداخلى الذى يمزق المجتمع الصهيونى، وفضح اضطهاده للمسيحية والمسيحيين، وكشف زيف تحالف (المسيحية الصهيونية) الوظيفى، ثم نقدم (مرافعة تاريخية) تخرس ألسنة المضللين، نستعرض فيها السيرة العطرة للصالحين والعلماء المسلمين الذين أرسوا قواعد (المواطنة الأخلاقية)، و(العهد الإلهى)، والتى أمنت لليهود أزهى عصور ازدهارهم، لنثبت أن العلة ليست فى (التعايش)، بل فى (الصهيونية) ذاتها، ثم نعرج على فقه التاريخ وسنن الاجتماع السياسى، لنكشف عن (الانهيار الوجودى) المحتوم لهذا النموذج المعتل، وأخيرا، نختتم الدراسة بفصل جامع يطرح مشروع (الهندسة اللغوية المضادة) كفعل تحرر واع، واستعادة للمصطلح كسلاح فى معركة استعادة الوعى والهوية والكرامة، فمن يملك اللغة يملك صياغة التاريخ، ومن يملك الحقيقة يملك المستقبل.

ونبدأ بالفصل الأول: نقض المشروع الصهيونى من داخله، حين ينطق الضمير اليهودى الكونى، ففى صميم الأزمة يقف تيار فكرى يهودى رفيع يرفض فكرة أن تكون (اليهودية) مرادفا للدولة (الصهيونية)، فهؤلاء لا ينتقدون سياسة هنا أو هناك، بل يتساءلون عن الشرط الوجودى للمشروع برمته: هل حقق هذا المشروع وعد (الأمان لليهود) أم أنه حرف مسار التاريخ اليهودى من (ضحية) إلى (جلاد)، فى مرآة العالم؟..

إن إصرار هؤلاء المفكرين على النقد الذاتى الجذرى ينبع من إدراكهم العميق بأن الصهيونية فى سعيها المحموم لتوفير ملاذ آمن لليهود، قد انتهكت جوهر الرسالة الأخلاقية اليهودية ذاتها، تلك الرسالة التى صاغها أنبياء بنى إسرائيل فى دعوتهم للعدالة والرحمة بالغريب، وتضم هذه الجوقة الفكرية أصواتا بعضها كان غاضبا إلى حد النبوءة، وبعضها كان باردا إلى حد التشريح الأكاديمى.

(يشعياهو ليبوفيتش)، إنه (نبى الغضب) والتحذير من (الوثنية السياسية)، قبل أن نصل إلى (آرندت ودويتشر)، يجدر بنا أن نبدأ بواحد من أشد الأصوات قسوة وصدقا فى تاريخ الفكر الإسرائيلى.

كان (يشعياهو ليبوفيتش) عالما كبيرا فى الكيمياء الحيوية وفى الفكر اليهودى، ووصف بأنه (ضمير إسرائيل) رغم قسوة انتقاداته التى جعلته منبوذا فى أوساط كثيرة، كان (ليبوفيتش) أول من اقترح مصطلحا صادما لا يزال يرن فى الآذان حتى اليوم وهو (اليهود النازيين) لوصف الممارسات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة، لم يكن الرجل يسعى إلى الإثارة المجانية، بل كان يحذر من تحول خطير رآه يحدث أمام عينيه: تحويل (الدولة) و(الجيش) إلى (آلهة) تعبد من دون الله، وبالنسبة إلى (ليبو فيتش) الذى كان يهوديا متدينا تقليديا، هذا هو جوهر (الوثنية الحديثة)، فبدلا من أن تكون الدولة وسيلة لخدمة القيم الأخلاقية للتوراة، أصبحت الدولة هى الغاية فى حد ذاتها، وأصبح الجيش هو الإله الذى تقدم له القرابين!.

أخبار الساعة