«الشريحة الأكبر فى سوق العمل والأكثر حضورًا فى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية».. الوصف الأدق الذى يمكن الانطلاق منه قدمًا للحديث عن شريحة «العمالة غير المنتظمة»، غير أنه فى مقابل المساحة الهائلة التى تحتلها هذه الشريحة فى السوق، فإنها تمارس عملها بلا أدنى متطلبات لـ«الحماية والتأمين»، فلا عقود تحميهم أو تأمينات تضمن مستقبلهم، بل على العكس تمامًا يعيشون اليوم بيومه، ويصنعون جزءًا كبيرًا من دورة الإنتاج دون أن يظهروا فى الحسابات الرسمية، وتشمل هذه الفئة ملايين العاملين الذين لا تربطهم علاقات عمل مستقرة أو عقود واضحة، مثل عمال التشييد والبناء، والصيادين، والعمالة الزراعية الموسمية، والسائقين، وعمال المناجم والمحاجر، إلى جانب الحرفيين والعاملين بالأجر اليومى أو مقابل المهمة.
رغم عملها خارج الإطار الرسمى، تمثل «العمالة غير المنتظمة» العمود الفقرى للاقتصاد اليومى؛ إذ تقوم على تشغيل قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة والنقل والخدمات، وتسهم بشكل مباشر فى دعم الناتج المحلى الإجمالى، خاصة فى الأنشطة كثيفة العمالة التى تعتمد على المهارة والخبرة العملية، وتشير التقديرات إلى أن حجم العمالة غير المنتظمة يقترب من 12 مليون عامل، لذلك أولت الدولة بشكل عام، ووزارة العمل بشكل خاص، اهتمامًا غير مسبوق، بملف العمالة غير المنتظمة، حيث جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، مباشرة وصريحة فى تقديم كل الدعم لهذه الفئة خاصة مع ظهور تداعيات فيروس كورونا.
جائحة «كورونا».. كشف هشاشة جزء كبير من هذه الفئة فى مواجهة البطالة والفقر، بعد أن كانت تعمل سابقا خارج نطاق التشريعات الرسمية ودون أى حماية اجتماعية، ومن ثم قدمت الحكومة مجموعة من الإجراءات الطارئة، شملت: صرف منح نقدية عاجلة للعمالة المتضررة، تحديث قاعدة البيانات وربطها بالرقم القومى، تقديم تأمين صحى مؤقت، وتوزيع مساعدات غذائية وعينية فى المحافظات الأكثر تضررا، وكشفت الأزمة عن أهمية وجود قاعدة بيانات دقيقة وبرامج دعم مستمرة، وأسرعت خطوات التحول الرقمى لضمان وصول الدعم للفئة الأكثر هشاشة، ثم جاء قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 ليكون خطوة تاريخية لحماية وتنظيم العمالة غير المنتظمة، حيث نص على إنشاء صندوق للخدمات الاجتماعية والصحية، وأيضا وضع إطار قانونى شامل لدعم العمالة غير المنتظمة من خلال المواد (74–84)، بهدف تحسين أوضاعها وضمان حقوقها الاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد على دور وزارة العمل المصرية فى حصر هذه الفئة وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات وطنية لضمان وصول الدعم بكفاءة.
كما استحدث القانون صندوقًا لإعانات الطوارئ يقدم دعمًا ماليًا وخدمات اجتماعية وصحية، مع منح رئيس الجمهورية صلاحية صرف إعانات عاجلة وقت الأزمات ويعكس ذلك توجهًا نحو توفير تمويل مستدام، مع إخضاع الصندوق لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات لضمان الشفافية.
من جانبه، أكد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادى، أن «العمالة غير المنتظمة تمثل أحد أهم مكونات سوق العمل فى مصر، وتشكل وفقًا لتقديرات وزارة التضامن الاجتماعى نحو 60 فى المائة من إجمالى القوة العاملة، وهو ما يجعلها عنصرًا محوريًا فى المعادلة الاقتصادية، وعصبًا رئيسيًا للاقتصاد الوطنى»، موضحًا أن «الدولة المصرية اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تبنى سياسات أكثر شمولاً لحماية هذه الفئة، وهذا القطاع الحيوى الذى ظل لسنوات يعمل فى نطاق غير منظم، أصبح اليوم فى صدارة أولويات الدولة من خلال منظومة متكاملة من الرعاية والحماية الاجتماعية».
وأضاف أن «من أبرز التحولات التى شهدها الملف فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، هو التوجه نحو توفير مظلة حماية رسمية، من خلال إطلاق وثيقة تأمين شاملة للعمالة غير المنتظمة، تتيح لهم الحصول على معاشات تأمينية، بما يمثل نقلة نوعية فى دمج هذه الفئة داخل النظام التأمينى الرسمى».
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن «الدولة لم تقتصر جهودها على الجوانب التأمينية فقط، بل امتدت إلى الدعم فى أوقات الأزمات، حيث تم خلال جائحة كورونا إقرار منح مالية استثنائية للعمالة المتضررة، بهدف التخفيف من حدة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التى واجهتها هذه الفئة»، كما لفت إلى أن «الحكومة أدرجت العمالة غير المنتظمة ضمن حزم الحماية الاجتماعية التى تم الإعلان عنها قبيل شهر رمضان الماضى، باعتبارها من الفئات الأولى بالرعاية، فى إطار سياسة تستهدف توسيع نطاق الدعم الاجتماعى».
«جاب الله»، أوضح كذلك أن «الدولة تعتمد أيضًا على المشروعات القومية كأداة رئيسية لاحتواء هذه الفئة، خاصة فى قطاعات التطوير العقارى والبنية التحتية، والتى تُعد من أكثر القطاعات قدرة على استيعاب العمالة غير المنتظمة، وخلق فرص عمل مستمرة لها، بما يضمن قدرًا من الاستقرار الاقتصادى والمعيشي»، مؤكدًا أن «التوجه المستقبلى للدولة يتجه نحو دمج هذه الفئة ضمن مشروع التأمين الصحى الشامل، بما يضمن حصولهم على خدمات طبية متكاملة تضاهى العاملين فى القطاع الرسمى»، ومعتبرًا أن هذا المسار يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل العمالة غير المنتظمة من «عمالة هشة» إلى قوة إنتاجية منظمة تتمتع بكامل حقوقها الاجتماعية والصحية.
وفى السياق، ولا ينكر أحد أن العمالة غير المنتظمة إحدى أهم القضايا المطروحة على أجندة سوق العمل فى مصر، فى ظل ما تمثله من كتلة بشرية كبيرة داخل الاقتصاد، وما تواجهه من تحديات تتعلق بالحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفى»، مشيرًا إلى أن «بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء وتقديرات وزارة العمل المصرية توضح أن حجم العمالة غير المنتظمة فى مصر يتراوح بين 10 و12 مليون عامل، بما يمثل نحو 30 فى المائة إلى 40 فى المائة من إجمالى قوة العمل، وتتركز هذه الفئة فى قطاعات التشييد والبناء، والزراعة، والنقل، والخدمات، مع وجود نسبة كبيرة تعمل خارج أى مظلة تأمين اجتماعى أو صحى رسمى».
والدولة تواصل تنفيذ حزمة من الإجراءات لتعزيز الحماية الاجتماعية لهذه الفئة، من بينها صرف منح دورية تصل إلى 6 منح سنويًا للعمالة المسجلة، وتقديم تعويضات قد تصل إلى 200 ألف جنيه فى حالات الوفاة أو الإصابة، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات رقمية لحصر العمالة غير المنتظمة، والتوسع فى برامج الرعاية الصحية والاجتماعية، مع إنفاق يتجاوز 4.5 مليار جنيه خلال السنوات الأخيرة لدعم هذه الفئة، لكن رغم ذلك، من الواجب الإشارة إلى أن هناك ملايين العمال لا يزالون خارج نطاق التسجيل الرسمى، وأن التغطية التأمينية الحالية ما زالت دون المستوى المطلوب، فى ظل الطبيعة غير المستقرة للعمل، ولهذا أدعو إلى تبنى حزمة من الإجراءات، تشمل التوسع فى الحصر الرقمى، وتطوير نظام تأمين مرن يناسب طبيعة العمل، وربط الدعم بالتسجيل الرسمى، مع تقديم حوافز لأصحاب الأعمال، وتعزيز دور التنظيم النقابى فى الوصول إلى هذه الفئة، حيث تمثل العمالة غير المنتظمة قوة إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد المصرى، وشدد على أن دمجها وتعزيز حمايتها لا يعد مجرد التزام اجتماعى، بل استثمار مباشر فى الاستقرار الاقتصادى، ورفع الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي».
من جانبه، أكد مجدى البدوى، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن «ملف العمالة غير المنتظمة شهد تطورًا مهمًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة فيما يتعلق ببرامج الحماية الاجتماعية والدعم المباشر»، مشيرًا إلى أن «أول أشكال الدعم الفعلى لهذه الفئة تمثل فى صرف 6 دفعات نقدية خلال جائحة كورونا بقيمة 500 جنيه لكل دفعة، وهو ما ساعد على تخفيف حدة الأزمة عن قطاعات واسعة من العمال المتضررين».
وأضاف «البدوى» أن «الدولة اتجهت بعد ذلك إلى ابتكار أدوات أكثر استدامة للحماية، من بينها «شهادة أمان» للعمالة غير المنتظمة، والتى تم تمويل جزء كبير منها عبر الدولة والتبرعات، بما أتاح للعاملين فرصة الحصول على غطاء تأمينى بتكلفة محدودة دون أعباء مالية كبيرة»، لافتًا إلى أن «المرحلة الحالية تشهد توجهًا واضحًا نحو بناء مظلة شاملة تجمع بين التأمين الصحى والتأمين الاجتماعى، نظرًا لطبيعة هذه الفئة التى لا تمتلك مقر عمل ثابتًا أو صاحب عمل دائم، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر الاقتصادية والصحية».
وأوضح نائب رئيس اتحاد العمال أن «أهمية هذا التوجه تكمن فى توفير حماية مزدوجة للعامل، تشمل تأمينًا اجتماعيًا يضمن له معاشًا عند بلوغ سن التقاعد أو فى حالات العجز والإصابة أثناء العمل، إلى جانب تأمين صحى يضمن له العلاج والرعاية الطبية اللازمة، بما يحقق «الستر الاجتماعى للعامل وأسرته» ويحميه من الوقوع فى دائرة الفقر عند التعرض لأى أزمة».
وفى هذا الإطار، أشار «البدوى» إلى أن الدولة أدخلت تعديلات مهمة على منظومة التأمينات الاجتماعية، حيث تتحمل الخزانة العامة اشتراكات صاحب العمل عن العمالة غير المنتظمة، بينما يسهم العامل بنسبة بسيطة من اشتراكه، بهدف تشجيع هذه الفئة على الانضمام للمنظومة التأمينية دون أعباء مالية تعيق مشاركتها.
كما لفت إلى أن قانون التأمين الصحى الشامل يتجه نحو تغطية جميع المواطنين، مع تحمل الدولة اشتراكات غير القادرين، وهو ما يصبّ بشكل مباشر فى صالح العمالة غير المنتظمة، باعتبارها الأكثر احتياجًا لهذه الحماية.
وأوضح «البدوى» أن إنشاء صندوق الطوارئ للعمالة غير المنتظمة يمثل خطوة محورية، حيث لا يقتصر دوره على الدعم المالى فقط، بل يمتد ليشمل التدريب والتأهيل والتثقيف، وتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية، واصفًا إياه بأنه «مظلة حماية متكاملة لهذه الفئة»، مشيرًا إلى أن الصندوق يقدم أيضًا منحًا مالية دورية قد تصل إلى 6 منح سنويًا بقيمة 1500 جنيه للمنحة الواحدة، بما يسهم فى دعم العمال فى المناسبات والأزمات المختلفة.
كذلك، أكد نائب رئيس اتحاد العمال، أن «الرؤية المستقبلية للدولة تهدف إلى دمج العمالة غير المنتظمة داخل الاقتصاد الرسمى، وتحويلهم تدريجيًا إلى أصحاب مشروعات صغيرة أو منتجين مستقلين، من خلال توفير التدريب والدعم والتمويل، بما يحقق الاستفادة للطرفين: تحسين مستوى معيشة العامل، وزيادة كفاءة الاقتصاد الوطنى واستقراره»، مشددًا على أن «نجاح منظومة الحماية لا يقتصر فقط على الدعم المالى أو التشريعى، بل يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على رفع وعى العمالة غير المنتظمة بأهمية التسجيل والانضمام إلى المنظومة الرسمية».
كما أوضح أن «جزءًا كبيرًا من التحدى يتمثل فى تغيير الثقافة السائدة لدى بعض العاملين الذين يفضلون العمل غير الرسمى رغم ما يحمله من مخاطر»، مؤكدًا أن «تعزيز الثقة بين العامل والدولة، وتبسيط إجراءات التسجيل والاستفادة من الخدمات، يمثلان عنصرين أساسيين لضمان استدامة أى جهود تستهدف تحقيق “الستر الاجتماعي” الحقيقى لهذه الفئة».