ولا تقتصر فلسفة القانون على مجرد تحديث تشريعى تقليدى، بل تمتد لتأسيس نظام رقابى متكامل يوازن بين تحفيز الاستثمار وحماية آليات السوق من التشويه وتتمحور فلسفة القانون الجديد حول التحول من الرقابة اللاحقة إلى «الردع الاستباقى» وذلك عبر منح جهاز حماية المنافسة صلاحيات إنفاذ أكثر مرونة، أبرزها استحداث نظام الجزاءات المالية الإدارية كبديل أسرع للمسار الجنائى التقليدى، بما يسمح باستجابة فورية للانحرافات السوقية.
كما يُحكم المشروع الرقابة المسبقة على «التركزات الاقتصادية» عبر نظام الإخطار والفحص؛ لمنع نشوء كيانات احتكارية قد تعيق دخول منافسين جدد أو تكرس وضعاً مهيمناً يضر بالسوق.
كذلك، يضع المشروع «الحياد التنافسى» كركيزة أساسية من خلال تدشين لجنة عليا تضمن تكافؤ الفرص بين كافة الكيانات الاقتصادية، تزامناً مع تعزيز استقلالية وحصانة الكوادر الرقابية بالجهاز؛ بهدف نهائى يتمثل فى ترسيخ الثقة فى البيئة الاستثمارية، ودعم توجه الدولة نحو تحقيق تنمية مستدامة قائمة على كفاءة الأسواق والشفافية المطلقة.
ويتضمن مشروع قانون حماية المنافسة الجديد مجموعة من المواد المستحدثة التى تستهدف إعادة تنظيم أداء الجهاز وتعزيز فاعليته، حيث يمكن تقسيم أبرز هذه التعديلات إلى أربعة محاور رئيسية.
فيما يتعلق بـ«مواد الإصدار»، نظّم المشروع آليات نقل وتسوية أوضاع العاملين الحاليين، خاصة ممن يباشرون العمل الرقابى، إلى وظائف معادلة داخل الجهاز مع الحفاظ على أقدميتهم ومراكزهم القانونية، مع استمرار العمل باللوائح المنظمة لشئون العاملين خلال فترة انتقالية لحين إصدار لوائح جديدة، فضلاً عن النص صراحة على إلغاء القانون القائم واستبداله بالإطار التشريعى الجديد.
وفى محور «هيكل الجهاز واختصاصاته»، حدّد القانون المركز القانونى لرئيس الجهاز وآليات تعيينه، كما استحدث منصب نائب رئيس الجهاز لضمان استمرارية العمل فى حال غياب الرئيس، إلى جانب إعادة هيكلة اللجنة العليا لدعم سياسات المنافسة والحياد التنافسي، وإفراد تنظيمها ضمن إطار مستقل يركز على دراسة السياسات التنافسية وتقييمها واقتراح تطويرها.
وعلى مستوى «العقوبات والإجراءات التصحيحية»، أقر المشروع مجموعة من الضمانات القانونية التى تسبق توقيع الجزاءات المالية الإدارية، بما يشمل إخطار المخالف ومنحه فرصة للدفاع وتقديم ملاحظاته، مع إلزام الجهاز بالرد عليها، كما استحدث نظاماً للتسوية المبكرة يتيح إنهاء النزاع قبل توقيع الجزاء مقابل سداد مبلغ محدد، إلى جانب تطوير نظام الإعفاء للإبلاغ عن المخالفات ليشمل إعفاءً جزئياً للمبلغ الثانى عند تقديم أدلة جوهرية، فضلاً عن إتاحة تقسيط الجزاءات المالية بدون فوائد وفق ضوابط محددة تسقط حال الإخلال بها.
أما المحور الأخير «الإدارة القانونية»، فقد شهد استحداث باب متكامل ينظم أوضاعها الوظيفية، بما يعزز من كفاءة العمل القانونى داخل الجهاز.
وعن الانعكاسات المباشرة لمشروع القانون على حياة المواطن اليومية، أكد الدكتور أحمد زكريا، أستاذ التشريعات المالية، أن «حماية المنافسة تعتبر خط الدفاع الأول عن «جيب المستهلك» وقوته الشرائية؛ فمن خلال تفعيل الرقابة المسبقة على عمليات الاستحواذ، يضع القانون حداً لممارسات «الاستحواذ القاتل» التى تهدف لتصفية المنافسين الصغار لضمان انفراد الكيانات الكبرى بالسوق، وهذا الضبط التشريعى يضمن بقاء «تعددية الخيارات» أمام المستهلك، مما يجبر الشركات على الدخول فى سباق مستمر لخفض الأسعار ورفع جودة الخدمات والابتكار لجذب العميل، بدلاً من الركون إلى سياسات «تثبيت الأسعار» أو الاحتكارات التى تفرض واقعاً سعرياً جبرياً».
وأضاف أنه «بموجب القانون الجديد، يصبح بمقدور الدولة كبح جماح «التضخم المصطنع» الناتج عن الممارسات الاحتكارية وسد الثغرات فى سلاسل الإمداد، مما يحول نصوص القانون من مجرد مواد تشريعية إلى ضمانة حقيقية لاستقرار الأسواق وتوفر السلع بأسعار عادلة تتناسب مع آليات العرض والطلب الحقيقية.
وأوضح «زكريا» أن «مشروع قانون حماية المنافسة نقلة نوعية فى فلسفة «إدارة السوق» فى مصر، حيث انتقل من دور «المُشاهد» الذى ينتظر حدوث الاحتكار ليعالجه، إلى دور «الحارس» الذى يمنع تشكل القوى الاحتكارية من الأساس، فمن خلال تفعيل الرقابة المسبقة على عمليات الاندماج والاستحواذ، تضع الدولة صمام أمان يضمن عدم تحول السوق إلى «نادٍ مغلق» للكبار فقط، مما يفتح الباب أمام الشركات المتوسطة والناشئة للمنافسة والابتكار.
من جانبه، أوضح الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية، أن «أبرز التعديلات الجوهرية المؤثرة فى القانون تشمل توسيع مفهوم «الأشخاص» ليشمل كافة الكيانات بغض النظر عن جنسيتها، مما يغلق الباب أمام التحايل عبر الشركات الصورية، بالإضافة إلى ضبط «الممارسات المنسقة» بتجريم التواطؤ غير المباشر مع حماية السلوك المتوازى الناتج عن ظروف السوق الطبيعية».
وتابع: كما تضمن القانون رفع العقبات المالية للخضوع لرقابة الجهاز لتركيز الموارد على الصفقات الكبرى، واستحداث نظام «الجزاءات المالية الإدارية» كمسار أسرع وأكثر تناسباً مع حجم المخالفة من المسار الجنائى التقليدى.
وفيما يتعلق بدعم بيئة الاستثمار، قال «يوسف» إن «التعديلات تحمل إشارات قوية لتعزيز «الأمن القانونى» ومنح المستثمرين مهلة 6 أشهر لتوفيق أوضاعهم، كما أضفى القانون مرونة فى السياسة العقابية بحذف الحدود الدنيا للجزاءات لحماية المنشآت الصغيرة، واستحداث آلية «التسوية» لإنهاء النزاعات إدارياً وتوفير «الاقتصاد الإجرائى» لتقليل مخاطر التقاضى الطويلة».
كذلك، أوضح أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية، أن «القانون أعاد النظر فى نقاط حيوية لزيادة الفاعلية، شملت منع ازدواجية الرقابة باستثناء الأنشطة الخاضعة للرقابة المالية من سلطة الفحص اللاحق للجهاز، وضمان استقلال «لجنة التظلمات» بإسناد ترشيح أعضائها لرئيس الوزراء لضمان الحيدة، كما تم ضبط السياسة العقابية لتتسق مع مبدأ التناسب الدستورى، مع إلزام الجهاز بالاعتماد على معايير موضوعية وبيانات مالية موثقة عند تقدير الجزاءات، بعيداً عن الافتراضات أو التخمينات، لضمان أعلى درجات الشفافية والعدالة فى إنفاذ القانون».
وفيما يتعلق بأهمية مشروع القانون للمشروعات الصغيرة، قالت منى الصافى، المحلل المالى، إن «القانون يُقدم «درع حماية» حقيقى للشركات الصغيرة والمتوسطة عبر آليات إجرائية ذكية تراعى حجمها وقدراتها المالية، فى مقدمة هذه الآليات يأتى اعتماد «الحدود المالية الدنيا»، وهى بمثابة «مسار سريع» يعفى الصفقات والاندماجات الصغيرة من التعقيدات الإدارية والرقابة المسبقة طالما لم يتخطَّ حجم أعمال الشركات مبالغ ضخمة محددة قانوناً، مما يمنح الشركات الناشئة حرية النمو والتحرك دون قيود بيروقراطية معطلة».