قد تجسد هذا الهدف منذ عدة سنوات، وردده بعض وزراء البترول السابقين ووزير البترول الحالى، لكن هذا الهدف الاستراتيجى لم يتقدم إلى الأمام، ووقف عند حدود التصريحات فقط، دون خطوات فاعلة على أرض الواقع.
والمثير أن كل وزير اعتبر استيراد الغاز الطبيعى من إسرائيل ليتم استهلاكه محليا أو الشروع فى استيراده من قبرص لإعادة تصدير مسالاً إلى أوروبا إذا حدث؛ هو الذى سيحول مصر إلى مركز إقليمى للطاقة وتجارة الغاز الطبيعى الذى نستورده للاستهلاك المحلى، فى حين أن تحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك ليشمل كافة منظومة الطاقة، بما فى ذلك تصدير الكهرباء الشمسية، وذلك بعد سدّ الاحتياجات المحلية.
وبغض النظر عن يقظة الهدف فى أن تكون مصر مركزًا إقليميًا للطاقة، وعدم قطع خطوات جادة لتحقيق هذا الهدف حتى الآن، والاكتفاء بخط سوميد، الذى ينقل الزيت الخام العربى من العين السخنة على البحر الأحمر إلى ميناء الحمرا على البحر المتوسط لتصديره إلى أوروبا وغيرها من الأسواق الشمالية، فقد آن الأوان للاستفادة من الأزمة العالمية للطاقة التى نشأت بسبب الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل وإغلاق مضيق هرمز.
نعم.. لقد أوجدت هذه الحرب، وبخاصة إغلاق مضيق هرمز، أزمة كبيرة فى تصدير البترول من دول الخليج العربى والسعودية.
فلم يقف الأمر عند هذا، بل وصلت التهديدات إلى إغلاق باب المندب، وشلّ حركة الملاحة فى البحر الأحمر، وبالتالى سيتعذر تصدير الزيت الخام من دول الخليج العربى والسعودية، وكذلك تعذر تصدير الغاز الطبيعى المسال من دول الخليج العربى إلى العديد من الأسواق، وبخاصة السوق الأوروبى.
وإزاء هذا، تحدثت بعض الأصوات من إسرائيل وغيرها عن إحياء الممر التجارى من الهند، مرورا بالإمارات والسعودية ثم الأردن ثم إسرائيل، لتصدير البترول الخليجى إلى أوروبا عبر شبكة أنابيب تحقق هذا الهدف، وربط هذه الشبكة بخط الأنابيب الإسرائيلى من إيلات ثم عسقلان على البحر المتوسط.
لكن هذا الطرح ترفضه السعودية بشدة، بينما نجد أن الرئيس السورى أحمد الشرع يتحدث عن ضرورة البحث عن حل من المنطقة لحل أزمة الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز.
وأيًّا كان هدف الرئيس السورى، عما إذا كان يمكن أن يلتقى مع الأهداف الإسرائيلية، بإنشاء شبكة أنابيب لنقل البترول الخليجى عبر إسرائيل أو سوريا، فهذا يحتم أن يكون هناك طرح مصرى من جانب المسئولين عن ملف الطاقة، وممن يتحدثون عن تحويل مصر لتكون مركزا إقليميا للطاقة.
وإلى أن يحدث ويتحرك هؤلاء بدلا من النوم على الحفارات، فإننا إزاء رؤية جديدة كأحد الدروس المستفادة من الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل وإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب.
هذه الرؤية التى تجذب تصدير البترول من دول الخليج ومن السعودية تعتمد على إنشاء شبكة خطوط من دول الخليج العربى، مرورا بالسعودية إلى البحر الأحمر، ثم مد خط بحرى من السعودية إلى ميناء العين السخنة، حيث خط سوميد الذى ينقل الزيت الخام إلى ميناء الحمرا لتصديره إلى الأسواق الأوروبية.
وفى هذه الحالة، يمكن زيادة طاقة خط سوميد والذى تشارك فيه الدول الخليجية لاستيعاب أكبر قدر من بترول الدول الخليجية، ومن السعودية بطريقة آمنة، بعيدا عن مضيق هرمز، وعن التهديد بإغلاق باب المندب.
كما يمكن تصدير الكميات التى تزيد على طاقة خط سوميد بأن يتم نقلها عبر ناقلات البترول من قناة السويس إلى الأسواق الأوروبية، خاصة إذا قامت إدارة قناة السويس بإعطاء تخفيضات فى أسعار نقل هذا البترول الذى يأتى من دول الخليج العربى.
وعندما نقول شبكة أنابيب عربية عبر الأراضى السعودية، ثم إنشاء خط بحرى يعبر البحر الأحمر إلى ميناء العين السخنة، فخط سوميد إلى ميناء الحمرا على البحر المتوسط، فهذا يحقق أفضل الوسائل الآمنة لتصدير البترول من دول الخليج العربى، ومن السعودية بشكل اقتصادى أيضًا.
ويجنب صادرات البترول الخليجى ومن السعودية مخاطر التهديد الإيرانى، سواء فى مضيق هرمز، أو باب المندب، أو مطاردات الحوثيين للملاحة فى البحر الأحمر.
وإذا أضفنا عمليات التوسعات فى بناء مستودعات تخزين الزيت الخام فى ميناء العين السخنة وفى ميناء الحمرا على البحر المتوسط، فهذا يصبّ فى قدرات البنية البترولية المصرية على استيعاب صادرات البترول من دول الخليج العربى ومن السعودية.
ولن أذيع سرًا، أن مصر تملك طاقات تخزين كبيرة للزيت الخام فى نحو 26 مستودعا استراتيجيا بالعين السخنة الآن، حتى إن بعض الدول الخليجية عرضت استئجارها لتخزين جزء من صادراتها من الزيت الخام.
وهنا أؤكد على ضرورة إنشاء الخط البحرى عبر البحر الأحمر ليربط شبكة الخطوط التى ندعو لتنفيذها بالسعودية من الخليج العربى وحتى البحر الأحمر، لترتبط بشبكة الأنابيب فى مصر، وتحديدا بخط سوميد لنكون بإزاء شبكة أنابيب عربية آمنة، بعيدا عن إسرائيل التى كشفت الحروب التى خاضتها أن أى شبكة أنابيب تمر بها فهى غير آمنة، وتهدد أى صادرات للزيت الخام قد تمر بها.
وقد نرى من يتساءل: وما أهمية الخط البحرى، والاكتفاء بانتهاء شبكة الأنابيب التى تنقل الزيت الخام من دول الخليج العربى ومن السعودية، وإلى أحد موانيها على البحر الأحمر ثم تصدير هذا الزيت الخام بالناقلات عبر قناة السويس؟.. فإننا نقول هنا إنه إحدى مزايا هذا الطرح هو الربط المباشر بخط سوميد، لنكون بإزاء شبكة أنابيب عربية تحقيق مصالح كافة الأطراف بشكل آمن واقتصادى فى الوقت نفسه، وأرى أن هذا الطرح الذى سوف يحقق مصالح دول الخليج العربى والسعودية فى تصدير بترولها بشكل آمن؛ أحد الدروس من الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.
ولعل تجربة خط سوميد الذى تشارك فيه دول الخليج العربى والسعودية تؤكد أهمية هذا المشروع على الأراضى المصرية، وتحتم زيادة طاقة هذا الخط، بعد المشاكل التى واجهت صادرات الزيت الخام من دول الخليج العربى ومن السعودية، بعد الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل، وفى حال تنفيذ هذه الرؤى التى تحقق أمن الطاقة العربى، فإن هذا سوف يصبّ فى أن تكون مصر مركزًا إقليميًا للطاقة بالفعل، ويساعد على هذا موقع مصر الاستراتيجى والاستقرار السياسى والأمنى، فضلاً عن البنية البترولية، والتى ترقى بها إلى مصاف الصناعة العالمية.
وإذا كنت أطالب بهذا المحور البترولى العربى بين دول الخليج العربى والسعودية ومصر، فإننى أطرح أن يكون هناك محور بترولى آخر يربط بين مصر وليبيا، وتحديدا أدعو إلى إنشاء إلى شبكة أنابيب بين مصر وليبيا، لتكون أهم شبكات الأنابيب البترولية فى شمال إفريقيا.
هذه الشبكة التى سوف تكتسب أهمية كبرى مع قرب تحقيق الوحدة فى ليبيا، وبما يسمح بتكرير البترول الليبى فى معامل تكرير البترول المصرية، والتى تقع فى الإسكندرية.
وإذا كان هناك مَن يزعم بعدم مناسبة البترول الليبى لمعامل التكرير المصرية، باستثناء معمل تكرير «ميدور» القادر على تكريره، فإننى أدعو المسئولين بوزارة البترول إلى إجراء التعديلات الفنية اللازمة فى أكثر من معمل للتكرير فى الإسكندرية، وبما يسمح بتكرير البترول الليبى فى مصر، وتأمين جزء من احتياجاتها من البترول الليبى.
إننى أرى أن إنشاء شبكة أنابيب برية بين مصر وليبيا سوف يكون من أهم مشروعات شبكات الأنابيب العربية، وبما يؤدى إلى أن تكون مصر مركزا إقليميا للطاقة بالفعل.
وإذا كنا قد أنشأنا شبكة أنابيب بين مصر وإسرائيل لتصدير الغاز المصرى إلى إسرائيل من قبل، ثم أصبحت لاستيراد الغاز الإسرائيلى؛ فأعتقد أنه قد آن الأوان لإنشاء شبكة أنابيب بين مصر وليبيا لتكرير البترول الليبى فى المعامل المصرية.
ومع قرب وحدة ليبيا من الممكن أن تكون هناك شبكة أنابيب بين مصر وليبيا، لاستيراد الغاز الطبيعى من ليبيا، سواء لاستهلاكه فى مصر أو لتعميق تصنيعه فى بعض مشروعات البتروكيماويات.
وما بين مما أدعو إليه من شبكة أنابيب لتصدير بترول دول الخليج العربى والسعودية عبر مصر وخط سوميد، وشبكة أنابيب بين مصر وليبيا، سوف تكون مصر بحق مركزا إقليميا للطاقة، وتلك أهم الدروس من الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.