«حلاوة فننا».. حالة إبداعية متفردة تستوحيها فرقة «فلكلوريتا» النسائية من واقع ثقافتنا المصرية العامرة بتنوع أغانيها ذات الكلمات المرهفة والألحان العذبة، كمحاولة لإحياء تراثنا الغنائى الشعبى والحفاظ عليه من الاندثار.. أسس هذه الفرقة، التى جالت أنحاء المحروسة، الفنان أحمد السكران، الذى تمتد جذوره إلى مدينة الفيوم، فصارت أحلامه الفنية أشبه بمواويل عشق لأمجاد عظماء الماضى ورواد أغانيه، أمثال موسيقار الشعب سيد درويش الذى عبرت ألحانه وأغانيه عن طبقة العمال الكادحين ورموز الموالد وساحات الغناء الشعبى «أحمد التونى وفاطمة سرحان وخضرة محمد خضر والريس متقال» وغيرهم ممن بثوا بأغانيهم الخالدة فى وجدان البسطاء موروث البيئات المختلفة من أغانٍ تخلدها العبر.
بدأ «السكران ورفاقه» تكوين فرقتهم الغراء بستة أصوات نسائية إلى أن بلغ قوامها اثنى عشر صوتًا ومجموعة من العازفين الرجال.. تميزت كل منهن بأدائها الرائع لأغانٍ جعلتها تكتسب شعبية غير متوقعة، علمًا بأن معظمهن لسن دارسات بشكل أكاديمى الموسيقى والغناء، لكن اجتمعت قلوبهن جميعًا على حب الفلكلور والتراث».
بداية.. يكشف الفنان أحمد السكران سبب تكوينه لفرقة فلكلوريتا، قائلًا: ولدت فكرة تأسيس فرقة فلكلوريتا خلال رحلاتنا إلى الفيوم والواحات البحرية، فأثناء لقاءاتى بأصدقائى «ريتا ناجى وجيسى وعازفى الكوله والدرامز رأفت ومحمد فرحات»، حيث كنا نتسامر خلال هذه اللقاءات بالعزف على آلاتنا الموسيقية ونغنى معًا، وفى إحدى المرات أثناء سهرات السمر التى كنا نقيمها اقترحت عليهم فكرة أن نقدم ما نعزفه ونغنيه للجمهور، فأسست فرقة فلكلوريتا لكى نسعد أنفسنا والجمهور معًا، واخترت اسم «فلكلوريتا» للفرقة بسبب حبنا للفلكلور، ولكى يكون لهذا الاسم إيقاع على أذن المتلقى حققنا المعادلة الصعبة فى تقديمنا الفلكلور بشكل جديد يتوافق مع ذوق الأجيال الحالية موسيقيًا، فنحن نقدم حالة غنائية متفردة بتوزيعات موسيقية مختلفة مع الحفاظ على طبيعة هذه الأغانى التراثية، فنقدم الفلكلور للجمهور بصياغة فنية جديدة وبروح هذا العصر، كذلك ملابس الفرقة تختلف عن ملابس المطربات الشعبيات فى العصور السابقة، ولذلك أتحمل كافة نفقات تصميم وتنفيذ ملابس فرقتى بأسعار باهظة جدًا، لكى تكون أحد مظاهر الإبهار فى أعين الجمهور، ولذلك أصبحت الفرقة تمتلك أكثر من عشرين فستانًا لاثنتى عشرة مطربة بالفرقة، أى أن كل مطربة من أعضاء فرقتى لديها عشرون فستانًا مختلفًا، وتبلغ تكلفة هذا العدد الضخم من الملابس أكثر من ربع مليون جنيه أتحملها وحدى.
أما فيما يخص الجانب الفنى، فأردت إيجاد نوع من التزاوج ما بين الآلات الموسيقية الشعبية والغربية لكى نعاصر الوقت الحالى، ولأننى أرغب فى تقديم حالة غنائية فلكلورية مختلفة ومتفردة عما تقدمه الفرق الأخرى، وأحيانًا أستعين بآلات النفخ مثل الترومبيت والساكسفون والترومبون وغيرها مثل البيز جيتار، وأحيانًا أخرى أستعين بآلة السمسمية والربابة والمزمار البلدى وفقًا لطبيعة ما نقدمه من أغانٍ، كما أننى أحرص فى الوقت نفسه على أن أقدم الأعمال الفلكلورية التى اقتربت من الاندثار، وأحاول من خلال فرقتى أن أُحدث نوعًا من التواصل بين أغانى رواد فن الفلكلور عبر كافة عصوره بدءًا من موسيقار الشعب سيد درويش الذى عبر بموسيقاه عن طبقة الكادحين والمطربين الشعبيين، أمثال أحمد التونى وفاطمة سرحان وخضرة محمد خضر والريس متقال، ومَن طوروا الغناء الشعبى بعدهم مثل العمالقة محمد رشدى والعزبى، وأيضًا أحمد عدوية لإيجاد نوع من التوازن الفنى بين كافة الأجيال التى أثرت الفلكلور المصرى للتعبير عن حالة فنية تجمع إرث الماضى والرصيد الأحدث من الغناء الشعبى للحفاظ على تراثنا الغنائى وهويته الشعبية، وأعتمد فى اختيارى للأغانى التى نقدمها فى حفلاتنا على أن تشمل الكلمة الحلوة والموعظة، ولذلك قدمنا لموسيقار الشعب سيد درويش أغانى كثيرة، لأنه أصل الفلكلور، وامتد اهتمامى أيضًا ليشمل تقديمنا أغانى التراث لعبدالحليم وسعاد حسنى، والتى لا تعرفها الأجيال الجديدة، لنشر تراثهما الغنائى، الذى لم يعاصره أبناؤنا الآن، والذين انصرف اهتمامهم لأغانى المهرجانات وأغانى البوب، ولذلك أحاول أن أجعل من فكرة فرقة فلكلوريتا محاولة للعودة لجذورنا الغنائية، فنقدم أغانى الفلكلور وأغانى التراث العاطفية لعبدالحليم وسعاد حسنى وفريد وعبدالوهاب، بالإضافة إلى تقديمنا أغنيتين خاصتين بالفرقة، وهما «خمسة وخميسة» للشاعر نادر شعبان، وكلماتها مستوحاة من بعض العبارات الفلكلورية، وأغنية أخرى خاصة عن الإسكندرية وأهالى بحرى، لرغبتى فى أن يتذكرنا جمهورنا العزيز بهما، بعد ابتعادنا مستقبلًا عن الساحة الفنية بحكم تغييرات الزمن، وأتمنى أن أقدم خلال هذا العام أغنيتين أو ثلاث أغنيات حديثة للفرقة، كى تكون نواة لأول ألبوم غنائى أنتجه لفرقتى.
ويضيف أحمد السكران: كان قوام فرقتنا فى بادئ الأمر عبارة عن ست عضوات بالفرقة، وجميعهن أصررن على أن أتوسط جلوسهن على المسرح خلال الحفلات لكونى مؤسس هذه الفرقة، ثم اتسع قوامها الآن، حيث أصبح يشمل اثنتى عشرة مغنية، منهن خريجات كلية التربية الموسيقية، ومنهن أيضًا فنانات بدار الأوبرا. ونجحنا فى الاقتراب من الجمهور الذى أسهم فى أننا قدمنا مجموعة حفلات مهمة جدًا على مسارح الدولة المختلفة من خلال صندوق التنمية الثقافية داخل قبة الغورى وقصر الأمير طاز وقصر المانسترلى، وقمنا أيضًا بإحياء حفلى افتتاح وختام مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير وقدمنا حفلاً على هامش مهرجان أسوان لسينما المرأة، وقدمنا حفلات أخرى فى المركز الثقافى الفرنسى، وفى ساحة مركز الهناجر، وسافرنا إلى قطر، وسوف نشارك فى مهرجان جرش هذا العام، ومن المتوقع أن نشارك خلال هذا العام أيضاً فى مهرجان فنى بالسويد.
«من الهواية إلى الاحتراف»
بينما تقول الفنانة ريتا ناجى، إحدى المؤسسات لفرقة فلكلوريتا: جاءتنا فكرة تأسيس الفرقة أثناء قيامنا بمجموعة من الرحلات لكوننا نعزف معًا الموسيقى كأصدقاء، حيث اقترح علينا أحمد السكران أن ننطلق فى ممارستنا لها من كونها هواية إلى الاحتراف، ورغم أننى أعمل فى مجال الطيران فإن حبى للموسيقى منذ الصغر جعلنى أرحب بتأسيسنا لفكرة هذه الفرقة التى نهدف من خلالها لإحياء أغانى الفلكلور والتراث برؤية فنية مختلفة عما سبق أن قُدمت به مع حفاظنا على طابعها الأصلى، كما نسعى إلى تعريف الأجيال الجديدة بها من خلال إدخال بعض الآلات الموسيقية الغربية عليها، بالإضافة إلى تقديمنا بعض الاستعراضات التى تعبر عن هذه الأغانى، كما أننا حرصنا على تقديم أغانٍ خاصة بفرقتنا بجانب اهتمامنا لتقديم صور غنائية وموسيقية أشمل عن التراث المصرى بكافة أشكاله وألوانه بروح مختلفة تتناسب مع متغيرات الوقت الراهن، فضلًا عن أن الهدف من تقديمنا للأغانى الجماعية لكونها هى الأقرب لطبيعة الفلكلور نفسه، لأن هذه الأغانى كانت تغنى فى التجمعات والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، ولكننا نقدمها للجمهور برؤية فنية معاصرة، والسر وراء تقديمنا أوبريت «الليلة الكبيرة» هو محاولتنا خلق نوع من التواصل مع الجمهور، لأن هذا الأوبريت يجعل الجمهور يستعيد ذكرياته الجميلة معه، فيجعله أكثر تفاعلًا مع ما نقدمه إليه من حالة غنائية متفردة وانجذابى للعزف على آلة «الدهولة» كان بسبب حبى للإيقاع الشرقى، بالإضافة إلى أن هذه الآلة الإيقاعية لها حضور، وتعبر عن روح الفلكلور، وتمنح عازفها طاقة مميزة.
«الله عليك يا ولا»
وتقول الفنانة نهى إبراهيم، إحدى العضوات المؤسسات لفرقة فلكلوريتا: بدأ مشوارى مع الغناء بالمصادفة، حيث إننى حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة العربية ولم أغنى فى حياتى، ولكننى قرأت إعلانا عن ورشة لتعلم الغناء فالتحقت بها فوجدتها فرصة لكى أكتسب خبرة جديدة، خاصة أننى وجدت أن الأغانى التى سأتعلمها مبهجة وداعمة لحبى للفلكلور، ثم التحقت بعد ذلك بإحدى الفرق الغنائية النسائية لمدة عام، وتعرفت من خلالها على الفنان أحمد السكران لأنه كان المسئول الإدارى لها ثم ترك هذه الفرقة، أخبرنى بأنه يؤسس فرقة جديدة، ويرغب فى أن أكون معه ضمن أعضائها، فالتحقت بفرقة فلكلوريتا التى قدمت من خلالها أغانى من التراث الفلاحى والصعيدى، حيث غنيت ميدلى غنائى بعنوان «القصب»، وهو عبارة عن مزيج من الفلكلور الفلاحى، ويتضمن أغنية بعنوان «أنا بنت عمك» للفنانة فاطمة عيد، والجزء الثانى من هذا الميدلى بعنوان «القصب»، وغنيت أيضًا أغنية «يا بت بيقولك أبوكى» للريس متقال من الفلكلور الصعيدى، لكننى شعرت بعد غنائى لكل هذه القوالب الغنائية الشعبية بأن لدىّ الرغبة فى تقديم لون جديد مختلف من الفلكلور، وما دعم هذه الرغبة بداخلى هو أننى وجدت أن الفرقة لم تقدم من قبل أغانى من الفلكلور النوبى، فعزمت بأن أغنى أغنية «الله عليك يا ولا» من باب التغيير والاختلاف، ولم يشغلنى هم الوقوع تحت طائلة المقارنات مع مَن سبقوننى فى غنائها، لأننى أغنيها بنوع من المحاكاة، وهذا لا يعنى أننى أقدمها طبق الأصل مثل مَن غنوها من النوبيين الذين يمتلكون طريقة خاصة بهم وأصواتًا ولكنة جميلة ذات نبرة مميزة، فكل هذه المميزات التى يمتلكونها بحكم طبيعتهم لن أستطيع الوصول إليها، ولذلك حاولت أن أغنيها للجمهور من وحى أسلوبى الغنائى الخاص بى الذى أتبعه فى كل الأغانى التى أقدمها من واقع شخصيتى الفنية المستقلة، والتى يصفها البعض بأنها مبهجة ولطيفة، لأننا نقدم للجمهور محتوى فنيا بصريا سمعيا وحالة غنائية يسعد بها الجمهور ويتفاعل معها لمدة ساعتين بشكل عام، ما جعل فرقة فلكلوريتا تتميز عن الفرق النسائية الأخرى لأنها تركز على تقديم أغانى الفلكلور من خلال عملية مزج الآلات الموسيقية الشعبية والغربية، ومن ثم فإننا نقدم وجبة موسيقية ندمج من خلالها الفن الشعبى الأصيل والفن المعاصر لكى نستطيع أن نصل بفننا إلى أكبر قاعدة جماهيرية من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية، فضلًا عن أننا لم نكتفِ بتقديم الفلكلور الشعبى المصرى فحسب، ولكننا نقدم بجانبه أغانى تراثية طربية وكلاسيكية، بالإضافة إلى أغانٍ من الفلكلور اللبنانى لكى نقدم أكثر من فلكلور مختلف عن تراثنا الشعبى المصرى، فكل هذا هو ما يجعل فرقتنا مختلفة ومتميزة عن بقية الفرق الأخرى.
وتضيف نهى إبراهيم أبحث عادة عن الأغانى غير المتداولة إلى حد ما، خاصة التى لا تقدمها الفرق الأخرى وغير المنتشرة والتى تكون عرضة أن ينساها الجمهور مثل أغنية «يا بت بيقولك أبوكى» والتى قدمها الريس متقال زمان، ثم قدمتها منذ عدة سنوات الفنانة أمل وهبى خلال حقبة التسعينيات، والتى أدخلت عليها توزيعا موسيقيا جديدا اعتمدت من خلاله على موسيقى الراى فقدمتها بعيدًا إلى حد ما عن الفلكلور الصعيدى، فعندما قدمتها كنت حريصة على تقديمها بأصولها الصعيدية بعيدًا عن النسخة الجزائرية التى قدمتها أمل وهبى، وكل ما أسعى إليه هو أن أبثّ لدى جمهورى طاقة إيجابية من خلال الأغانى التى أغنيها له.
شكوكو والسندريلّا..
فى حين تقول الفنانة نور الجمل: لعبت نشأتى داخل أسرة فنية دورًا كبيرًا فى تعلقى بالمجال الفنى، فوالدتى كانت تعزف على آلة الكمان، وتجلس معى أثناء مشاهدتى للأفلام المصرية القديمة وتشرح لى بحسها النقدى الأخطاء التى سقط فيها الممثلون، بالإضافة إلى أن والدى كان شاعرًا ويحرص على أن يسمعنى أغانى العمالقة عبد الوهاب وعبدالحليم وفريد ومحرم فؤاد، كما أننى تأثرت بأختى لأنها مغنية غربى تغنى أغانى باللغة الإنجليزية، إلى جانب غنائها أغانى عربية، وعندما التحقت بمدرستى كنت حريصة على الغناء فى حصص الموسيقى، وتعلمت خلال هذه الفترة العزف على آلتى الفلوت والبيانو، وبعد تخرجى فى كلية الفنون الجميلة قسم نحت ميدانى دخلت مجال التمثيل، حيث التحقت لمدة عشر سنوات بفرقة «كومبارس»، المسرحية لمؤسسها المخرج محمد حسن، وقدمت مع هذه الفرقة عدة عروض مسرحية. وفى أحد العروض غنيت مجموعة من الأغانى، ومنها أغنية المطربة الكبيرة اللبنانية جارة القمر فيروز «يا مسيح الحياة» وكانت تعمل معنا فى هذا العرض صديقتى مصممة الاستعراضات ياسمين عسكر التى اقترحت علىّ الانضمام إلى فرقة «فلكلوريتا»، إلا أننى كنت متخوفة فى بادئ الأمر من خوض هذه التجربة، لكن ياسمين عسكر أقنعتنى بمحاولة خوض هذه التجربة، فصور لى خطيبى فيديو داخل بلكونة منزلنا أثناء غنائى لأغنية المطربة الكبيرة نجاة الصغيرة «عيون القلب»، فأرسلت ياسمين هذا الفيديو للفنان أحمد السكران صاحب الفرقة فأُعجب بأدائى الغنائى، وتم انضمامى للفرقة، كما أن حبى لأغانى التراث كان حافزًا لى لأنضم إليهم، لأن هذه الأغانى تعبر عن أصل وحقيقة الغناء النابع عن تجارب صادقة للحس الفنى لأهالى الأرياف والصعيد.
بعد انضمامى للفرقة، أردت أن أستخدم مخزون حبى لشكوكو وإسماعيل يس من خلال مشاهدتى لأفلامهما، فقدمت مع الفرقة «إسكتش» غنائيا لشكوكو «حلو الحلو بكل خصاله»، وحققت معها نجاحًا فى كل الحفلات التى قدمتها مع الفرقة، والسر وراء تقليدى لشكوكو هو أننى أردت استحضار روحه أمام الجمهور، وأتمنى أن أقدم خلال المرحلة القادمة «أغنية ورد عليك فل عليك»، «ليله طال وليلى لا»، ثم قدمت بعد ذلك أغنية «بانو بانو بانو» لسعاد حسنى بناء على طلب الفنان أحمد السكران منى بغنائها، وأتمنى أن أقدم خلال الفترة القادمة الدويتو الغنائى «معانا ريـال» لفيروز وأنور وجدى، كما أننى أرغب فى تقديم أغانى الشيخ إمام مع الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، وأرى أن سبب حرصى على إضفاء حالة فكاهية أثناء تواجدى مع الفرقة على المسرح مبعثه أن الغناء من دون روح يتحول إلى كائن ميت.