في خضمّ التحولات العاصفة التي تعيشها المنطقة، برزت من جديد إشكالية الجماعات الأيديولوجية العابرة للحدود، تلك التي لم تستطع حسم موقعها من الدولة الوطنية ولا تحديد علاقتها الحقيقية بمفهوم السيادة والوئام المجتمعي. فهذه الجماعات، التي نشأت على خطاب شمولي يتجاوز الجغرافيا السياسية ويقدّم “الأمة المتخيلة” على الواقع الوطني، تجد نفسها اليوم أمام امتحان تاريخي يكشف تناقضاتها الفكرية والسياسية، ويضع مشروعها كله موضع مساءلة.
لقد أفرزت الأحداث الأخيرة مشهداً شديد التعقيد داخل بعض تيارات الإسلام السياسي، حيث ظهرت انقسامات حادة حول قضايا جوهرية تتعلق بالتحالفات الإقليمية ومفهوم العدو والصديق وحدود العمل السياسي. فبينما يتجه تيار إلى الاصطفاف مع مشاريع إقليمية غير عربية تحت شعارات المقاومة أو موازنة النفوذ الدولي، يتبنى تيار آخر خطاباً عقدياً متشدداً يذهب إلى أقصى درجات القطيعة والتخوين. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في الاجتهاد أو التقدير السياسي، بل يكشف أزمة بنيوية في المرجعية نفسها، حيث لم تُبنَ هذه الحركات على تصور واضح للعلاقة بين الدعوي والسياسي، ولا على فقه متماسك يوازن بين مقتضيات العقيدة ومتطلبات الدولة.
ومن هنا تتولد ظاهرة يمكن تسميتها بـ“تسييل الولاءات”، حيث يصبح الانتماء التنظيمي أو الأيديولوجي مقدماً على الانتماء الوطني، وتتحول المواقف السياسية إلى رهينة لحسابات المحاور الدولية والإقليمية. في مثل هذا السياق، لا يعود مستغرباً أن تصدر عن التنظيم الواحد مواقف متناقضة تجاه القضية نفسها، أو أن تُستخدم لغة دينية حادة لتبرير تحالفات براغماتية تتغير بتغير موازين القوة. إن هذه الازدواجية، التي تبدو في ظاهرها تناقضاً، تعكس في حقيقتها مأزقاً أعمق يتمثل في العجز عن الانتقال من خطاب التعبئة إلى منطق الدولة، ومن ثقافة الجماعة إلى ثقافة المواطنة.
وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية في أكثر من بلد عربي أن الجماعات التي لم تتصالح مع فكرة الدولة الوطنية سرعان ما تتحول إلى لاعب سياسي موازٍ ينازعها الشرعية والقرار. فحين يخرج السلاح من يد الدولة أو تتشكل قوى عسكرية خارج مؤسساتها الرسمية، تتفكك السيادة تدريجياً ويُفتح الباب أمام التدخلات الخارجية والصراعات بالوكالة. إن الدولة الحديثة، مهما كانت نقائصها، تظل الإطار الوحيد القادر على تنظيم التعددية وضبط استخدام القوة وتحقيق قدر من الاستقرار الضروري للتنمية.
ولا يقل خطورة عن ذلك الخطاب الشعبوي الذي يسعى إلى تعبئة الرأي العام عبر صناعة انتصارات وهمية أو تضخيم خسائر الخصوم، في محاولة لإدامة حالة الاستقطاب أو تغذية الأمل الزائف. فالتاريخ العربي الحديث يقدّم دروساً قاسية حول نتائج تضليل الجماهير، إذ لا يمكن لأي خطاب تعبوي أن يصمد طويلاً أمام وقائع الميدان. إن الواقعية السياسية ليست ضعفاً، بل شرطاً من شروط حماية المجتمعات من صدمات أكبر حين تنكشف الحقائق.
وفي هذا الإطار، يبرز توظيف القضايا العادلة ـ وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ـ بوصفه أحد أبرز مظاهر التناقض في خطاب الجماعات العابرة للحدود. فبدلاً من أن تكون هذه القضية عامل توحيد وتضامن بين الشعوب والدول، تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة في الصراعات الإقليمية أو ذريعة لبناء نفوذ عسكري خارج إطار الدولة. إن الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لا يتعارض مع حماية سيادة الدول العربية واستقرارها، بل إن بناء دول قوية ومتماسكة هو الضمانة الحقيقية لأي دعم فاعل ومستدام لهذه الحقوق.
كما يثير الجدل حول التحالفات الدفاعية أو وجود قواعد عسكرية أجنبية في بعض الدول العربية سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة النظام الدولي المعاصر. فالدول، في ظل بيئة أمنية معقدة، تلجأ إلى ترتيبات متعددة لتعزيز قدراتها الدفاعية، وهو خيار سيادي يخضع لتقدير المصالح الوطنية لا لاعتبارات الخطاب الشعبوي أو المزايدات الأيديولوجية. إن السيادة اليوم لا تعني الانعزال، بل تعني القدرة على اتخاذ القرار بحرية وبما يخدم أمن الدولة واستقرارها.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه الجماعات العابرة للحدود تكمن في عجزها عن إعادة قراءة تجربتها التاريخية في ضوء تحولات الدولة والمجتمع. فهي ما تزال أسيرة تصور يرى السياسة امتداداً للدعوة، ويرى التنظيم بديلاً عن المؤسسة، ويرى الولاء للأفكار مقدماً على الولاء للأوطان. وفي هذا المأزق تتولد مظاهر الازدواجية التي تُفقد هذه الجماعات ثقة قطاعات واسعة من المجتمعات، وتدفعها إلى إعادة طرح السؤال حول جدوى المشروع الأيديولوجي نفسه.
إن المنطقة اليوم في حاجة إلى انتقال فكري وسياسي يضع الدولة الوطنية في قلب المعادلة، بوصفها الإطار الجامع الذي يمكن من خلاله إدارة التعددية وتحقيق التنمية وبناء شراكات إقليمية متوازنة. فالوئام الوطني لا يتحقق بالشعارات العابرة للحدود، بل بترسيخ ثقافة المواطنة واحترام القانون وتعزيز مؤسسات الدولة. ويبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع الحركات ذات الطابع الأممي أن تتجاوز إرثها التنظيمي وتتصالح مع منطق الدولة الواقعية؟ أم أن استمرارها في الدوران داخل دوائر الأيديولوجيا سيُبقي المنطقة رهينة صراعات لا تنتهي؟