تمتلك العامية المصرية الكثير من المفردات.. التى قد تستطيع أن تصل إلى المعنى.. بأسرع مما تصل إليه مترادفاتها من اللغة الفصيحة.. ومن هذه المفردات كلمة «البجاحة».. وهى صفة يتصف بها المجرم أو المدان أو المخطئ.. الذى يصعّر خده للناس.. من دون أن يشعر بأى خجل أو تأنيب للضمير أو حتى ذرة ندم.. ومثل هذه الصفحة الذميمة.. تنطبق تماما على التصريحات الساذجة و«العبيطة».. التى أصدرتها المتحدثة باسم جيش الاحتلال.. ضد المسلسل المصرى «صحاب الأرض».. والذى يُعرض على كثير من القنوات التليفزيونية..
منذ بداية شهر رمضان الكريم.. حيث تأتى تلك التصريحات لتنطبق عليها الحكمة القديمة (إذا لم تستحِ فقل ما شئت).. فهذا المسلسل رغم تفوق كل عناصره من تأليف وإخراج وتمثيل.. إلا أنه أقل كثيراً من الحقيقة.. التى شاهدها العالم على مدى عامين كاملين على الهواء مباشرة.. من إبادة جماعية وتطهير عرقى.. وتدمير كل شيء وأى شيء.. واستهداف بغيض للمدنيين العزل من الأطفال والنساء والشيوخ.. وكل تلك الجرائم معروضة منذ عدة أشهر أمام المحكمة الجنائية الدولية.. لأنها جرائم ضد الإنسانية، وإذا كان اليهود قد نجحوا فى فرض سرديتهم حول (الهولوكست).. وعملوا على تضخيم ما فعله هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية.. ليظهروا أمام العالم فى صورة الضحية.. رغم أن تلك الحرب قد نتج عنها 60 مليون قتيل.. ورغم ذلك فإن الآلة الإعلامية الصهيونية الجبارة.. الموجودة فى غالبية دول العالم.. لم تستطع إخفاء أو تخفيف.. ما هو أفظع آلاف المرات من (الهولوكست).. والذى مارسته آلة الحرب الصهيونية.. ضد الفلسطينيين العزل على مدى عامين كاملين.. ويأتى مسلسل “صحاب الأرض”.. ليجتهد بإخلاص فى تقديم عمل درامى توثيقى.. يهدف إلى فضح وتجريس.. الجرائم والانتهاكات. التى ارتكبها جيش الاحتلال.. كما يسعى المسلسل إلى إبراز التضحيات الفلسطينية.. وقدرة هذا الشعب العظيم على الصمود.. كما يهدف مسلسل “صحاب الأرض” إلى إبراز الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية والتصدى بقوة وحسم لمخططات التهجير.. التى كانت تهدف إلى تفريغ القضية من مضمونها.
وقد نجح مؤلف المسلسل الكاتب عمار صبرى.. فى إبراز كل تبعات المعاناة الإنسانية الرهيبة.. التى عاشها الفلسطينيون فى غزة.. الترهيب.. والتجويع.. والقتل.. واستهداف القطاع الصحى.. وتدمير أماكن العبادة، والأهم أن تلك المعاناة القاسية.. لم تكسر صمود ومقاومة الفلسطيني.. وكأن تلك المقاومة قدر محفور على خلاياه.. كما نجح المخرج بيتر ميمى فى تقديم رؤية فنية وكأنها الواقع تماما.. من خلال المزج بين الرؤى الدرامية.. والأفكار الوثائقية.. كما نجح فى استثمار عشرات الساعات من المواد الفيلمية الوثائقية.. التى تمكنت العديد من وسائل الإعلام العربية والعالمية.. من تصويرها وتقديمها إلى مشاهديها فى كل بقاع العالم.. كما استطاع بيتر ميمى قيادة فريق العمل المصرى الفلسطينى بكل سلاسة.. مستثمرا الخبرات الكبيرة التى اكتسبها من إخراج الأعمال الوطنية خلال السنوات الماضية.
أما فريق العمل فى المسلسل.. فقد وصلت الفنانة منة شلبى إلى مرحلة من النضج الفني.. تجعلها تقف راسخة فى مقدمة نجمات الدراما التليفزيونية والسينمائية.. حيث استطاعت أن تنقل للمشاهد كل المشاعر النبيلة والمؤلمة.. التى تحملها تلك الطبيبة المصرية الشابة (سلمى).. التى صممت على مساعدة أشقائها الفلسطينيين.. من دون أن تضع أى اعتبارات للمخاطر التى يمكن أن تهدد حياتها.
كما استثمر الفنان إياد نصار مخزونه الثقافى والإنسانى كونه ينتمى إلى جذور أردنية فلسطينية.. لينقل إلى المشاهدين كل مشاعر الألم والحزن والصمود والمقاومة، وبرز أيضا الفنان عصام السقا فى دور السائق المصرى.. الذى يعمل فى نقل المعونات المصرية عبر معبر رفح.
أما كتيبة الفنانين الفلسطينيين الذين شاركوا بالتمثيل فى هذا المسلسل المهم.. فكانوا يؤدون بطبيعية مذهلة.. وهذا شيء متوقع.. فإما أنهم قد عاشوا أو عايشوا وقائع ذلك العدوان البربرى.. وإما أنهم قد سمعوا من الأهل وتابعوا لحظة بلحظة.. ذلك العدوان الهجمى الذى استمر لمدة عامين كاملين.
ويؤكد مسلسل “صحاب الأرض”.. على الدور الفاعل والمهم الذى يمكن أن تقوم به القوة الناعمة.. وتمتلك مصر ريادة غير مسبوقة فى استثمار كل مفردات القوة الناعمة (الأغنية - الفيلم- المسلسل.. الخ).. وعندما تتصدى مصر لإنتاج هذا المسلسل الرائع.. فإنها تؤكد على دورها القومى والعروبى والإنسانى.. كما تؤكد على أن القضية الفلسطينية موجودة دوما على قمة اهتمامات الدولة المصرية سياسياً وفكرياً وثقافياً.. وقد أحسن صناع مسلسل “صحاب الأرض”.. عندما أضافوا الترجمة باللغة الإنجليزية أسفل الشاشة.. وهذه الخطوة المهمة نرى أنها مجرد بداية.. فالمطلوب ترجمة هذا المسلسل إلى كل لغات العالم.. مع السعى بكل القوة لعرضه فى غالبية دول العالم.. وخاصة دول الغرب وعلى رأسها أمريكا.. وعلى صناع هذا المسلسل.. العمل على تقطيع الأحداث إلى مشاهد صغيرة ومؤثرة ومنتقاة بعناية.. وبثها على كل منصات السوشيال ميديا فى كل دول العالم.. ووضعها على المواقع الخاصة بالحكومات والمؤسسات الدولية.. حيث يستطيع مسلسل “صحاب الأرض” أن يتحول إلى وثيقة إدانة إنسانية.. تمتلك من التأثير ربما أكثر من غيرها من الوثائق.. وذلك لأنها تقدم الألم والوجع الفلسطينى من قريب.. وتقدم همجية وبربرية الاحتلال بوضوح وجلاء.
ونعود إلى بجاحة المحتل.. حيث وصفت المتحدثة باسم جيش الاحتلال مسلسل “صحاب الأرض” بأنه (تزوير للتاريخ).. وهذا الكلام يخرج من البجاحة إلى أوصاف من الصعب كتابتها.. خاصة وأن هذا الكيان المحتل يمتلك سجلا شائنا ومتخما فى احتراف التزوير.. فكل سردياته عن الهولوكست- معاداة السامية.. أرض الميعاد- شعب بلا أرض وأرض بلا شعب.. إلخ، كلها سرديات ملفقة ومزورة.. وعلينا فقط أن نذكرهم بالكتاب المهم للفيلسوف الفرنسى روجيه جارودى (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل).. فهذا الكتاب يفضح العشرات من أكاذيب الصهيونية، تلك الأكاذيب التى تمثل أعمدة بناء هذا الكيان.. الذى حتما سيزول.. ويأتى مسلسل “صحاب الأرض”.. ليمثل أيقونة درامية فى رمضان الكريم.. وليؤكد على قرب زوال هذا الكيان البغيض.