رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لغز «وحوى يا وحوى إياحة»


26-2-2026 | 15:45

.

طباعة
بقلم: أحمد النبوى

شهر رمضان وجمال ذكريات شهر رمضان لا تنتهى، وتحتاج إلى مجلدات للكتابة عنها، فمنْ منا لم يمسك الفانوس فى الشارع مع الأصدقاء ونغنى:

وحوى يا وحوى إياحة.. روحت يا شعبان إياحة.. وحوينا الدار جيت يا رمضان.. وحوى يا وحوى

لا أعتقد أنه يوجد أحد من أبناء جيلى ومنْ يسبقنا لم يكن يملك فانوس رمضان؛ سواء كان النحاس وكان فيها شمعة، وكان كل واحد منا يمتلك علبة كبريت أو مشط كبريت من بتاع زمان من أجل لو الشمعة انطفت يولعها تانى، وكان أغلبنا عندنا علب شمع تكون موجودة فى البيوت، وهذا طبعا قبل التطور الغريب الذى حصل فى أشكال وأحجام الفوانيس والتكنولوجيا التى جعلتها بالبطاريات ثم بأغانى رمضان، حتى أصبحت بأغانٍ ليس لها أى علاقة برمضان.

 

 

المهم باختلاف شرائح المجتمع زمان كان الفانوس شيئا مقدسا وكنا نلعب به مع بعض سواء فى البيت أو الشارع، وكنا كلنا نغنى أغنية واحدة وهى وحوى يا وحوى، وهذه الأغنية رمز للعب الأطفال بالفوانيس فى رمضان، الأغنية غناها المطرب أحمد عبدالقادر، كلمات حسين حلمى المانسترلى وألحان الموسيقار محمود الشريف، وكانت أول مرة تذاع فى الراديو سنة 1935، ورغم مرور 91 عاما إلا أن الكثير منا لا يعرف معنى كلمات (وحوى يا وحوى إياحة) التى ظللنا نرددها طوال عمرنا، وللعلم هناك اختلاف على معنى الكلمة وهناك ثلاثة أقاويل:

الأول يقول إن أصلها المصريون القدماء، لأن كلمة إياحة جاءت من اسم الملكة (إياح حتب) زوجة الملك سقنن.

والبعض الثانى يقول إنها تعود للعصر الفاطمى؛ لأنها تتشابه مع كلمات أغنية تراثية يقول مطلعها:

أحوى.. أحوى.. إياها.. بنت السلطان.. إياها.. لابسة القفطان.. إياها

وهناك رأى ثالث يقول إن عبارة «وحوى يا وحوى إياحة» أصلها يرجع إلى اللغة القبطية وترجمتها بأن الهلال قد عاد.

ورغم أنى لست خبيرا باللغة، ولكنى أميل إلى المعنى أن أصلها المصريون القدماء خاصة عندما نتعرف على قصتها، فالملكة إياح حتب زوجة الملك سقنن رع الذى حكم البلاد فى أواخر القرن الـ18 قبل الميلاد، والتى احتلها الهكسوس، فالملكة قامت بتحريض زوجها لرفع راية العصيان فى وجه الغزاة لكنه مات، واستكمل ابنها الأكبر كاموس مشوار أبيه ولكنه مات أيضا، وجاء ابنها الثانى أحمس الأول وانتصر وطرد الهكسوس وحقق الاستقلال. ويُقال إنه بعد هذا الانتصار الكبير خرج المصريون فى استقبال الملكة حاملين المشاعل ويغنون (وحوى يا وحوى إياحة) ومعنى كلمة إياح: قمر وحتب معناها: الزمان، فيكون معنى اسم الملكة إياح حتب يساوى قمر الزمان، وكانوا ينادونها إياحة يعنى قمره، أما كلمة وحوى الفرعونية فمعناها: فرحى يا فرحى قمر تقديرا للتضحيات الكبيرة للملكة إياحة التى قدمتها فداء للوطن.

وأعتقد أن هذا المعنى هو الأقرب للصحة، وحتى لو نعرف المعنى الحقيقى سنظل نغنى وحوى يا وحوى دليلا على السعادة والفرحة بقدوم شهر رمضان، كما غناها المطرب أحمد عبد القادر، الذى ولد بمحافظة كفر الشيخ سنة 1916 وانتقل مع عائلته إلى القاهرة، وذلك لظروف عمل والده وفى القاهرة تدرب على قراءة القرآن والتواشيح والغناء.

وفى يوم 26 ديسمبر سنة 1929 جاءت له فرصة العمر بالغناء أمام الملك فؤاد الأول فى حفل افتتاح معهد الموسيقى الشرقية ليعجب به ويمنحه هدية قيّمة، وكانت الحفلة فاتحة خير عليه، وفى سن العشرين كانت له أغانٍ كثيرة وشهيرة تذاع بالإذاعات الأهلية بشكل مستمر وتعلق الجمهور بها، وذلك حتى افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934م، وكان من أوائل منْ غنوا بها وظل يطور من نفسه وأداءه حتى أصبح من أشهر عازفى العود، وحصل على دبلوم الموسيقى؛ ليتم تعيينه مدرس موسيقى بوزارة المعارف.

وهذا النجاح شجع الموسيقار الكبير رياض السنباطى للتعاون معه بعمل أغنيتين لذهاب وعودة الحجاج، وقد لقيتا نجاحا كبيرا فى هذا التوقيت، ثم حقق نجاحاً كبيراً بغنائه لملحنين آخرين مثل زكريا أحمد ومحمد القصبجي.

أما المفاجأة بالنسبة لى أن أحمد عبد القادر كان أول مطرب يغنى من شعر نزار قباني، وكانت قصيدة «كيف كان»، وبعد ذلك اتجه إلى التلحين وقدم لنا أصواتا عظيمة فيما بعد، فهو أول منْ قدم هدى سلطان، كما قام بالتلحين لنجوم الإذاعة المصرية مثل نجاة الصغيرة وحورية حسن ومحمد رشدى ومحمد قنديل ومحمد عبد المطلب وشفيق جلال وسعاد محمد وفايدة كامل، وألف أحمد عبد القادر كتاباً عن العزف على العود حمل اسم عاشق العود.

بعد ذلك اتجه إلى قراءة القرآن الكريم والابتهالات، وعُين مبتهلا لمسجد الحسين، واحتفظ بصداقة قوية مع الشيخ محمود خليل الحصرى، وقام بتدريب الشيخ سيد النقشبندى على المقامات الموسيقية.

وتوفى المطرب أحمد عبدالقادر عام 1984، وظلت أغنيته الشهيرة وحوى يا وحوى جزءا لا يتجزأ من الفلكور المصرى، والتى تم طرحها بعد ذلك بطرق مختلفة وبكلمات مختلفة، ولكن دائما يتم المحافظة على (وحوى يا وحوى إياحة).

فمثلا عام 53 ظهرت أغنية جديدة بنفس الاسم تم تقديمها فى فيلم «قلبى على ولدي» من إخراج هنرى بركات، قصة يوسف عيسى، بطولة كمال الشناوي، زكى رستم، والطفلة الصغيرة هيام يونس، التى نجحت فى غناء أغنية رمضان وحوى يا وحوى بشكل لافت للنظر من ألحان أحمد صبرى وكلمات فتحى قورة، وكان جزء منها يقول:

«بابا جابلى فانوس أحمر وأخضر.. م السنة للسنة عمال يكبر.. وأنا جاية بغنى وبتمخطر على قولة وحوى يا وحوي.. إياااحة».

ولم تكن تلك التجربة الوحيدة لإعادة غناء وحوى يا وحوى بشكل جديد، ففرقة الثلاثى المرح غنتها أيضا وقالوا «وحوى يا وحوى إيوحا.. وكمان وحوى إيوحا.. ياقمر طالع بفانوس والع.. إنت حبيبى إملالى جيبى سكر أحمر وزبيب».

وبعد سنوات طويلة فاجأنا الفنان الجميل الملك محمد منير بأغنيته «وحوى يا وحوى مرحب رمضان.. رمضان جنة من الرحمن.. شمعة بتكبر إيوحا فى فانوس أخضر» من ألحان وليد سعد، وكلمات الشاعر نبيل خلف، وهنا لا أجد معنى أحلى للختام إلا ما غناه الملك منير عندما قال: فرحان من قلبى زى زمان.. وحوى يا وحوى مرحب رمضان.

    كلمات البحث
  • شهر
  • رمضان
  • ذكريات
  • الفانوس
  • وحوى

أخبار الساعة

الاكثر قراءة