في إطار محور «جيل يكتب العالم بطريقته»، التي تقوم على تنسيقه الروائية المصرية نورا ناجي، نظم الصالون الثقافي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب – بلازا 2 – ندوة بعنوان «الكتابة الجديدة بين الحرية والتجريب»، ناقشت تحولات الكتابة المعاصرة وأسئلتها الجمالية والفكرية، في ظل تغيّر العالم واتساع دوائر التعبير.
المشاركون في الندوة.. أربعة من الأصوات الأدبية العربية، يمثلون تجارب متنوعة جغرافيًا وفنيًا
شارك في الندوة أربعة من الأصوات الأدبية العربية، يمثلون تجارب متنوعة جغرافيًا وفنيًا، وأدار الحوار الكاتب مصطفى الطيب، الذي استهل اللقاء بالتأكيد على أن الكتابة الجديدة لم تعد محكومة بنمط واحد أو شكل ثابت، بل صارت مساحة مفتوحة للاختبار، وإعادة النظر في العلاقة بين الكاتب والعالم.
الحرية بوصفها شرطًا إبداعيًا
أعطى الطيب الكلمة للروائي العراقي أزهر جرجيس، عضو نادي القلم الدولي، وصاحب روايات «تلنوم في حقل الكرز»، و«حجر السعادة»، و«وادي الفراشات»، التي حظيت بحضور لافت في القوائم الطويلة والقصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
تحدث جرجيس عن تجربته في العيش خارج الوطن العربي، مؤكدًا أن حرية التعبير تشكّل حجر الأساس لأي كتابة حقيقية، وأن غيابها يحوّل الكاتب إلى كائن محاصر داخل تابوهات جاهزة. وأوضح أن الحرية لا تعني الفوضى، بل تعني امتلاك الشجاعة لقول ما لا يُقال، أو ما لا يرغب الآخرون في سماعه.
وأشار إلى تأثير الورش الأدبية على تطور تجربته، وإلى أن نصوصه ما زالت مشدودة إلى موطنه الأول، بما يحمله من تحولات وأوجاع وأسئلة مفتوحة.
المدينة بوصفها تحديًا سرديًا
وفي مداخلة لافتة، تحدثت الكاتبة الإماراتية صالحة عبيد عن علاقتها بالمدينة والكتابة، مؤكدة أنها لم تغادر وطنها، لكنها ظلت تكتب من مسافة واعية، وأوضحت أن مدن الخليج الحديثة تتطور بسرعة تفوق قدرتها على إنتاج ذاكرة تراكمية، وهو ما يفرض تحديًا خاصًا على الكاتب.
وأضافت أنها لم تسعَ إلى كتابة تشبه محيطها المباشر، بل إلى مخاطبة قارئ أوسع، مشيرة إلى تأثرها بالمدن الروائية الكبرى المليئة بالتفاصيل. وكشفت أنها احتاجت إلى ثلاث مجموعات قصصية لتدرك أنها لم تكن ترى مدينتها جيدًا، معتبرة أن هذا الاكتشاف أعاد تشكيل وعيها السردي، ودفعها إلى كسر القوالب الكلاسيكية في الكتابة.
الكتابة قيمة لا استهلاك
والروائية والصحفية البحرينية ليلى المطوع، فتوقفت عند تجربتها مع رواية «قلبي ليس للبيع»، موضحة أن النجاح الجماهيري لم يكن حافزًا لتكرار التجربة، بل دافعًا لإعادة التفكير في معنى الكتابة ذاتها.
وأكدت المطوع أنها رفضت الكتابة السهلة السريعة، وسعت إلى نص يحمل قيمة حقيقية ويعكس رحلة بحث عن أسئلتها الخاصة. وتحدثت عن حضور المكان في أعمالها، وعن علاقتها بالبحر والبحرين بوصفهما عنصرين مشكّلين للخيال واللغة، معتبرة أن خصوصية الجزر تمنح الكتابة حسًا مختلفًا، وتجعلها أقرب إلى السير على الماء، لا على اليابسة الثابتة.
الألم والكتابة كفعل تحرر
وتحدثت الكاتبة التونسية فائقة قنقالي عن انتقالها من الرواية إلى المجموعة القصصية رغم نجاح عملها الأول، معتبرة أن المغامرة جزء أصيل من فعل الكتابة.
تناولت قنقالي مجموعتها «مجرد ألم»، التي رصدت عبر قصص قصيرة مكثفة معاناة الأنثى في سياقات اجتماعية وثقافية متعددة، مشيرة إلى أن الألم حين يستمر يصبح مألوفًا رغم فداحته. وأوضحت أن نصوصها لا تتحدث عن امرأة بعينها، بل عن الأنثى بوصفها كيانًا إنسانيًا يُعاد إنتاج ألمه في كل مكان.
الكاتبة التونسية فائقة قنقالي : كل نص جديد يخلق وعيًا جديدًا، وأن الكتابة بالنسبة لها ليست سوى محاولة دائمة للطيران خارج القيود
وتحدثت عن تجربتها في الكتابة لليافعين، مؤكدة أن كل نص جديد يخلق وعيًا جديدًا، وأن الكتابة بالنسبة لها ليست سوى محاولة دائمة للطيران خارج القيود.
وفي ختام اللقاء، أكد الكاتب مصطفى الطيب أن ما جمع هذه التجارب المختلفة هو الإيمان بالكتابة بوصفها فعل حرية قبل أن تكون منتجًا أدبيًا، قائلًا: «هذه الأصوات التي استمعنا إليها اليوم لا تبحث عن شكل واحد للكتابة، ولا عن وصفة جاهزة للنجاح، بل تكتب من مناطق القلق والسؤال والمغامرة.الكتابة الجديدة، كما رأينا، ليست قطيعة مع الماضي، لكنها إعادة اكتشاف للعالم بلغات أكثر جرأة، ووعي أعمق بالإنسان، وبحقه في أن يحكي تجربته كما يراها، لا كما يُطلب منه أن يراها».