رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أرقام قياسية وحضور جماهيرى غير مسبوق على شرف أديب نوبل.. المصريون يحتفلون بـــ«معرض الكتاب»


29-1-2026 | 14:00

.

طباعة
تقرير: أشرف الثعلبي

فى القاهرة يحتفل العالم بالإبداع، حيث يجتمع فى معرض القاهرة الدولى للكتاب أكثر من 1457 دار نشر من 83 دولة، بمشاركة أكثر من 6600 عارض.. ومن هنا لا ينظر إلى المعرض على أنه مجرد حدث سنوى للكتاب، بل يمكن اعتباره منصة عربية وعالمية تجمع بين الفكر والتبادل المعرفى، فهو الأكبر عربيًا من حيث الزائرين والعارضين والإصدارات، ويخلق تجربة ثقافية متكاملة إذ يضم البرنامج الثقافى والفكرى نحو 400 فعالية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، ما يعكس اهتمام الدولة والمجتمع بالمعرفة ونشر الوعى.

 
 

وتشير أرقام الزائرين اليومية إلى أن المعرض يستقطب ما يزيد عن 300 ألف زائر فى أيام العمل، وما بين 500 ألف و700 ألف زائر فى أيام العطلات، وهى ليست مجرد إحصائيات، بل دليل على القوة الناعمة للثقافة المصرية وأن المصريين يقرأون، ولديهم وعى بأهمية الكتاب ودوره فى تكوين الفكر، وهذا يؤكد أن المعرض ليس مجرد مكان لبيع الكتب، بل مساحة للحوار والتواصل بين المبدع والقارئ.

الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء عندما افتتح المعرض الأسبوع الماضى، أشاد بالتطور المُستمر الذى تشهده الدورات المتعاقبة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب خلال الأعوام الماضية، فى ظل رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى للمعرض؛ مثمنًا تزايد أعداد الدول المشاركة، وتنوع العارضين، واتساع مساحات العرض، مؤكدًا أن هذا التطور يرسخ الدور التنويرى لهذا الحدث الثقافى البارز على الأجندتين العربية والإقليمية، ويتوج اهتمام الدولة المصرية بتعزيز مجالات الفكر والثقافة، باعتبارها أحد أبرز أدوات قوتها الناعمة وتأثيرها الحضارى، وبوصف مصر منارةً ثقافية لا يخفت بريقها.

بينما أوضح الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، أن هذه الدورة تُعد الأكبر فى تاريخ معرض القاهرة الدولى للكتاب من حيث حجم المشاركة، وتنوع الفعاليات، وثراء المحتوى الثقافى والفكرى، مشيرًا إلى أن دورة هذا العام تشهد احتفاءً خاصًا بالحضارة المصرية العريقة وتاريخها فى هوية المعرض وبرنامجه الثقافى؛ بالنظر لكونها تأتى عقب الافتتاح التاريخى للمتحف المصرى الكبير، الذى جذب أنظار العالم أجمع.

وأكد «هنو»، أن هذا الإقبال الكبير يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب بوصفه أهم محفل ثقافى تستضيفه القاهرة، وأحد أبرز التظاهرات الثقافية على مستوى المنطقة، مشيرًا إلى أن الأرقام الكبيرة للزوار تدلل على مدى اهتمام الجمهور المصرى بالثقافة والمعرفة.

أيضًا لفت الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، إلى أن التنظيم المحكم وتنوع الفعاليات والأنشطة الثقافية المصاحبة قد نجحا فى خلق حالة حيوية داخل أروقة المعرض، موضحًا أن الإقبال الملحوظ يعكس وعيًا متناميًا لدى الأسرة المصرية والعربية بقيمة الكتاب ودوره فى تشكيل الوعى الجمعى، مؤكدًا أن المعرض يواصل أداء رسالته فى دعم صناعة النشر وتشجيع القراءة، بما يتماشى مع توجهات الدولة المصرية نحو بناء الإنسان والاستثمار فى الثقافة كأحد أعمدة الجمهورية الجديدة.

مكتبة لكل بيت

تصدرت مبادرة «مكتبة لكل بيت» قائمة المبادرات فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، حيث حظت بإقبال جماهيرى واسع منذ اليوم الأول للافتتاح، تضم المبادرة 1000 عنوان موزعة على 50 حقيبة ثقافية متنوعة تُطرح بأسعار رمزية، فى إطار توجه الدولة نحو دعم القراءة ونشر الثقافة على أوسع نطاق، وإتاحة الفرصة للزوار من مختلف المحافظات لاقتناء الكتب بسهولة ويسر.

وتوفر المبادرة «حقيبة ثقافية» تضم 20 كتابًا بسعر رمزى 100 جنيه، مقسمة بعناية إلى أربعة أنواع لتلبية اهتمامات جميع أفراد الأسرة: حقيبة الكبار وتضم أمهات الكتب والإصدارات التراثية والفكرية، وحقيبة الشباب تتماشى مع اهتمامات الجيل الجديد، وحقيبة الطفل تهدف إلى تنمية خيال الصغار وتشجيعهم على القراءة، وحقيبة الدوريات والتى تضم 10 أعداد متنوعة من مجلات ودوريات الهيئة العامة للكتاب.

وفى إطار الاحتفاء بـ«أديب نوبل» نجيب محفوظ كشخصية هذه الدورة، تم طرح حقيبة أديبنا الكبير نجيب محفوظ التى تضم 15 إصدارًا نقديًا وفنيًا، لتكون مرجعًا شاملًا للباحثين والمهتمين بأعماله، متاحة بسعر زهيد داخل الجناح المخفّض.

وسجل جناح الهيئة المصرية العامة للكتاب إقبالًا جماهيريًا واسعًا منذ افتتاح المعرض، وسط حرص الزوار على اقتناء الإصدارات الحديثة والمتنوعة بأسعار رمزية وتخفيض يصل إلى 20 فى المائة، ما جعل صالة 6 من أكثر القاعات ازدحامًا داخل المعرض، إذ توافد إليها الزوار من مختلف الأعمار بحثًا عن العناوين المميزة بأسعار فى متناول الجميع، مؤكدين أن المبادرة تتيح لهم إثراء مكتباتهم الشخصية دون أعباء مالية.

كما تشارك هيئة قصور الثقافة بجناحها الأكثر ازدحامًا فى المعرض بكتب قيمة للغاية وبأسعار زهيدة جدًا، تصل بعضها إلى جنيه واحد، إضافة الى مشاركتها هذا العام بأكثر من 130 عنوانًا جديدًا ضمن سلاسل متنوعة تشمل: الذخائر، حكاية مصر، ذاكرة الكتابة، السينما، الفلسفة، الدراسات الشعبية، الهوية، آفاق الفن التشكيلى، آفاق عالمية، كتابات نقدية، نصوص مسرحية، والعبور، إضافة إلى الأعمال الإبداعية فى القصة والشعر والرواية بسلسلتى «أصوات أدبية» و»إبداعات»، فضلًا عن كتب ومجلات الأطفال وإصدارات النشر الإقليمى، ما يعكس توسع قاعدة القراء وثراء المحتوى الثقافى الذى يقدمه المعرض للجمهور.

إلى جانب برنامج هيئة قصور الثقافة الذى يقدم أكثر من 35 عرضًا فنيًا مجانيًا بمشاركة فرق الموسيقى العربية والفنون الشعبية من مختلف المحافظات فى المساحات المخصصة للفعاليات.

حقوق النشر

فى نقلة نوعية تهدف إلى تعزيز ريادة مصر الثقافية، شهدت الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولى للكتاب تدشين «مركز تبادل حقوق النشر»، وهو أول منصة مصرية متخصصة تهدف إلى تحويل المعرض من مجرد تظاهرة لبيع الكتب إلى ملتقى دولى لإبرام صفقات الترجمة والنشر بين الشرق والغرب.

وقالت نيفين التهامى، عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين وعضو لجنة البرنامج المهنى، إن فكرة المركز جاءت لسد فجوة مهنية فى المعرض، الذى يُعد الثانى عالميًا والأكبر فى الشرق الأوسط. وقالت: «كان من غير المتصور أن يفتقر معرض بحجم القاهرة إلى مركز متخصص لتبادل الحقوق، لذا قررنا تحويل برنامج (كايرو كولينج) إلى كيان مؤسسى مستقل يخدم صناعة النشر بشكل مباشر.

ونجح المركز فى استقطاب نحو 50 ناشرًا من دول كبرى، مثل إنجلترا، الولايات المتحدة، دول شرق آسيا وماليزيا، فيما شهدت الانطلاقة التجريبية التى استمرت ثلاثة أيام اجتماعات ثنائية مكثفة تهدف إلى التعارف والتفاوض المباشر حول صفقات الترجمة، التى تتبلور لاحقًا فى عقود رسمية.

ويعد المركز منصة احترافية تهدف إلى تنظيم عمليات بيع وشراء حقوق النشر والترجمة، وربط الناشرين والوكلاء الأدبيين من مصر والعالم فى فضاء مهنى واحد، كما يسهم البرنامج فى دعم حركة الترجمة وتدويل المنتج الثقافى المصرى والعربى، عبر فتح قنوات تواصل فعّالة مع دور النشر العالمية، والاطلاع على أحدث الاتجاهات فى صناعة الكتاب، ما يجعل معرض القاهرة الدولى للكتاب سوقًا متكاملة لحقوق النشر، تعكس مكانة مصر الثقافية وتدعم اقتصاديات النشر بوصفها أحد محركات القوة الناعمة.

وفى سابقة تاريخية منذ أكثر من عشرين عامًا، اجتمع ممثلو الاتحاد الدولى للناشرين، والاتحاد العربى، واتحاد الناشرين المصريين على منصة واحدة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب لمناقشة تحديات صناعة النشر فى عصر التحولات الكبرى، وتناولت الندوة قضايا مثل القرصنة، التحول الرقمى، حقوق الملكية الفكرية، واستدامة صناعة الكتاب، مع التركيز على الربط بين المشهد العالمى والإقليمى والمحلى، وأكد المشاركون أن صناعة النشر العربية تواجه صعوبات، لكنها ما زالت تحتضن قاعدة قراء متوسعة، خاصة بين الشباب.
أطلس 
الفخار

وفى إطار حرص الدولة على حماية هويتها وتراثها من الاندثار شهد معرض القاهرة الدولى للكتاب حفل تدشين إصدار «أطلس الفخار» ضمن سلسلة الأطالس المصرية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، فى خطوة مهمة لحماية التراث الشعبى المصرى وتعزيز الهوية الثقافية الوطنية، وصدر الأطلس بعد 15 عامًا من البحث الميدانى والدراسة الأكاديمية الرصينة، ليقدم محتوى مرجعيًا دقيقًا يخدم الباحثين والمهتمين بالتراث داخل مصر وخارجها.

الدكتور «هنو» أوضح أن حرفة الفخار لا تُعد مجرد نشاط إنتاجى تقليدى، بل تحمل أبعادًا إنسانية وجمالية ومعرفية عميقة، تعكس العلاقة الوثيقة بين الإنسان المصرى وبيئته وتاريخه، مؤكّدًا أن الأطلس يسهم فى صون الذاكرة الشعبية وتعزيز حضور التراث المصرى فى المحافل الدولية ودعم تسجيله على قوائم اليونسكو.

يضم الأطلس ثلاثة أبواب رئيسة: الأول عن عناصر الحرفة من خامات وأدوات ومراحل تصنيع، والثانى يركّز على المنتجات واستخداماتها، والثالث يتناول التسويق والعادات والمعتقدات المرتبطة بالحرفة، بالإضافة إلى قراءة ثقافية ولغوية متكاملة تشمل التعبيرات الشعبية والأمثال والأغانى المستلهمة من الفخار.

وأضاف اللواء خالداللبان، مساعد وزير الثقافة لشئون رئاسة الهيئة، أن الإصدار يمثل نموذجًا للعمل الجماعى المنظم، الذى يربط بين الجهد الميدانى والتحليل العلمى، ويعكس وعيًا بقيمة التراث كركيزة أساسية للهوية الثقافية الوطنية، مشيدًا بالباحثين والمشاركين فى إعداد الأطلس ودورهم فى إثراء المعرفة الثقافية.

بينما تفاعل جمهور المعرض بشكل واسع مع فعاليات مخيم «أهلنا وناسنا»، الذى يقدم تجربة حية للتعرف على العادات والتقاليد والموروث الثقافى المصرى.. وعن هذا المخيم أشاد الدكتور خالد أبوالليل، القائم بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب، بالتجهيزات التى تضم ملابس تراثية، نماذج حية للفنون الشعبية والحرف التقليدية، والعادات الأصيلة، مؤكدًا أن المخيم يعكس تنوع وثراء الهوية المصرية ويعزز الوعى بقيمة التراث.

وأوضح الدكتور مسعود شومان، صاحب فكرة الخيمة التراثية، أن المخيم يتيح لقاء مباشرًا بين أصحاب التراث الأصليين والزوار، مع التركيز على إبراز جغرافيا مصر الثقافية، وربط الحرف التقليدية بالفلكلور مثل السيرة الهلالية، إضافة إلى أنشطة متنوعة تشمل الأفلام التراثية، ورش العمل، والتصوير بالأزياء التقليدية، بمشاركة باحثين ومتخصصين.

شخصية المعرض

كما برز الأديب نجيب محفوظ كبطل للدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، ليس فقط لشهرته العالمية، بل باعتباره مؤسسًا للرواية العربية الحديثة.. وشهد المعرض سلسلة من الندوات والفعاليات التى احتفت بشخصيته وأعماله، مثل ندوة المشروع الوطنى للقراءة التى ركزت على مسابقة أغلفة رواياته بمشاركة شباب فنانين، مستعرضة أثر محفوظ فى تكوين الوعى الإبداعى والمعرفى، كما تناولت ندوة «جماليات المكان» عبقرية تصويره للقاهرة والمدن المصرية، حيث حول المدينة إلى شخصية حية ضمن رواياته.

وفى محور النقد قدمت ندوات عن دور إدوار الخراط فى قراءة أعمال محفوظ ونقدها بجرأة، بينما ناقشت فعاليات أخرى مثل «أثر روتين الكتابة» الانضباط اليومى للأديب وأثره على الإنتاج المستمر، بالإضافة إلى ذلك، استعرضت ندوة مناقشة كتاب الدكتور محمدالباز «أيام الألم.. كيف قتلنا نجيب محفوظ» الأحداث الإنسانية والتاريخية فى حياته، بما فى ذلك محاولة اغتياله، فى قراءة استقصائية دقيقة، وبهذه الفعاليات وغيرها الكثير حتى ختام المعرض، ظهر محفوظ كبطل ليس فقط لرواياته، بل كشخصية متكاملة تمثل تاريخ مصر وروحها.

وكما تصدر اسم نجيب محفوظ المعرض، فى المقبل ظهر جناح الطفل فى معرض القاهرة الدولى للكتاب كمنصة ثقافية تجمع بين الترفيه والتثقيف، حيث قدم للأطفال ألعابًا ذهنية، بجانب لقاءات أدبية، ومناقشة إصدارات شعرية وروايات مصورة.. ورافق هذه الفعاليات سلسلة من الندوات المتخصصة، التى تناولت حياة «محيى الدين اللباد» شخصية معرض الطفل، وأبرزها ندوة «فى محبة محيى الدين اللباد» التى تناولت مسيرة اللباد الفنية والثقافية، كما استعرضت الندوة مسار اللباد الإبداعى منذ بداياته فى الرسوم والصحافة ومجلات الأطفال مثل «كروان» و«سندباد»، مع شهادات من زملائه ومساعديه التى أبرزت رؤيته التربوية والفنية، وكيف جعل الكتاب أداة توعية وبناءة.