«صبر.. إدراك.. وذكاء».. ثلاثية يمكن القول إنها تحكم «المفاوض المصرى» فى كل مرة يجلس فيها إلى «طاولة التفاوض»، فالحروب تبدأ دائمًا من داخل الغرف المغلقة، وتضع أوزارها فى الغرف ذاتها، وما ساحات المعارك إلا «فاصل قصير» لساعات طويلة من الشد والجذب تكون الغلبة فى نهايتها لـ«القوى.. صاحب الحق»، وهنا يمكن القياس بما شهدته الأشهر الماضية من مفاوضات وجلسات سرية واجتماعات مغلقة عنوانها «إيقاف العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة».
لم تدخل القاهرة المفاوضات من باب «الجار الأقرب»، أو بوابة «المتضرر الأكبر من استمرار العدوان»، وإن كان يحق لها هذا وذاك، بل كانت القيادة السياسية المصرية واضحة وحازمة من اللحظة الأولى للحرب، بل ومنذ سنوات قبلها، بأن «فلسطين.. قضية مصر الأولى»، لهذا لم يكن هناك يوم اتفاق «فلسطينى _ إسرائيلي» أو حتى «فلسطينى _ فلسطينى» دون أن تكون لمصر «الضمانة» و«القول الفصل»، ليس بحثًا عن موضع قدم لها على خريطة «الأزمات الإقليمية»، ولكن تنفيذًا لـ«أحكام القدر» بأن تكون «الشقيقة الكبرى» هى المدافع الأول عن قضايا العرب.
الأيام القليلة الماضية، شهدت انفراجًا جديدًا فى أزمة «القطاع المنكوب»، فحركة «حماس» أحرقت ورقة «تل أبيب» التى ظلت تلوح بها مبررة رفضها الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق «سلام غزة»، بعدما قدمت معلومات أسهمت فى عودة رفات الجندى الإسرائيلى الأخير لتضع حكومة «نتنياهو» أمام حل وحيد وهو «المرحلة الثانية واجبة التنفيذ»، وهو ما بدأ يتحقق على أرض الواقع، وإن كانت «حماس» لم تفوت الفرصة لإعادة مطالبة الدول «الضامنة» للاتفاق بالضغط على إسرائيل لإيقاف خروقاتها اليومية للاتفاق، والعودة إلى «طريق الحل» والابتعاد عن مسار «تعقيد وتصعيد الأمور».
وفى هذا الإطار، تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى احتفالية الذكرى الـ74 لعيد الشرطة عن هذه الجهود، ودور «المفاوض المصرى» وقال: تواصل مصر أداء دورها الإقليمى والدولى التاريخى، ثابتة على مبادئها الراسخة برفض العنف، والدعوة إلى السلام، والتمسك بسياسة البناء والرخاء، ورفض الاستيلاء على مقدرات الآخرين، ويأتى «اتفاق شرم الشيخ» لوقف إطلاق النار فى قطاع غزة، شاهدًا حيًا على الجهود والمساعى، التى تبذلها مصر إلى جانب شركائها، من أجل إرساء السلام والاستقرار، وأؤكد هنا؛ أننا ندفع بكل قوة، نحو التنفيذ الكامل للاتفاق، وإجهاض أى محاولات للالتفاف عليه.
الإشادة بـ«المفاوض المصرى» كذلك جاءت من الشخصية الأبرز عالميًا فى وقتنا حاليًا على «موائد التفاوض»، وهو المبعوث الأمريكى، ستيف ويتكوف، الذى لم يستطع إخفاء إعجابه بفريق «مفاوضات غزة»، حيث صرح أثناء لقاء الرئيس السيسى فى أكتوبر الماضى، قائلاً: «لديكم فريق مذهل.. لولا قيادتكم ومهارات فريقكم الفريدة، لما كنا استطعنا تحقيق الكثير. لقد أثبتوا كفاءة استثنائية فى اللحظات الحاسمة»، مشيرًا إلى دور رئيس المخابرات العامة، السيد الوزير حسن رشاد: «ربما لن تسجل كتب التاريخ تفاصيل ما جرى، ولكن بدونكم سيدى لم نكن لنصل إلى هذه النتيجة».