رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العالم يتجه لتحديد «سن الرشد الرقمى»


29-1-2026 | 13:56

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم

«سن الرشد الرقمى» مصطلح جديد ظهر بشدة بعد ارتفاع المطالب العالمية بوجود تشريعات لحظر تعامل الأطفال دون سن 15 عامًا مع منصات التواصل الاجتماعى، وجه قبيح يتمثل فى كثافة الاستخدام تمثل عبئًا صحيًا وذهنيًا للطفل، ووجه ثانٍ أكثر قبحًا يتمثل فى مضامين ضارة تجمع بين العنف والتنمر والمضامين الإباحية والتحديات المؤذية ومضامين طمس الهوية الوطنية والدينية فتحديات رقمية يجب التصدى لها بقوة بين تشريعات رادعة تطبق غرامات مالية على المنصات التى تتيح تعامل الأطفال فيها، وبين مراقبة الوالدين والمدارس لطبيعة وطريقة تعامل الأطفال مع الأدوات الرقمية، وبُعد ثالث له علاقة بثقافة التربية الإعلامية الرقمية، وكيف يمكن تنشئة أطفال يجيدون الاستخدام الجيد للمنصات الرقمية الترفيهية.

 

 

الدكتور محمد ممدوح، أستاذ مساعد تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى، بجامعة النيل، قال: تعامل الأطفال مع العالم الرقمى منذ الصغر من سن 2 إلى 3 سنوات أمام الهواتف الذكية يتسبب فى إصابتهم بأمراض جديدة نفسية كأمراض التوحد بأشكاله المختلفة، كما أثبتت الأبحاث العلمية خلال العشر سنوات الماضية.

وأرجع «ممدوح» ذلك إلى الموجات الكهرومغناطيسية التى تخترق أجساد الأطفال وعقلهم نتيجة استخدامهم المكثف للهواتف الذكية، وهو ما ينعكس فى موجات الغضب والعصبية فى حالة الحرمان المؤقت، وقلة فى التركيز والتشتت، وتحول الطفل كمستقبل وهو أمر ضدّ طبيعة الطفل، فلا بد أن يكون هناك تفاعل بين الطفل وبين ما يحيط بيه من أجل التعلم واكتساب المهارات الجديدة.

وبيّن أن الاستمرارية وكثافة التعرض للمنصات والألعاب الإلكترونية والجلوس ساعات طويلة أمام مقاطع الفيديوهات الصغيرة؛ حولت الطفل لكائن مستقبل فقط، محمّل بقدر فوق المكثف من المعلومات والمحتوى المرئى، لمحتوى غير مفيد، بل إنه قد يكون ضارا ومحمّلا بقيم وسلوكيات عدوانية، والطفل متلقٍّ سلبى لهذا المضمون، دون تفاعل أو تحرك أو حديث، وبالتالى تحدث حالة توحد للطفل، يتوقف عن التفاعل ويُصاب بتشتت ذهنى وصعوبة فى الإدراك.

كثافة الاستخدام وتأثيرها على الوضع الصحى والذهنى والحركى للطفل ليس الوجه الأوحد القبيح لاستخدام الطفل لمنصات التواصل الاجتماعى، حسبما أوضح أستاذ مساعد تكنولوجيا المعلومات بجامعة النيل، الوجه الآخر الأكثر قبحًا لهذه المنصات هو المحتوى المقدم هذه المنصات، فالأمر هنا لا يتوقف عن معدلات التعرض الكثيفة، ولكن المحتوى غير اللائق المحمّل بقيم وأخلاقيات وسلوكيات جديدة على المجتمعات، تسببت فى نشأة جيل محمّل بسلوكيات وأخلاقيات مغايرة تمامًا.

وضرب «ممدوح»، مثالًا للمحتوى الضار كالمحتوى العنيف، والمضامين الجنسية، وسلوكيات التنمر، ومضامين طمس الهوية الدينية والثقافية والوطنية، والتحديات المؤذية التى تعرض حياة الأطفال للخطر، وهى جميعا أشكال عنف مرفوضة فى كافة المجتمعات على مستوى العالم، ورغم ذلك لا يمكن التحكم فى هذه المضامين، وتحديدًا المقاطع المرئية القصيرة.

كما نوه عن المحتوى الأكثر خطورة على الأطفال وهى المحتويات التى تتضمن رسائل خفية التى تدخل العقل اللاوعى للطفل وتقوم ببرمجته، ومساعدة الخوارزميات على تكثيف تعرض الطفل لهذه المحتويات على فترات طويلة وبأشكال متنوعة وجاذبة، وبالتالى تكون لها تأثيرات سلبية فى تشكيل البنية العقلية والفكرية والثقافية للطفل، تنعكس على المخاطر الاجتماعية وارتفاع معدلات الجرائم، وانتزاع الولاء والانتماء للمجتمع والهوية الوطنية، كما فى حادثة المفزعة للطفل قاتل زميله، فى تقليد محتوى مرئى يُذاع ويُعرض ويشاهده الجميع.

وعن التجارب العالمية الأشهر فى تشريعات حماية الطفل من منصات التواصل الاجتماعى، قال «ممدوح»: إن أستراليا وضعت قانون الأطفال أقل من 16 عامًا يمنع وجود حسابات شخصية لهم على منصات التواصل الاجتماعى، وهنا تتضمن «فيسبوك» و«إنستجرام» و«سناب شات»، أما «تيك توك» فهى منصة محجوبة، موضحًا أنه تم التغلب على هذا الأمر بفرض غرامات على الشركات، فلو تم العثور على حساب وتبين أنه لشخص فى فئة عمرية أقل من 15 سنة؛ يتم فرض غرامة مالية على إدارة منصة التواصل الاجتماعى.

وهنا حسبما قال «د. ممدوح»، ففرض الغرامة على المنصات من أجل أن تتبنى هذه المنصات وسائل لضبط مستخدميها، عبر التعرف على فئاتهم العمرية بشكل دقيق وعدم السماح ما هم دون السن من استخدام المنصات، وضرب مثالاً بما يستخدمه موقع فاليو، الذى يطلب من المستخدم تقديم لقطات صور لنفسه وتحميلها لإدارة المنصة للتأكد من هوية المستخدم المقدمة، فمنصات التواصل الاجتماعى يلزم إجبارها بوسيلة للتعرف الشخصى من أجل التأكد من هوية مستخدميها وفئاتهم العمرية.

كما أكد أنه رغم إمكانية استخدام هذه المنصات لهذه الوسائل التكنولوجية فى التعرف على الهوية العمرية لمستخدمى المنصات، فإنه لا يتم استخدمها، ولكن مع التحركات العالمية لإصدار تشريعات محددة للفئات العمرية للمستخدمين يمكن أن يمثل ورقة ضغط لتبنى هذه المنصات هذه التكنولوجيا.

وأشار إلى أن قيام أستراليا بتحديد وضبط منصات التواصل الاجتماعى، لكنها تركت الواتساب من أجل التواصل مع الأطفال، وكذلك المنصات التعليمية، فالتجربة قائمة على معاقبة شركات السوشيال ميديا التى تسمح بوجود أطفال دون سن 18، وليس على الأطفال أو الآباء والأمهات.

وعن التجربة البريطانية فى التعامل مع الأطفال ومنصات السوشيال ميديا، أوضح محمد ممدوح أن «المملكة البريطانية تبنت نفس التوجه بتحميل المسئولية لإدارات منصات التواصل الاجتماعى فى حالة وجود مستخدمين دون الفئة العمرية المحددة لهم، وإن تميزت بريطانيا برفضها للمحتوى الضار، عبر إجبار الشركات القائمة على هذه المنصات على حذف المحتوى الضار للأطفال عبر منصاتهم، كالمحتوى المتضمن ممارسات عنف وتنمر وتحرش».

وعن منصة «تيك توك»، قال «ممدوح»: منصة «تيك توك» فى الأساس محجوبة فى الولايات المتحدة وإنجلترا ومعظم الدول الأوروبية، وذلك لأغراض أمنية وليس لها علاقة بالأطفال، لأن المنصة تقوم بعمليات تجسس، لأنها من أكثر تطبيقات السوشيال ميديا التى تجمع معلومات عن مستخدميها، وبالتالى يعتبره نوعا من أنواع التجسس.

وطرح «ممدوح» التجربة الفرنسية فيتم منع استخدام الموبايل للأطفال دون سن 15 عامًا فى المدارس، لكن فى الوقت ذاته مسموح التعليم عن بُعد واستخدام المنصات التعليمية فى كافة القوانين التى تم تشريعها لحماية الطفل من وسائل التواصل الاجتماعى، والأمر الثانى الذى طبقه القانون الفرنسى أن إنشاء حساب للطفل أقل من 15 عامًا فى السوشيال ميديا يلزمه موافقة الوالدين، ومرتبط بحساب الوالدين حتى تكون هناك مراقبة للوالدين على حساب الطفل، وفى الوقت ذاته يتم تقسيم المنصة جزء للأطفال وآخر للكبار من أجل الاستخدام.

وفى الولايات المتحدة الأمريكية الأمر ليس مختلفًا، كما قال «ممدوح»، فهناك قوانين لكل ولاية على حدة فى تعامل الأطفال مع منصات التواصل الاجتماعى للأطفال، ورغم اختلاف القوانين حسب كل ولاية، لكن اتفق الجميع على وجود تشريعات لضبط تعامل الأطفال مع السوشيال ميديا، وتتنوع ما بين التشريع الأسترالى والبريطانى الذى يعطى غرامة على المنصات فى حالة وجود لحسابات لأطفال دون سن 18 عامًا، وما بين حذف المحتوى الضار كالقانون البريطانى، وبين منع استخدام الأطفال لأجهزة الهواتف الذكية حتى سن 15، وإلزامية إنشاء حساب بموافقة ومراقبة الوالدين على أن يحدد الفئة العمرية للحساب كما فى القانون الفرنسى.

وحول إمكانية الاستفادة المصرية من التجارب العالمية، قال: الفكرة العامة واحدة فى أغلب التشريعات الأمريكية والأوروبية، أولها تحديد سنّ رشد رقمى بعدها يتم سماح للفرد إنشاء حساب على المنصات الإلكترونية والتعامل بحرية مع العالم الرقمى بأكمله، وسن الرشد الرقمى تنوع ما بين 15 وحتى 18 عامًا، دون ذلك يكون التعامل معهم بأمر مختلف، أولها عدم استخدم الطفل حتى سن 15 للهواتف الذكية وتحديدًا فى المدارس، على أن يتم السماح باستخدام أجهزة الكمبيوتر للتواصل مع المنصات التعليمية المختلفة والاستفادة من تجارب عن بُعد واكتساب مهارات التكنولوجية والذكاء الاصطناعى المفيدة للطفل.

كما لفت إلى أن «الأمر فى التشريعات يقتصر على منصات التواصل الاجتماعى، لهذا يُسمح بتطبيق الواتساب للأطفال للتواصل مع ذويهم، أما المنصات فيتم منعها، وهنا ظهرت مسارات متعددة يمكن للدولة المصرية أن تختار الأيسر لها»، مشيرًا إلى الحظر الشامل لعدم استخدام الأطفال المنصات التواصل الاجتماعى بفرض غرامات مالية على الشركات فى حالة إثبات وجود أطفال دون سن الـ15 على هذه المنصات، وهنا تلزم مراقبة الوالدين لأن المخرج الوحيد لاستخدام الطفل للمنصة سيكون عبر حسابات أحد الوالدين، أو إنشاء حساب بفئة عمرية مزيّفة، وهنا تُغرم الشركة الخاصة بالمنصة فى حالة الكشف عن هذه الحسابات.

واختتم «ممدوح» حديثه، قائلًا: جزء كبير من الأمر توعوى، وأن أولياء الأمور ليس عليهم استسهال ترك الهواتف الذكية للأطفال وجلوسهم بالساعات على منصات التواصل الاجتماعى، وأن التوعية للآباء والأبناء للاستخدام الأمثل للبيئة الرقمية للاستفادة من وجهها الجيد وبعد وجهها القبيح.

بدوره، قال إيهاب سعيد، عضو مجلس إدارة غرفة القاهرة التجارية، رئيس الشعبة العامة للاتصالات: التشريعات الرادعة لحماية الأطفال من منصات التواصل الاجتماعى أمر مُلح بشكل كبير، بعد الجرائم غير المألوفة التى لم يعتَد عليها المجتمع المصرى، على أن تترجم هذه التشريعات عبر ممارسات محددة كيفية ضبط أداء الاستخدام، وتحديدًا بعد كثافة استخدام هذه المنصات من قِبل صغار السن، من الشباب والأطفال، فالتحكم فى الاستخدام فى حاجة إلى مناقشات واسعة تجمع بين خبراء تكنولوجيا الاتصال وبين الهيئات الحكومية وأولياء الأمور والطلاب للتعرف والأجهزة البحثية والرقابية للاتفاق على طرق جيدة للتعامل التشريعى حتى يمكننا تطبيقها بشكل عملى وإحداث الأثر المطلوب فى حماية أطفالنا.

وأوضح أن «الضبط التشريعى تلزمه حملات توعوية للأطفال والآباء لرصد الممارسات السلبية والأضرار الناتجة من الاستخدام المكثف للأطفال لهذه المنصات، وهنا ليس لإثارة الرعب ولكن حتى ينتبه الآباء ويلتزموا دون تهاون فى صرامة رفض استخدام أطفالهم لهذه المنصات».

«سعيد» شدد على أن «حظر السوشيال ميديا للأطفال لا يعنى عزل الطفل عن البيئة الرقمية، ولكن تقديمها فى إطارها النافع، فيمكن للطفل استخدام أجهزة الكمبيوتر واستخدام المنصات العلمية، والمواقع والدوريات الإلكترونية، وحتى يمكنه استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى لكن عليه فى الوقت ذاته امتلاك ثقافة التربية الإعلامية الرقمية وكيفية استخدامه لها بشكل مفيد وليس ضارًا».

ونوه بأن «قطاع الاتصالات المصرى شهد طفرة فى الجانب التشريعى وهو ما ظهر بوجود لجنة للاتصالات فى الفصل التشريعى الأول والثانى، وكانت محصلته عددا مهما من التشريعات، وخلال هذا الفصل التشريعى إذا نجح مجلس النواب فى الانتهاء من تشريع لحظر استخدام الأطفال لمنصات التواصل سيمثل نقلة مهمة وسدًا لفجوة تشريعية فى مجال الاتصالات، استعدادًا لبناء دولة رقمية».

 
 
 
    كلمات البحث
  • سن
  • الرشد
  • الرقمى
  • تشريعات
  • حظر