كجزء من خطته لإعادة الإعمار واستقرار قطاع غزة بعد الحرب، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إنشاء مجلس السلام الدولى على هامش المنتدى الاقتصادى العالمى السنوى دافوس 2026.
بينما وافق عدد من قادة الدول على الانضمام إلى المجلس، رفض قادة آخرون على رأسهم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون قائلا إن فرنسا لا يمكنها تلبية الطلب فى هذه المرحلة، أما وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، فقد قالت إن بريطانيا لن تشارك بمراسم التوقيع.
وما إن جرى الإعلان عن مجلس السلام حتى واجه انتقادات واسعة من المجتمع الدولى؛ إذ تم اتهام الرئيس الأمريكى بمحاولة استغلال أزمة غزة لإنشاء نظام عالمى جديد يقوِّض عمل منظمة الأمم المتحدة، خاصة أن المجلس الذى كان يهدف فى الأصل إلى الإشراف على إعادة إعمار غزة، لا يبدو ميثاقه أنه يحصر دوره فى القطاع، بل يسعى لحل النزاعات حول العالم، إذ تصف مسودة الميثاق المجلس بأنه «منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانونى، وضمان تحقيق سلام دائم فى المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع»، ويصبح المجلس رسميا بمجرد موافقة 3 دول أعضاء على الميثاق.
وفى تصريحه، قال «ترامب» إنه «بمجرد الانتهاء من تشكيل هذا المجلس بالكامل، سنتمكن من فعل أى شيء تقريبًا نريد فعله، وسنفعل ذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة»، مضيفًا أن «المنظمة الدولية لديها إمكانات كبيرة لم تُستغل بالكامل». بالإضافة إلى ذلك، نصت وثيقة مجلس السلام المؤلف من ثمانى صفحات على «النهج والمؤسسات التى فشلت مرارا»، فى إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، ودعت الوثيقة إلى التحلى بـ«الشجاعة» من أجل «الابتعاد عنها»، كما شددت على «الحاجة إلى منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفاعلية».
ويأتى ذلك بعدما «كانت إدارة «ترامب»، قد خفضت بالفعل تمويل الولايات المتحدة للأمم المتحدة، فيما حالت استخدامات الفيتو الأمريكى دون تحرك مجلس الأمن لإنهاء الحرب فى غزة».
وبما أن «ترامب»، سيتولى أول رئاسة لهذا المجلس، يخشى منتقدوه أن «ترامب»، نفسه ستكون له السيطرة على الأموال، وهو أمر من غير المرجح أن تقبل به معظم الدول المحتمل انضمامها، وفق ما ذكرته «بلومبيرج»، نقلا عن مصادر تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها، فيما رجحت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، أن يسبب انضمام رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، إلى مجلس السلام موجة غضب، ولا سيما بين الدول العربية.
وبينما وافق عدد من قادة الدول على الانضمام إلى المجلس، رفض قادة آخرون على رأسهم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون قائلا إن فرنسا لا يمكنها تلبية الطلب فى هذه المرحلة، أما وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، فقد قالت إن بريطانيا لن تشارك بمراسم التوقيع، وبينما أعلن ترامب، موافقة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين على الانضمام لم تحدد الصين موقفها بعد؛ حيث قال متحدث باسم الخارجية الصينية إن بكين تلقت دعوة من الجانب الأمريكى.
فى تعليقه لـ«المصور»، أوضح الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والدولية، أنه «من الطبيعى أن تُرحب روسيا، على لسان الرئيس بوتين، بدعوة موسكو لعضوية مجلس السلام الذى دعا إليه ترامب. فروسيا لم توافق على الدعوة، لكنها لم ترفضها أيضًا، وكلف الرئيس بوتين، وزارة الخارجية الروسية بإجراء المشاورات الضرورية مع الدول الشريكة والصديقة قبل اتخاذ قراره النهائي».
وأكد «أديب»، أنه عمليًا، وجدت موسكو نفسها فى موقف حرج؛ لأنها لا تريد إغضاب الرئيس ترامب، الذى قوّض عمليًا الموقف الغربى حيال الحرب مع أوكرانيا، وساهم فى تخفيف الضغوط العسكرية والسياسية والاستخباراتية عن روسيا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن موسكو ليست تابعًا كى توافق عمليًا على تشكيل منظمة دولية جديدة تحمل اسم «مجلس السلام»، وهى تدرك أن أطماع الإدارة الأمريكية بدأت تتكشف، وهى ترمى فى نهاية المطاف إلى خلق بدائل تقودها واشنطن عن منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى. وهذا بلا شك منحى خطير، لأن المجلس المقترح لا يقتصر نشاطه على قطاع غزة، ولا حتى على القضية الفلسطينية برمتها، بل يتحدث عن نشاط دولى، ويشعر الخبراء الروس أن واشنطن، التى قامت بغزو فنزويلا، وتهدد كوبا وكولومبيا وإيران وغيرها من الدول، وتريد الاستيلاء على جزيرة جرينلاند، تسعى إلى الحصول على غطاء دولى لبدء حرب استعمارية جديدة، تستند أساسًا إلى القوة والابتزاز الاقتصادى، من أجل تفكيك منظومة العلاقات الدولية التى ارتسمت بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة رسم جغرافيا سياسية فى العالم تطول أغلبية الدول التى لا تستطيع الدفاع عن نفسها فى وجه الهيمنة الأمريكية الكاملة.
وأشار «أديب»، إلى الحنكة الروسية بإعلان بوتين، الاستعداد لتخصيص مبلغ مليار دولار لإعادة الإعمار فى قطاع غزة، بشرط أن يتم اقتطاع هذا المبلغ من الأصول الروسية المجمدة فى البنوك الأمريكية - أى أنه أوصل رسالة مفادها أن موسكو مستعدة للوفاء بأى التزام مالى تجاه قطاع غزة، حتى من دون الانضمام إلى مجلس السلام - وفى الوقت نفسه، تريد روسيا أن تُحدث شرخًا فى جدار محاصرة الأصول المالية العائدة لها فى البنوك الغربية، والتى تُقدَّر بحوالى 360 مليار دولار. واستثمر الرئيس بوتين لقاءه مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس، ومع المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف، ومستشار الرئاسة جاريد كوشنر، للإعلان عن هذا العرض، الذى لاقى عمليًا ترحيبًا من قبل الرئيس ترامب.
وفى حديثه عن الموقف الروسى، أكد بسام البنى، المحلل السياسى السورى، المتخصص فى العلاقات الدولية والسياسات الإقليمية فى الشئون الروسية، أن «روسيا دائمًا وأبدًا مع القضية الفلسطينية، وقد ساهمت بالفعل بمليار دولار بمجلس السلام، ولكننى لا أعتقد أن بوتين سيمثل روسيا فى هذا المجلس لأنه يعد تجاوزًا للأمم المتحدة، ولكن ربما يكون هناك ممثلون عن روسيا من الدرجة الثانية أو الثالثة، كما أن موقف موسكو من دعوة ترامب، يتسم بالانفتاح الحذر ووضع الشروط، وليس القبول المباشر كما ادعى ترامب، فى البداية».
وأضاف «البني»، أن موسكو بالفعل نفت ما صرح به ترامب، بأن «بوتين» قبِل الدعوة، وأكد أن الدعوة قيد الدراسة، وأن روسيا ستستشير شركاءها الاستراتيجيين قبل الرد رسميًا.
واتفق الدكتور عباس حبيش، نائب رئيس المركز الثقافى الروسى العربى، على ما أوضحه المحللون بالشأن الروسى، بأنه تاريخيًا تعد موسكو من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية، وأنه بغض النظر عن موافقة روسيا للانضمام إلى «مجلس السلام» بقيادة ترامب، أم لا، فإنها ستظل داعمًا للقضية الفلسطينية ولن تتأخر عن دعمها للشعب الفلسطينى والمشاركة فى إعادة الإعمار خاصة أن «روسيا» ترى أن عالما متعدد الأقطاب لا يمكن أن يتوج عليه ملك واحد.
وفى تعقيبه على موقف موسكو، كشف شريف جاد، الأمين العام لجمعية الصداقة «المصرية - الروسية»، أن الرد الروسى جاء من منطلق أنه لا يجوز تجاهل أى مبادرة للسلام، على اعتبار أن روسيا دولة لها دور محورى بحل النزاعات الدولية، ولكن وفقًا لما صرح به عدد من المسئولين الروس ووسائل الإعلام الروسية، فإن موسكو لن ترحب بأى بديل للأمم المتحدة، أو أن يصبح «مجلس ترامب» نظاما عالميا جديدا لحل النزاعات الدولية، ومن المدهش أن ترامب، يسعى عن طريق هذا النظام الجديد للقب جديد وهو «رئيس العالم»، ويطرح السؤال نفسه هنا.. هل يحلم ترامب بأن يصبح رئيس العالم؟!، حتى تلك الفكرة بجمع مليار دولار من الدول المشاركة لم توضح آلية التعامل فى الأمور المالية بين الدول.
وأضاف «جاد»، أن هناك العديد من الأمور الغائبة لم يتم توضيحها، فمن أبرز الأسئلة التى طرحت بوسائل الإعلام الروسية، هل سينتهى هذا المجلس بخروج ترامب، من البيت الأبيض، أم أنه وسيلة للهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمى. وقال «جاد»: أنا أرى أن العالم يشهد فترة فريدة وسلبية بسبب كمّ المشاكل والنزاعات التى ظهرت مؤخرًا بسبب سياسات ترامب العنيفة، وأتمنى أن تتحد دول العالم لمجابهة هذه السياسات.
وأما عن موقف الصين من مجلس السلام الخاص بترامب، فأوضح عضو مجلس الإدارة للجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط نادر رونغ هوان، أن «بكين لم تتعهد بالانضمام لهذا المجلس، فيما أكدت على أنه لابد من حماية نظام عالمى متعدد الأطراف وكذلك دعم دور الأمم المتحدة بحل النزاعات الدولية والإقليمية وكذلك دعم نظام دولى محوره الأمم المتحدة والقانون الدولي».
وأضاف «هوان»، قائلًا: «مهما كانت الأجواء الدولية والتغيرات، فالصين ستدعم بثبات النظام الدولى والمعايير الدولية القائمين على ميثاق الأمم المتحدة»، مشيرًا إلى أن بكين بالفعل تتوخى الحذر حول قرار انضمامها للمجلس، قائلًا «فى رأيى، لا أعتقد أن الصين سوف تشارك فى مجلس السلام الخاص بترامب، ولكن لا نستبعد قرارا استثنائيا عند زيارة ترامب إلى الصين فى أبريل المقبل».