رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انطلق بتوجيهات رئاسية منذ 10 سنوات.. إصلاح المؤسسات بـ«عمق ورفق»


29-1-2026 | 13:49

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

صباح السبت الماضى، جرى الاحتفال الرسمى بعيد الشرطة فى مقر أكاديمية الشرطة، فى القاهرة الجديدة، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى وكبار رجال الدولة، وتحدث الرئيس عن شهداء الوطن والظروف القاسية التى مرت بها مصر، وكان يُراد إسقاط الدولة وتفتيت المجتمع، لكن بجهود مؤسسات الدولة وتضحيات أبناء مصر أمكن لنا مواجهة التحدى.. صحيح فقدنا أبناء أعزاء.. شهداء عند ربهم، وتحمّل ذووهم الفقد بصبر وثبات وإيمان.

 

حين نطالع الاحتفال سنويا، ونجد الرئيس يكرّم أسر الشهداء، أطفال صغار فقدوا العائل، زوجات ترمّلن فى عزّ الشباب، آباء وأمهات فقدوا فلذات الأكباد، وهم رغم ذلك يشعرون بالفخر، لأن الشهيد افتدى وطنًا بأكمله، وحمى أبناء الشعب من غوائل الإرهاب والمجرمين.

لم يقصّر أبناء مصر من رجال الشرطة، حتى فى مواجهة المحتل البريطانى، فكانت ملحمة رجال البوليس فى الإسماعيلية يوم 25 يناير 1952، حين قضى الإنذار البريطانى بإخلاء موقعهم وتسليم مبنى المحافظة لقوات الاحتلال البريطانى، واجهوا بأسلحتهم الخفيفة قوات الجيش البريطانى بدباباتها ومدرعاتها، تاريخ مجيد وموقف وطنى يستحق الفخر والاحتفاء، لذا صار عيدًا سنويًا للشرطة، يحرص الرئيس على حضوره ويوجه كلمة إلى الشعب.

قضايا عدة تعرض لها الرئيس فى كلمته، ومن بينها ما توقف عنده حول المؤسسات.. مؤسسات الدولة، كانت الكلمات واضحة وصريحة، لا تحتمل أى لبس، طالب الرئيس بإصلاح وتطوير المؤسسات.. وهنا لا بد من استدراك بسيط، قد يفهم البعض أن المطالبة بالإصلاح تعنى أن الفساد عشش داخل المؤسسات، وهذا ليس هو المعنى المقصود، حالات الفساد تتعقبها أجهزة وهيئات كاملة، بدءًا من الجهاز المركزى للمحاسبات والرقابة الإدارية والنيابة الإدارية، فضلا عن مباحث الأموال العامة وغيرها، سواء كان الفساد إداريا أو سلوكيا أو ماليا، هذه مسألة منتهية، ومعروف أولها من آخرها، لا تستّر على فساد ولا حماية لمَن يعجز عن القيام بدوره، العديد من وقائع الفساد التى تُكشف باستمرار تؤكد هذا المعنى.

الإصلاح والتطوير الذى أشار إليه الرئيس بوضوح تام، يوم السبت الماضى، وسبق أن تناوله من قبل فى مناسبات عدة، يهدف إلى استكمال عملية التطوير الإدارى نحو مزيد من الشفافية وسرعة تقديم الخدمات وجودة الأداء للحصول على نتائج أفضل، بما يعزز مسألة التنمية المستدامة وصيانة حقوق المواطن، بهذا المعنى فإن الإصلاح المؤسسى عملية مستمرة ومتواصلة، وليست مجرد هبّة فى لحظة معينة أو هوجة، يقصد بها إزاحة قيادة بعينها واستبدالها بقيادة أخرى على رأس المؤسسة، ولا الإطاحة بأحد بعينه لحساب آخر، باختصار ليست الألاعيب الإدارية ولا عمليات التنافس والتزاحم هى الهدف هنا، ولا ذلك هو المقصود، وإلا جرت تغييرات فى كل مؤسسة، كل سنة أو كل عدة شهور، وهذا إذا حدث فهو ليس دليل إصلاح ولا يمكن أن يؤدى إليه، بل قد يعجل بالانهيار، ولا يجب أن يفهم أحد أن المقصود تأبيد أسماء بعينها فى مواقعها، وغنى عن القول أن هناك منذ سنوات عمليات إصلاح تتم فى معظم القطاعات، خاصة الخدمية أو الإنتاجية، وثمة نتائج ملموسة فى تلك القطاعات، لكن هذا ليس نهاية المطاف، فى ظل التحديات التكنولوجية ومخاطر الذكاء الاصطناعى التى تحاصر الإنسان، وكذا المؤسسات فى كل مكان. الإصلاح الذى يطالب به الرئيس السيسى، حدد فى كلمته، معالمه ومَن يقوم به على النحو التالى؛ هو إصلاح داخلى، أى يبدأ من داخل المؤسسة، يقوم به المسئولون عنها، والبداية ما أطلق عليه الرئيس «النقد الذاتى الأمين».

والحق أننا عرفنا مفهوم النقد الذاتى فيما يخص الأفراد أولا، أى أن يقوم كل فرد، بعد موقف ما أو مرحلة معينة بمراجعة نفسه، وممارسة النقد الذاتى، بشجاعة أدبية وأمانة مع النفس، لكن النقد الذاتى لا يتعلق بالفرد فى حياته الشخصية أو العامة فقط، بل يتعلق كذلك بالمسئول فى موقعه، نقدًا ذاتيًا لأدائه لدوره، ومدى الإضافة التى قدمها لموقعه وحاجة المؤسسة أو الهيئة التى يعمل بها إلى إصلاح وتطوير. وخاطب الرئيس بوضوح كل مسئول فى موقعه أنه لم يتم اختياره للموقع كى يقضى «وقتا سعيدا»، بل عليه واجب تجاه الهيئة أو المؤسسة التى يقوم عليها، يقول الرئيس بالحرف: «مؤسسة لازم تطورها وتحسنها وتزود شفافيتها وشرفها وأمانها وكفاءتها وجدارتها».

وبهذا المعنى الذى طرحه الرئيس، فإن الموقع أو المنصب الذى يشغله أى إنسان، ليس منحة لأحد ولا هو مكافأة نهاية خدمة كما يردد البعض، ولا يُمنح للناس مقابل ولاء سياسى، كما يتصور البعض، زمن «أهل الثقة» ولّى، الموقع يتطلب جهدًا ومن ثمّ كفاءة وإلمامًا بمتطلبات الموقع، هذا هو معيار التقويم، بالتأكيد من لم يقُم بالتطوير وزيادة الكفاءة والجدارة فى المؤسسة؛ فإن هذا يعنى أنه لم ينجح فى أداء دوره المنوط به والذى اُختير على أساسه.

الإصلاح من الداخل يتم لسبب بسيط، هو أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، وكما شرح الرئيس فإن الذى دخل مؤسسة يعمل بها وقضى بها عشرين عامًا أو ثلاثين، فهو بالتأكيد مُلم بكل التفاصيل، يدرك العيوب ونقاط الضعف، ومن ثمّ يسعى إلى الإصلاح والتجويد، وهذا بخلاف مَن يأتى إلى الموقع من خارجه، قد يكون لديه تصور مسبق وقد يقوم بدراسة الأوضاع، لكن المؤكد أن مَن هو بالداخل سوف يكون أكثر إدراكًا للعمق وإلمامًا بالتفاصيل.

وقد يتساءل البعض أو يتشككون إذ كيف يقود القائمون على هيكل إدارى فى موقع ما عليه إصلاح، أو الاتجاه نحو تطوير آليات العمل والمزيد من الشفافية والتجديد.. هذه الخطوات قد تقود حتما إلى الدفع بوجوه جديدة تحل محلهم، وتلك مشكلة تحيط بالعديد من المؤسسات والهياكل الإدارية حول العالم، فى المجتمعات المتقدمة كما فى غير المتقدمة، أحيانا تكون المؤسسات فى الدول المتقدمة أشد شراسة فى رفض الإصلاح.

وقد يكون الرد أن على كل مسئول أن يكون مدركًا من اللحظة الأولى أن وجوده فى موقع المسئولية ليس أبديًّا، التغيير سُنة الحياة، والأيام تدور لا تتوقف، وتبقى المقولة العربية صحيحة «لو دامت لغيرك ما جاءت إليك»، الحياة كلها ليست دائمة لأحد من الأفراد.

سوف يقول البعض إن هذا الدفع صحيح وجميل نظريًا، لكنه لا يتحقق دائما على أرض الواقع، والنماذج عديدة هنا وفى كل بلد تقريبًا.

والحق أن المسألة هنا صعبة، ولعل هذا ما جعل الرئيس يصرّ على وجود العامل الأخلاقى لدى القائمين بالمؤسسة -أى مؤسسة- والتذكير بحساب الضمير والمسألة أمام الله (تعالى)، لأن غياب هذا البعد قد ينعكس فى بعض الحالات سلبا على بعض المؤسسات.

فى عديد من البلدان والدول، وُجد أن مؤسسة ما قد تتحول بفعل بعض الممارسات إلى ما يشبه ملكية خاصة أو احتكارا للقائمين عليها، بغضّ النظر عن الدور الاجتماعى والموقف القانونى والسياسى أيضا، بمقولة إن أهل مكة أدرى بشعابها، تصبح المؤسسة مغلقة على بعض العاملين بها، يتحكمون فى كل شيء، لصالح مواقعهم الشخصية، يصل الأمر إلى عدم السماح لآخرين من خارج دوائرهم الشخصية، من قرابة أو شللية بدخول المؤسسة من بابها، وهكذا تنفصل عن المجتمع، وتقوم أسوار عالية بين المؤسسة وأفراد المجتمع، مثلا فى زمن حكم الحزب الشيوعى فى بعض البلدان لم يكن مسموحًا لأحد من خارج الحزب يتولى أى وظيفة أو موقع قيادى، وأحيانا تسيطر مجموعة أو «شلّة بعينها»، تكون أقرب إلى تنظيم مغلق، فلا يدخل المؤسسة أحد من خارج تلك الشلة، وربما يكون المعيار هو القرابة، فيتم توريث المؤسسة، دون ذكر المسمى، الفيصل فى هذه الأمور طبعا وجود قواعد إدارية شفافة، فضلا عن أدوات رقابية وأطر تشريعية، لكن العنصر الحاسم هو المعيار الأخلاقى وصوت الضمير، تجنبا لأزمات أو مشاكل، تؤدى فى النهاية إلى ركود المؤسسة وجمودها.

وإذا كان مبدأ الإصلاح والشعور بضرورته ليس موضع خلاف ولا يجب أن يكون كذلك، هناك مَن يقف ضد الإصلاح أو يعترضه؛ تخوفًا من نتائجه وربما محاولة للحفاظ على أوضاع أو ميزات خاصة، وهذا حدث ويحدث فى كثير من البلدان، من يتأمل أو يدرس تجربة النمو الصينى؛ فسوف يكتشف العجب، الذين وقفوا ضد الإصلاح وسعوا إلى تجميد كل شيء أُطلق عليهم عصابة وتمت محاكمتهم، بعدها بدأت الانطلاقة التنموية الكبرى، المعنى أن هذا درس عالمى، ليس خاصًّا بنا ولا يجب أن يكون كذلك أو يُفهم على هذا النحو، التنمية تتطلب إصلاحًا إداريًا وتشريعيًا وهيكليًا فى كثير من الأحيان.

يعول الرئيس السيسى على القائمين بكل مؤسسة، أن يدركوا وضع مؤسساتهم والإصلاح المطلوب، وفى لحظة تساءل الرئيس موجهًا السؤال إلى معالى وزير الأوقاف: «اللى ما يعرفش مؤسسته يعمل إيه؟»، ورد الرئيس بنفسه: «يغادر».

المعرفة والإصلاح أو المغادرة شعار لا يحتمل لبسًا ولا تأويلاً، وهى رسالة إلى الجميع.

وطالب الرئيس أن يكون الإصلاح بهدوء وتأنٍّ أو طول بال، الإصلاح بكل قوة ولكن بهدوء، بلا ضجيج ولا مزايدة على أحد أو تشهير بأحد.. وفى بعض الحالات قد يندفع البعض بزعم الإصلاح والتجديد أو التغيير إلى هدم كل شيء، يقول الرئيس «أصلح من غير ما أهد».

الإصلاح لا يجب أن يؤدى ولا يعنى الهدم، وهذا هو الفارق الكبير بين الإصلاحيين ودورهم فى التاريخ، سواء كان إصلاحًا مؤسسيًا واجتماعيًا أو ثقافيًا، وبين دعاة الفوضى والعدمية -ربما يكون لدى بعض الراغبين فى التغيير أفكار تبدو جميلة وبراقة، لكنهم يريدون هدم كل شيء.. تسوية المؤسسات والنظم بالأرض وإعادة البناء من الصفر، ويفوتهم أن الهدم قد يتحول إلى سلوك عام، والفوضى ينتج عنها مستفيدون ورابحون، ويسود تجار الأنقاض.. لكن الإصلاح شيء آخر، أن تحافظ على المؤسسة وتقوم بتطويرها من الداخل بالحفاظ على أسسها وأركانها، وتمييز العناصر التالفة أو التى تشكل عبئا عليها، تعوق عملها ودورها، على أن يتم استبدالها بعناصر جديدة، تضيف إلى البناء لا تنتقص منه.

والحق أن هذه القاعدة لا تتعلق بالمؤسسات التنموية ولا بالهيئات الحكومية أو حتى الوزارات نفسها، بل تمتد إلى ثقافة المجتمع ونظامه الأخلاقى والقيمى، كثير من الدعوات إلى التغيير، بل وتجارب التغيير، قد تنتهى إلى عكس ما سعت إليه ونادت به، لأن التغيير يتحول إلى نوع من العصف بكل ما هو قائم، بينما الإصلاح هو التغيير المتدرج والهادئ، حتى يتقبله الجميع.

فى تاريخنا الحديث، لدينا تجربة الأستاذ الإمام محمد عبده، الذى وجد فى نهاية الأمر أن الأصلح والأنسب للمجتمع هو الإصلاح المتدرج، أو كما قال الرئيس السيسى حرفيا «إصلاح عميق برفق ولين وطول بال مع المؤسسات» كان سياق حديث الرئيس، ودعوته موجهة نحو المسئولين عن المؤسسات والجهات الرسمية، لكن الدعوة يمكن أن نسحبها إلى كافة جوانب الحياة والمجتمع، خاصة السياسى والثقافى منها. حديث الرئيس الواضح والجلىّ فى يوم عيد الشرطة، عن ضرورة الإصلاح وشروطه ومَن يقوم به؛ يحتاج إلى تأمل وتفكير عميق، ونتوقع أن يكون مقدمة لخطوات وإجراءات عملية تتخذها الدولة فى القريب العاجل، فى إطار استكمال بناء الجمهورية الجديدة ودولة المؤسسات والقانون.