فى المقال السابق من هذه السلسلة، كان المدخل واضحًا ومقصودًا: «الإنسان».
التنمية البشرية لم تُطرح باعتبارها بندًا اجتماعيًا أو ملحقًا أخلاقيًا للنمو، بل باعتبارها جوهرًا أى مسارًا تنمويًا قابلاً للاستمرار. لكن هذا المدخل، على وجاهته، يظل ناقصًا ما لم يُستكمل بسؤال مكمّل:
كيف نحمى هذا الاستثمار فى الإنسان؟ وكيف نضمن ألا يبتلعه اضطراب اقتصادى أو اختلال مالى أو صدمة خارجية؟
هنا تحديدًا ينتقل خطاب السردية الوطنية إلى فصل الاستقرار الكلي، ليس بوصفه قفزة مفاهيمية، بل كامتداد منطقى لما سبقه. فالتنمية البشرية لا تعيش فى فراغ، بل تحتاج إلى اقتصاد مستقر، قادر على التمويل، وعلى الاستمرار، وعلى تحمّل تكلفة التحول دون أن ينهار.
الاستقرار الكلى كما تطرحه السردية: «من التوازن إلى القدرة».
السردية لا تبدأ من الداخل، بل من العالم. عالم يتغير بسرعة، تتزايد فيه الحمائية، وتتقلب فيه أسواق المال، وترتفع فيه الديون، وتتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع الاقتصادية، فى هذا السياق، يصبح الاستقرار الكلى ليس مجرد حالة توازن داخلي، بل قدرة الاقتصاد على الصمود.
الاستقرار هنا لا يعنى غياب العجز أو انخفاض التضخم فقط، بل يعنى أن يمتلك الاقتصاد أدوات تمكّنه من امتصاص الصدمات دون أن يدفع المجتمع ثمنها كل مرة، ومن هذا المنطلق، ترفض السردية التعامل مع الاستقرار بوصفه هدفًا محاسبيًا أو لحظة إنجاز، وتعيد تعريفه كمسار مؤسسى طويل النفس.
أحد أهم ما يميز فصل الاقتصاد الكلى فى السردية هو رفضه لفكرة الحل الواحد، فالاستقرار لا يُبنى بسياسة مالية وحدها، ولا بسياسة نقدية منفصلة، ولا بمشروع إصلاحى معزول، بل بمنظومة متكاملة تجمع بين التخطيط، والتمويل، والتنفيذ، والمتابعة.
ولهذا تؤمن السردية التحول من الإدارة السنوية للاقتصاد إلى أطر متوسطة وطويلة المدى، حيث تصبح الموازنة أداة تنفيذ للخطة، لا مجرد بيان حسابي، وتتحول السياسات من رد فعل إلى إدارة مسار. هذا التحول ليس تقنيًا، بل فلسفي: «من معالجة أعراض الاختلال إلى التعامل مع جذوره».
وفى تناولها للسياسة المالية، تتجنب السردية الخطاب التقليدى الذى يربط الانضباط المالى تلقائيًا بالتقشف.
خفض العجز وإدارة الدين يُطرحان بوصفهما شرطين للاستدامة، لا مبررًا لتآكل الإنفاق الاجتماعي. بل على العكس، تؤكد الوثيقة أن الاستقرار المالى هو ما يتيح للدولة الاستمرار فى الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية دون الوقوع فى أزمات تمويل متكررة.
بهذا المعنى، يعود الربط مرة أخرى بالمقال الأول:
الاستثمار فى الإنسان لا يمكن الدفاع عنه دون اقتصاد قادر على تحمّل كلفته، والاستقرار هو ما يوفر هذه القدرة.
فى السياق نفسه، تُمنح السياسة النقدية دورًا يتجاوز إدارة التضخم.
السردية تضع مفهوم استقرار التوقعات فى القلب من فكرة الاستقرار الكلي. فاقتصاد لا يمكن التنبؤ بمساره، ولا يمكن الوثوق بإشاراته، هو اقتصاد يعطّل الاستثمار حتى لو تحسنت بعض مؤشراته.
استقرار الأسعار، فى هذا التصور، ليس هدفًا نهائيًا، بل وسيلة لترسيخ الثقة، وتحويل السياسة النقدية من أداة طوارئ إلى إطار داعم للنشاط الاقتصادى.
ومن أكثر الأجزاء وضوحًا فى الفصل هو تشخيص فجوة الادخار والاستثمار باعتبارها أحد أعمدة الهشاشة الاقتصادية.
ضعف الادخار المحلى، والاعتماد على التمويل الخارجى، والعجز التجارى، تُقدَّم كأعراض لنموذج نمو غير قادر على تمويل نفسه بنفسه.
ومن هنا تربط السردية بين الاستقرار الكلى وبين ضرورة تغيير نموذج النمو، لا الاكتفاء بضبط نتائجه. فالاستقرار الحقيقى لا يتحقق إلا حين يصبح الاقتصاد قادرًا على توليد موارده، لا استيرادها فى صورة ديون.
الاستثمار العام: الاستقرار عبر الكفاءة لا الكثافة وفى هذا السياق، تحتل حوكمة الاستثمار العام موقعًا محوريًا.
السردية لا تنتقد الاستثمار العام فى ذاته، لكنها ترفض أن يكون بلا معايير واضحة أو ارتباط بالعائد. فالإفراط فى المشروعات دون حساب الجدوى لا يخلق استقرارًا، بل يرحّل الاختلال إلى المستقبل.
الاستقرار، كما تراه الوثيقة، يتحقق حين يتحول الاستثمار العام إلى أداة توجيه، لا أداة مزاحمة، وحين يفتح المجال أمام القطاع الخاص بدلًا من إغلاقه.
وفى مجمله، يقدم فصل الاستقرار الكلى تصورًا متماسكًا:
الاستقرار ليس غاية تُعلن، بل حلقة وصل بين ما نريده اجتماعيًا وما نستطيع تحمّله اقتصاديًا.
هو الجسر الذى يحمى الاستثمار فى الإنسان، ويمنح الاقتصاد فرصة التحول، ويمنع الأزمات من ابتلاع مكتسبات التنمية.
وبهذا المعنى، لا يُقرأ هذا الفصل منفصلًا عن سابقه، ولا يمكن فهمه بمعزل عما يليه.
وإذا كان المقال الأول قد بدأ بالإنسان، والمقال الثانى قد وضع أرضية الاستقرار، فإن السؤال التالى يصبح حتميًا: أين سيتحقق النمو فعليًا؟ وأى قطاعات ستحمله؟
فى المقال القادم من هذه السلسلة، ننتقل إلى فصول النظرة القطاعية، مع تركيز خاص على الصناعة، باعتبارها قلب التحول الإنتاجى، واختبارًا حقيقيًا لقدرة الاستقرار الكلى على التحول من توازن اقتصادى إلى تنمية ملموسة.