كما قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إن البكاء على الماضي لن يعيد العالم إلى ما كان عليه، وعلى الجميع أن يتحضر لنهج أمريكا الجديد وملامحه في المرحلة القادمة، فليست الأمور كما تبدو، وخواتيم الأمور لن تكون لامعة أو سهلة ويتراءى لنا أن نعرض وجهة نظرنا في موضوع: ماذا تفعل الدول المتوسطة أمام الحد الأقصى من الضغط العالمي؟
في عالم يموج بالتصريحات والتهديدات المتوالية، على القوى المتوسطة ألا تنغرس في هذه الغابة الجيوسياسية، بل تفكر باحترافية وهدوء خارج الصندوق، وعلى صناع القرار أن يسألوا أنفسهم: هل رتبتم وخزنتم وملأتم؟ وبصريح القول: هل لديكم الذهب الكافي؟ هل خزنتم النفط والغذاء؟ عليكم أن تفعلوا سريعاً، تشتروا وتخزنوا وتحصنوا، بينما تتركوا لأمريكا محطات الردع والتلويح بالقوة العسكرية المفرطة.
على القوى المتوسطة أن تضع ذهبها في أقبية البنوك، وتضع نفطها في خزانات استراتيجية، وكذلك تخزن الحبوب الغذائية لتكفي سنوات كاملة.
ولعل المصفوفة الأبرز في هذا النموذج للقوى المتوسطة أن تعلم جيداً أن العالم أمام إعادة هندسة كاملة للاقتصاد على أساس اقتصاد الحرب ومن الطبيعي أن يتساءل البعض: هل هناك إنذار بحروب قادمة؟ هل اقتربت ساعة الصفر لمواجهة القوى العظمى، بينما تعاني القوى المتوسطة الأمرين؟
هل هناك حرب عالمية ثالثة؟ لا أحد يستطيع الإجابة القطعية عن هذا السؤال، فهناك هندسة كاملة لسيناريو ليس تخطيطاً عادياً. فقد تحولت الأدوات المالية، كالدولار واليورو والسندات الأمريكية، وأدوات الطاقة كالنفط والغاز، ودخلت المعادن الثمينة والحرجة على خط المناورات. وصعد الذهب إلى الواجهة بقمم تاريخية، ومعه الفضة، وانتبه الجميع لقصة المعادن النادرة. وبدأت عملية الكبت المالي العالمي برفع أسعار الفائدة، لتجد القوى المتوسطة نفسها أمام ديون تراكمية.
المعادلة المالية تتحرك بصعوبة، والرافعة المالية للعالم ليست بخير، والتضخم ينهك الشعوب. وعلى القوى المتوسطة أن تغير طريقة تفكيرها، بمعنى أن تبدأ، بعد مشهد دافوس، في طريقة تفكير استراتيجية جديدة تجعلها قادرة على التحمل والقيادة والصمود.
فالذهب هو الدرع الواقية لأي دولة من الخنق المالي العالمي بنظام الدولرة. والذهب لأي دولة ليس استثماراً تقليدياً، بل وثيقة تأمين للقوى المتوسطة النامية والناشئة. الرسالة واضحة: الذهب يحمي من الشلل المالي لأي دولة في المرحلة القادمة.
الطاقة سلاح ودرع واقية لذلك، مثلاً، الصين خزنت 80 مليون برميل في الاحتياطي الاستراتيجي في 2025، ويقول خبراء النفط في أمريكا، طبقاً لتقديرات معهد الطاقة الأمريكية، إن الصين تمتلك 1.2 مليار برميل من النفط، مخزوناً يكفيها 3 أشهر كاملة دون واردات، لذلك بقيت الأسعار تحوم حول 60 دولاراً. من لديه معادن من القوى المتوسطة، فليحرص عليها ويحولها إلى تكديس كسلاح جيوسياسي بامتياز.
إنها مرحلة عقول وخوارزميات وهندسة ذكية وأشباه موصلات، وأصبح الجميع يدور في حروب التكنولوجيا الحديثة. وهنا على القوى المتوسطة أن تنتبه: ليس هناك وقت كافٍ أمام إعادة تعريف اقتصادها المدني وتحويله إلى اقتصاد مواجهة، قادر على مواجهة تحديات المستقبل ومواجهات الصدام بين القوى العظمى.
على القوى المتوسطة أن تتحضر للأسوأ، بعدما أصبح هناك نادٍ دولي كبير كسر كثيراً من قواعد القانون الدولي، وأصبح العالم عالقاً بين لا حرب ولا سلم. لقد اغتيل القانون الدولي، مما جعل هناك فراغاً كبيراً في النظام العالمي، تتوسطه تلك الدول الناشئة أو، كما قال رئيس الوزراء الكندي، «القوى المتوسطة».
العالم، وخصوصاً شعوب العالم النامي والناشئ، خلال السنوات الماضية، كان ينزف اقتصادياً بسبب عداد الخسائر لنظام عالمي يمارس أقصى درجات الضغط. ومع أن الأسطول الأمريكي في العالم، بتحركاته، يمثل نحو 80 فى المائة من القوة النارية في العالم، وهو المخلب العسكري للدولار، إلا أن أمريكا لا تغرق وحدها، بل يجب أن يغرق معها الجميع.
بنية الاقتصاد العالمي هشة، قاسية الزوايا، منفردة ومتفرقة. وقد أعيد تشكيل وصياغة الشرعنة في العالم، وأصبح نجم الحفل في دافوس اقتصادياً ظاهرياً، لكنه تحول، بفعل فاعل، إلى منصة سياسية وليست اقتصادية.
وهنا يجب لفت انتباه الجميع: الصين تحصنت، وروسيا تناور وعرفت طريقها إلى أين تتجه، بينما القوى المتوسطة تقف حائرة في هذه الغابة الجيوسياسية والدمار المتبادل، وتريد أن تنجو من هذه الفوضى العارمة. على الدول الناشئة والنامية أن تعلم جيداً أن العالم لديه لعبة كبيرة من المخاطر العالية، وليس من العقل أن تنظر أو تكتفي بالمشاهدة على هذه الدراما العالمية، بل تبحث عن الآليات التي تنجو بها.
فالتحليل المالي العميق يساعد في رؤية الصورة الأوسع للرسوم البيانية للحالة المالية، وأن يتوقف الجميع عن التنظير في مسألة الديون السيادية. لا بد من مرحلة هدوء وتفكير عميق لهذه اللحظة التاريخية التي يشهدها العالم.
وكلنا شاهد نجم الحفل في دافوس، بينما ذهب زعماء العالم مثقلين بأزمات بلادهم للحاق بالفرصة الأخيرة، فتحول المنتدى من حالة توافقية بشأن السياسة والاقتصاد إلى ساحة لإدارة الخلافات خارج السياق المألوف. فالقوة الترامبية لعبت في النسيج الاقتصادي والسياسي العالمي. وعلى القوى المتوسطة أن تتحضر في عالم باتت فيه الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية اللغة المهيمنة على سياسات العالم في هذه الغابة الجيوسياسية، وتحت الحد الأقصى من الضغط العالمى.