رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خريطة استثمار عُمانية تعيد توزيع القوة الاقتصادية داخل المحافظات


17-11-2025 | 21:01

.

طباعة
بقلم/ أحمد تركي ... خبير الشؤون العربية

تحتفل سلطنة عُمان بعد غداً/الخميس/ باليوم الوطني المجيد في العشرين من نوفمبر، ذكرى مرور 281 عامًا على تأسيس الدولة البوسعيدية، هذا اليوم الذي يُجسِّد إشراق عهد جديد من اللحمة الوطنية والإنجازات العظيمة الممتدة، فيما تواصل سلطنة عُمان بخطى واثقة تحقيق إنجازاتها الشاملة ضمن مسيرة نهضتها المتجدّدة، بقيادة السُّلطان هيثم بن طارق آل سعيد.

وبهذه المناسبة المجيدة، تتواصل الاستعدادات لتنظيم الاستعراض العسكري الذي يُجسّد الانتماء لهذا الوطن العزيز، والولاء للسلطان هيثم القائد الأعلى وسيتضمن هذا الاحتفال تقديم عرض عسكري تقدمه وحدات رمزية تمثل الجيش السلطاني العُماني، وسلاح الجو السلطاني العُماني، والبحرية السلطانية العُمانية، والحرس السلطاني العُماني، وقوة السلطان الخاصة، وشرطة عُمان السلطانية، وشؤون البلاط السلطاني، إضافة إلى عروض لقوات الفرق الوطنية، والخيالة السلطانية، وعروض موسيقية عسكرية تقدمها فرق الموسيقى العسكرية المشتركة والراكبة.

يؤكّد اعتمادُ 20 نوفمبر يومًا وطنيًّا في سلطنة عُمان الارتباطَ العميق بجذور الدولة البوسعيديّة، حيث تستحضر عُمان ذاكرتها التاريخية لتجسّد استمرارية النهج؛ فإرثُ التأسيس لم يكن لحظةً عابرةً، بل مشروعًا ممتدًّا تتواصل دلالاته في حاضر النهضة المتجدّدة، بقيادة السُلطان هيثم بن طارق آل سعيد، من خلال رؤيته المستقبلية "عُمان 2040" والتي تمثل البوصلة التي تحدد مسارات التنمية.

تتحرك سلطنة عُمان في لحظة اقتصاديَّة تتجاوز حدود الأرقام المعلنة إلى بناء واقع جديد تتغيَّر فيه موازين التنمية بَيْنَ المحافظات. فالمشروعات النوعيَّة الـ(١٤) الَّتي أعلن عنها جهاز الاستثمار العُماني تبدو خطوةً تُعِيد تشكيل جغرافيا النُّمو؛ إذ تتقدم خطوط المياه في الداخليَّة والباطنة والشرقيَّة كمنشآت استراتيجيَّة تُعِيد تعريف الأمن المائي بوصفه قاعدةً للصناعة والسكَّان معًا، كما يفتح حضور المشروعات المائيَّة بابًا لِفَهمٍ أعمق لطبيعة التحوُّل الجاري، فالمياه تتحول إلى رافعة اقتصاديَّة تمنح المحافظات قدرة على استقبال توسعات صناعيَّة وزراعيَّة تمتدُّ حتَّى 2040. ويقترب المشهد من خريطة تبنى فيه التنمية على احتياجات المكان لا على مركزيَّة القرار، ويظهر هذا الاتِّجاه في صعود مجمَّع التمور في نزوى الَّذي يربط الزراعة بسلاسل القِيمة الحديثة، وفي مساحة صناعيَّة جديدة في صحار عَبْرَ مجمَّع لدائن الَّذي ينقل الصناعة إلى نطاق أوسع يبدأ من البوليمرات وينتهي في التطبيقات الهندسيَّة والطبيَّة.

كما يتقدم المشهد الاقتصادي العُماني بخطوات تكشف عقلًا حكوميًّا يرى في الاستثمار أداة لإعادة هندسة الواقع، توسِّع منظومة «مدائن» يعكس تصوُّرًا جديدًا لِدَوْر المُدُن الصناعيَّة الَّتي أضحتْ منظومات تطرح نمطًا إنتاجيًّا يعتمد على التقنية والتحليل اللحظي لحركة الطلب. فالمُدُن تمتدُّ من عبري إلى السويق والمضيبي وصور كمسار يرفع جاهزيَّة السَّلطنة لاستقبال صناعات تحتاج إلى بيئة رقميَّة كاملة، والتحوُّل الرَّقمي الَّذي تعمل عليه المؤسَّسة يضع الصناعة العُمانيَّة أمام مستويات أعلى من المنافسة، ويمنح المستثمر تصوُّرًا أوضح عن بيئة أعمال تتعامل مع المعلومة بوصفها عنصرًا إنتاجيًّا لا يقلُّ أهميَّة عن رأس المال. ومن هنا تخرج الصناعة من دائرة التقليد إلى دائرة الابتكار، وتتوسَّع القِيمة المحليَّة المضافة في اتِّجاه يضع المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة داخل خطوط الإنتاج الكبرى.

ويظهر الأثر الاجتماعي لهذا التحوُّل حين الاقتراب من المحافظات العُمانية الَّتي بدأتْ تستعيدُ دَوْرَها داخل الدَّوْرة الاقتصاديَّة، فالوظائف الَّتي تولِّدها المشروعات تمنح الشَّباب في المحافظات مسارًا جديدًا للانتقال من انتظار الفرص إلى صناعتها، كما تزداد قدرة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة على الدخول في سلاسل التوريد عَبْرَ منصَّات رقميَّة وبرامج تشغيل تعتمد على مهارات دقيقة لا على عمالة دورانيَّة، كما يكتسب المُجتمع حضورًا جديدًا داخل مشروع التنمية، حيثُ يُصبح المواطن جزءًا من إنتاج فعلي يرتبط بالبنية الأساسيَّة والصناعة والغذاء، وتتحول العلاقة بَيْنَ المواطن والمكان إلى علاقة إنتاج لا علاقة انتظار. بالإضافة إلى اكتساب المحافظات هُوِيَّات اقتصاديَّة متمايزة، ويظهر الخطُّ الفاصل بَيْنَ اقتصاد يوزِّع الفرص من المركز واقتصاد يخلق الفرص داخل الجغرافيا نفسها.

إذ بلغ إجمالي حجم الاستثمار التراكمي في المدن الصناعية التابعة للمؤسسة العامة للمناطق الصناعية "مدائن" بنهاية النصف الأول من عام 2025م حوالي 7.8 مليار ريال عُماني، مسجلًا نموًّا بنسبة 2 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024م.

كما بلغ إجمالي عدد المشروعات التراكمية في المدن الصناعية التابعة للمؤسسة بنهاية النصف الأول من العام الجاري نحو 2095 مشروعًا بنسبة نمو تصل إلى 3 بالمائة، وإجمالي العقود التراكمية بلغ 2385 عقدًا بنسبة نمو تجاوزت 3 بالمائة، في حين بلغت المساحة الإجمالية للأراضي المؤجرة في جميع المدن الصناعية وواحة المعرفة مسقط والمنطقة الحرة بالمزيونة 34.6 مليون متر مربع بنسبة نمو 2 بالمائة من 61.6 مليون متر مربع إجمالي المساحات المطورة بنسبة إشغال 68 بالمائة.

يأتي ذلك بعد أن استقبلت "مدائن" خلال النصف الأول من العام الجاري 215 طلبًا جديدًا للاستثمار، قامت بتوقيع 124 عقدًا منها لإقامة مشروعات بإجمالي حجم استثمار مضاف يتجاوز 80 مليون ريال عُماني تقام على مساحات بأكثر من 895 ألف متر مربع.

شهدت "مدائن" خلال خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 - 2025) تنفيذ حزمة واسعة من المشروعات الحيوية التي تهدف إلى تهيئة بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار وتعمل على استدامة الاستثمارات في مختلف محافظات سلطنة عُمان، ومن أبرز هذه المشروعات المنجزة خلال هذه الفترة مشروع تنمية وتطوير المرحلة الأولى لمدينة عبري الصناعية على مساحة تقدر بـ 3 ملايين متر مربع، ومشروع تنفيذ البنية الأساسية والخدمات لمدينة محاس الصناعية على مساحة 1.4 مليون متر مربع، وأيضًا مشروع الخدمات الاستشارية والتصاميم والإشرافية على مجمعات مدائن الريادية في كل من مدينة الرسيل الصناعية، ومدينة نزوى الصناعية، ومدينة محاس الصناعية، ومدينة السويق الصناعية، ومدينة مدحاء الصناعية، وكذلك مشروع تنفيذ البنية الأساسية للمرحلة السابعة في مدينة صحار الصناعية على مساحة تتجاوز 8.5 مليون متر مربع، بالإضافة إلى مشروع المسح الشامل للخدمات وتصوير الواقع الجغرافي للمدن الصناعية بالطائرات المسيرة.

كما شهدت "مدائن" خلال هذه الخطة الخمسية تحولًا جذريًّا في بنيتها المؤسسية والتقنية، نقلها من مرحلة التنظيم التقليدي إلى منظومة متكاملة للتميّز المؤسسي والتحوّل الرقمي الشامل عبر ترسيخ ثقافة التميز والحوكمة والقيادة القائمة على الأداء وإطلاق سلسلة من المشروعات الرقمية التي شكلت قيمة مضافة لأساليب الإدارة والخدمات في المدن الصناعية؛ الأمر الذي أثمر عن تحقيق "مدائن" للمستوى الثاني في نموذج المنظمة الأوروبية للجودة.

والآن تضع "مدائن" اللمسات الأخيرة لخارطتها الاستراتيجية ضمن خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026 - 2030) مستندة على أولويات رؤية "عُمان 2040"، وتحدد خلال هذه الخطة موقعها الاستراتيجي كمؤسسة وطنية تمكينية في محور اقتصاد بنيته تنافسية، وكشريك داعم في محور بيئة عناصرها مستدامة، وبذلك تترجم الخطة دور المؤسسة بوصفها حلقة وصل بين التنمية الاقتصادية المستدامة والبيئة الإنتاجية المسؤولة إلى جانب أدوارها المحورية البارزة في تحقيق عدد من الأولويات الوطنية ضمن محور الاقتصاد، مثل تنمية المحافظات والمدن المستدامة، والقطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي، والتنويع الاقتصادي والاستدامة المالية، وسوق العمل والتشغيل، والقيادة والإدارة الاقتصادية.

إجمالاً يمكن القول أن الأُفق الاقتصادي لسلطنة عُمان يتشكل كمرحلة يتقاطع فيها الإنسان مع الصناعة في منطق واحد، فالمشروعات الَّتي يقودها جهاز الاستثمار العُماني و"مدائن" ترسم حدودًا جديدة لاقتصاد قادر على حماية نفسه من تقلُّبات السُّوق عَبْرَ تنويع مصادر الإنتاج وتوسيع قاعدة الاستثمار، والمسار الرَّقمي يرفع مستوى الكفاءة، ويمنح المُدُن الصناعيَّة قدرة على دخول أسواق تتغير بسرعة هائلة، لِيقتربَ الاقتصاد الوطني من لحظة يتعامل فيها مع التنمية كمشروع طويل المدى قائم على تراكم الخبرة وبناء القدرات وتعميق المعرفة الإنتاجيَّة. وتظهر السَّلطنة ككيان اقتصادي واعٍ يتحرك بثقة نَحْوَ دَوْر أوسع في المنافسة الإقليميَّة والدوليَّة، ويُعِيد صياغة موقعه في خريطة النُّمو من خلال جغرافيا اقتصاديَّة تتقدم فيها المحافظات كأقطاب إنتاج قادرة على توليد الثروة وصناعة المستقبل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة