فى إحدى مقالات الكاتبة الفرنسية «لوردين مارسان»، والمنشور فى عام 2019، ذكرت أن «قوت القلوب» رفضت مغادرة مصر مع عائلتها التى قررت الرحيل، وعدم العودة إلى مصر مرة أخرى فى وجود نظام عبد الناصر، الذى صادر الممتلكات المنقولة إلى أصحاب الطريقة الصوفية فى عام 1961، كانت لديها مبدأ، هو تغيير وضع المرأة، التى يقتصر عملها على الأعمال المنزلية، وبفضل انتمائها للطريقة الصوفية، لديها علاقات بكثير من النساء من طبقات اجتماعية أخرى، تدرك جيدًا واقعهن وحياتهن، وخاضت نضالًا كبيرًا؛ من أجل هذا المبدأ، أكدت الكاتبة أن اللغة الفرنسية فى نهاية القرن التاسع عشر بدت كرمز لحرية الفكر، وأصبحت لغة خاصة بالطبقة الأرستقراطية والبرجوازية، ليس من أجل التواصل فيما بينهم فقط، لكن أيضًا كوسيلة للتعرف على الثقافة الأوروبية.
ثم فى الستينيات استخدمتها الطبقات المتوسطة للتواصل مع الأقليات فى مصر، وفى الخمسينيات مع رحيل الاحتلال البريطانى كان هناك وعى وطني، أراد المصريون الحفاظ على التقاليد والثقافة المصرية، وانتقاد الوضع الذى تعيشه المرأة، فظهر أولى مطالب المرأة، وخلال هذا التيار نشأ أدب تجريبى جديد مكتوب بالفرنسية، ومنه ولدت أعمال «قوت القلوب»، أتاحت لها اللغة الفرنسية تقديم المجتمع المصرى بشكل مغاير إلى القارئ، وبعد الحرب العالمية الأولى، تأثرت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإنجلترا وفرنسا، لكن لم يمنع ذلك أن يستمر الكتّاب فى الكتابة باللغة الفرنسية.
كانت «قوت القلوب» ذات ثقافة واسعة، أنشأت صالونًا ثقافيًا للإبداع؛ من أجل لقاء الكتّاب وتبادل الثقافات، استقبلت فيه أهم الكتّاب المصريين والفرنسيين الذين سمحوا لها بنشر أعمالها فى فرنسا، والوصول إلى القارئ الفرنسي، وكتبوا مقدمات نصوصها.
وكى تحقق رسالتها إلى القارئ، استخدمت قوت القلوب شكل أدب الرحلات، وأرادت أن تنشر الوعى لدى النساء، وتوقظه داخلهن، وأن تساعدهن على التحرر، أرادت أن يرى الخارج المرأة المصرية من خلال تقديم صور حية لها من داخل المجتمع، وشرح وضع المرأة فى الإسلام وتوضيحه، ودمجها فى الحياة المدنية.
ساعدت هذه الحركة فى عام 1956 على حصول المرأة على حق المساواة بينها وبين الرجل فى الحقوق السياسية والاقتصادية، حتى مع غموض وضع المرأة فى المنزل.
الكثير من النقاد الفرنسيين يقدرون أدب «قوت القلوب»، واعتبرها بعض النقاد «جورج سان الشرق»، وهى كاتبة فرنسية ذات قيمة أدبية عالية، كذلك وصفها البعض بأنها «عالمة أعراق»؛ لأنها كانت على دراية بالعادات والأخلاق والدين واللغة الخاصة بمجتمعها، التى استطاعت أن تصفه مع الحفاظ على صورته الجيدة.
ظلت المرأة الموضوع الرئيسى فى أعمالها، وسعت لتحريرها - كما ذكرنا من قبل- بالرغم من ذلك، أبدت احترامًا لثقافة الشرق ودافعت عنها، تمسكت بدينها الإسلامي، وترى أن فقدان الذاكرة الجماعية المبنية فى الأساس من التراث الإسلامى مأزق كبير.
الكاتبة المصرية «قوت القلوب» روائية تمثل الواقعية بامتياز، وهذا ما أكدته أيضًا الباحثة الفرنسية «ايلودى جادن»، وهى حاصلة على درجة الدكتوراه فى الآداب من جامعة جرنوبل، ومهتمة بالكتابات التى تخص المرأة، والتى كتبها مصريون ناطقون بالفرنسية، من خلال مقالها النقدى عن قوت القلوب، والمنشور فى إبريل عام 2010، فهى تراها واحدة من رموز المرأة المعاصرة فى فرنسا، فقد استطاعت أن تنقل المجتمع الشرقى إلى القارئ الغربى الذى لا يعرف الإسلام و»الحريم»، وهو مكان تجمع النساء فى القصور، وتعدد الزوجات.
صورت مجتمعًا فريدًا من نوعه، جعلت القراء الفرنسيين يرون ثقافة الشرق من منظور أنثوي، فهى تمتلك نزعة نسوية بدرجة معتدلة؛ لأنها فى نفس الوقت لديها رغبة فى الحفاظ على التراث، وذكر الناقد الفرنسى انرى جييم الذى كتب مقدمة روايتها «رمزة»، أن قيمتها الأدبية وجودة موهبتها تكمن فى عدم اختيارها الطريق السهل.
تعد أعمالها من روائع الأدب الفرنسي، لم تحظ بالشهرة أو المكانة الملائمة لها فى التاريخ الأدبى الخاص بفرنسا، بالرغم من ترجمة رواياتها إلى الألمانية وغيرها من اللغات، وأهمية أعمالها والكتّاب المشهورين الذين كتبوا مقدمات كتبها، إلا أن أعمالها غير موجودة بالمكتبات الفرنسية، وأيضًا عانت من التهميش فى تاريخ الأدب المصرى مثل الكثير من الكتاب المصريين الناطقين بالفرنسية فى النصف الأول من القرن العشرين، وتعتبر فى التاريخ الفرنسى «كاتبة بلا تاريخ أدبي».
وتؤكد أن دراسة أدب «قوت القلوب» ليست مجرد دراسة عادية، بل هى بحث لمعرفة وفهم آثار وجود المرأة فى التاريخ الأدبى الفرنسى وتسليط الضوء على وجودها.
تصور «قوت القلوب» من خلال أعمالها حياة نساء مناضلات بشكل متنوع من ثلاثينيات القرن العشرين إلى ستينياته، ترى الناقدة «إيلودى جادن» الأعمال الروائية كشهادات على حياتهن، وتطرح سؤال: هل يمكن اعتبار «قوت القلوب» وهى امرأة مسلمة، مصرية، ناطقة بالفرنسية، عاشت فى بلد استعمرتها الإمبراطورية البريطانية جزءًا من التاريخ الأدبى الفرنسي؟
العديد من النقّاد يؤكدون كثيرًا على استخدام «قوت القلوب» مذهب الواقعية، منهم الصحفى الفرنسى «إميل ديرمنجيم»، حيث تقول الناقدة إنه يستخدم واقعيتها كسبب مقنع لتشجيع قراءة روايتها «ليلة القدر».
رواياتها أصيلة، تصور نماذج مختلفة من النساء، وتقدم القارئ الفرنسى إلى عالم جديد وغريب وبعيد عنه، وتدرك جيدًا العالم الذى تعيش فيه وتراقبه بدقة، تبدو كتاباتها مثل توثيق لفترة زمنية، خاصة أنها عاشت فى «الحريم»، الأحياء التاريخية والمنازل القديمة جزء من غالبية رواياتها، تحرص على وصف العمارة والفلكلور، كى ترسم للقارئ لوحة نابضة لعالم «الحريم» بسحره وطقوسه، وتعرض أدب الرحلات والاستشراق بشكل مغاير.
فى روايتها «الصندوق الهندوسي» استطاعت أن تخلق توترًا دراميًا لدى القارئ، فهو ينتظر لقاء الرسام «ممتاز» بحبيبته «عائشة» بعد فراق دام 3 أشهر، لكن «ممتاز» لم يتمكن من لقائها، فاضطر أن يتجول فى شوارع المدينة، وتأملها، وهنا تصف الكاتبة شوارع المدينة من خلال شخصية «ممتاز»: الرجال بأثوابهن والنساء بحجابهن الطويل المزين بأقراط ذهبية، يمر قطيع من الغنم فتتوقف حركة المرور، الحافلات والترام والسيارات الفاخرة والبسيطة، تسير خلف قطيع الجمال والحمير التى تحمل الأشياء، يسيرون فى بطء فى مدينة كبيرة صاخبة. يعتبر ذلك المشهد رسمًا تخطيطيًا للوحة مستقبلية، يراه «ممتاز» بألفة واندهاش وإعجاب، يصور النص انفتاح مصر على الحداثة واحترام ومحافظة على التقاليد، يرغب «ممتاز» فى توثيق تلك المشاهد الخلابة قبل أن تفقد سحرها مع تلك الحداثة.
ترى «إيلودى جادن» رواياتها كبانورما للمجتمع المصري، وتعتبر عائشة وزنوبة ورمزة نماذج لتحولات المرأة فى المجتمع المصري.
يتجسد ذلك التحول فى المجتمع فى رواية «رمزة»، فنجد امرأة عجوزاً تتأمل الشباب وهم يمارسون حياتهم دون قيود، فبإمكانهم التعرف على بعضهم، فى حين أن ذلك لم يحدث قبل 30 عامًا، لم تتخيل أن تخرج المرأة المسلمة دون حجاب، وأن من السهل التعرف على شاب وإقامة علاقة حب معه، نجد المرأة العجوز تتأمل ما يحدث وهى تشعر بالإعجاب والرضا والحسد، تلك المرأة انعكاس لشخصية «قوت القلوب»، التى شهدت تلك المرحلة من التطور للعادات والأفكار.
النساء عند «قوت القلوب» ليست مجرد شخصيات رئيسية تبحث عن حريتها، بل تملك عمقًا نفسيًا، تدعو القارئ الفرنسى للشعور بها والتعاطف معها، فالمرأة فى روايتها مشتتة بين البحث عن الحرية والحفاظ على السنة والتقاليد الإسلامية، ومن خلال ذلك التوتر تتساءل «قوت القلوب» حول مكانة المرأة فى التراث.
فى رواية «زنوبة» تعيش المرأة حالة من التمرد والخضوع فى آن واحد، تريد «زنوبة» الإنجاب من زوجها «عبد المجيد»، ولكنها تفشل، فتلجأ إلى طقوس وممارسات معينة لإبعاد الجن عنها، فالعقم كان يعتبر لعنة، وعليها أن تقوم ببعض الأفعال الاستثنائية، مثل: الطواف حول الأماكن الاثرية سبع مرات، وعدم شرب الماء عند العطش، والتمسك بالعطش لأطول فترة، حتى تنجب ولدًا كما قالت لها «الست حبيبة»، ترى «زنوبة» تلك الأشياء بفضول وبراءة وانزعاج، يتجمع التمرد دون التشكيك فى تلك التقاليد ويظهر الخضوع لأنها مضطرة لفعل ذلك، هى ليست ممارسات ذات نتائج مؤكدة، لكنها مجرد احتمالات لعلاج العقم وحدوث الإنجاب. تصارع «قوت القلوب» الشك فى تلك التقاليد عن طريق «زنوبة»، وتكشف قيود المرأة وتجعلها محملة بأفكار ثورية، فهى لديها أمل فى حياة جديدة.
تقول الناقدة «إيلودى جادن» إن قيمة أعمالها تعتبر متأرجحة بين الأجيال، فهى تنتمى لعدة مجالات أدبية ولا تنتمى لأى منها فى نفس الوقت، وأن التحدى لا يكمن فى أى مؤسسة أدبية تنتمى إليها، بل ما هى المؤسسة الأدبية التى تنتمى إلى «قوت القلوب»، فهل يمكن إدراجها فى تاريخ الأدب الفرنسى بالرغم من البعد الجغرافى والثقافى لها؟ أم التاريخ لا يستطيع التعامل مع الكتّاب الأجانب الذين يكتبون بالفرنسية؟
فى الحالتين اعتبارات الوجود والمعرفة لها أهمية كبيرة، هناك تصنيفات تحاول إدخال المرأة والكتاب الأجانب فى التاريخ الأدبى الفرنسي.
تؤكد «إيلودى جادن» أن من الممكن إدراج «قوت القلوب» فى التاريخ الأدبى الخاص بكاتبات اختارت التعبير عن ذاتها ونساء مجتمعها والتواصل مع نساء أخريات ورجال آخرين بلغة فرنسية وهي «لغة إنسانية»، ويجب أن تكون هناك إعادة نظر فى تسليط الضوء على أعمالها، فهى تحمل الشرعية الأدبية الكافية؛ لتكون جزءًا من التاريخ الأدبي.
المصدر:
www.fabula.org
Out-el-Kouloub, romancière égyptienne, musulmane, de langue française : l’altérité culturelle au sein de l’histoire littéraire des femmes françaises, Élodie Gaden, 7, avril 2010
www.avent.savoirslibres.co
Out-El-Kouloub ,Lourdine Marsan 2019