يشهد سوق العمل تحولات جذرية مع التوسع فى استخدام الذكاء الاصطناعى بمختلف القطاعات، فبينما تراهن الشركات على الذكاء الاصطناعى لتعزيز الإنتاجية ورفع الكفاءة وخفض التكاليف، تتنامى فى المقابل المخاوف بشأن مستقبل العمالة البشرية.
وفى هذا السياق، أعلنت شركة «أمازون» الأمريكية للتجارة الإلكترونية عن تسريحها لعدد من الموظفين فى وحدة الروبوتات التابعة لها، حيث تأثر ما لا يقل عن 100 وظيفة مكتبية بهذا القرار، ويأتى ذلك بعد أن خفضت الشركة نحو 16ألف وظيفة فى يناير الماضي، و14 ألف وظيفة فى أكتوبر الماضي، وربطت الشركة عمليات التسريح بما وصفته بمكاسب كفاءة الذكاء الاصطناعى وفقًا لما ذكرته «رويترز»، وفى خطوة مماثلة أعلن جاك دورسي، المؤسس والرئيس التنفيذى لشركة «بلوك» للتكنولوجيا المالية، عن تقليص عدد الموظفين من 10 آلاف إلى 6 آلاف، أى تسريح40 فى المائة من القوى العاملة.
لم تكن هذه الحالات معزولة، إذ أشارت شركات كبرى أخرى إلى دور الذكاء الاصطناعى فى عمليات إعادة الهيكلة التى تنفذها، من بينها شركة الاستشارات التقنية «أكسنتشر»، ومجموعة «لوفتهانزا» للطيران، وشركة «سيلزفورس»، التى أعلنت عن تسريح 4 آلاف موظف فى قسم دعم العملاء بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعى يؤدى 50 فى المائة من المهام.
تعكس هذه التطورات كيف يغير الذكاء الاصطناعى ديناميكيات سوق العمل داخل الشركات، بدءًا من تنفيذ المهام الإدارية الروتينية وصولًا إلى معالجة مشكلات البرمجة المعقدة بسرعة ودقة عاليتين، مما يسهم فى انتشار استخدامه على نطاق واسع، خاصة مع استمرار شركات الذكاء الاصطناعى العملاقة مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» فى طرح أدوات جديدة، مما تسبب فى تراجع أسهم شركات البرمجيات، وتزايد المخاوف من فقدان الوظائف.

وفي هذا الإطار، قال الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ اقتصاديات التنمية، وخبير حوكمة المؤسسات، إن العالم يشهد الآن ظاهرة ليست بالجديدة ولكنها مرتبطة بالثورات والطفرات الإنتاجية المرتبطة بالتغيرات التقنية ؛ تلك الظاهرة تتمثل في إعادة هيكلية لسوق العمل العالمي نتيجة دخول الذكاء الاصطناعي كعامل إنتاج جديد بجانب رأس المال والعمل. حيث نجد أن الشركات الكبرى خلال السنوات الأخيرة شرعت في الاعتماد المتزايد على نظم الذكاء الاصطناعي في: ( تحليل البيانات المالية - خدمة العملاء - البرمجة الآلية - إدارة العمليات ). الأمر الذى انعكس على بيئة العمل داخل تلك الشركات بأن أصبح بالإمكان إنجاز المهام التي كان يؤديها فريق كامل من الموظفين بواسطة موظف واحد مدعوم بأنظمة الذكاء الاصطناعي. ووفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادى العالمى حول مستقبل الوظائف بحلول عام 2030 فإنه من المحتمل أن يتم إلغاء نحو 83مليون وظيفة نتيجة الأتمتة والذكاء الاصطناعي؛ وفي المقابل سيتم خلق نحو 69 مليون وظيفة جديدة أي أن صافي الخسارة قد يصل إلى14 مليون وظيفة عالميًا، وهو ما يمثل تحولًا كبيرًا في هيكل سوق العمل وليس انهيارًا كاملًا له. فالذكاء الاصطناعي يهدد بشكل أكبر الوظائف المكتبية ذات المهام الروتينية، بينما تبقى الوظائف التي تعتمد على المهارات الإنسانية مثل الإبداع والتفاوض والقيادة أقل عرضة للاستبدال.
«د. مصطفى»، أكد أن الذكاء الاصطناعى لن يلغي العمل البشري، لكنه سيغير طبيعة العمل نفسه؛ فبدلًا من استبدال الإنسان بالكامل، سيظهر نموذج جديد يسمى: Human + AI Workforce حيث سيعمل الموظف بالتكامل مع الذكاء الاصطناعي؛ ولهذا السبب بدأت عدد كبير من الحكومات حول العالم في التركيز على برامج إعادة تدريب العمالة لمواكبة الاقتصاد الرقمي.
وعن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في مصر، أوضح أستاذ اقتصاديات التنمية أن تأثير الذكاء الاصطناعي في مصر كدولة نامية يختلف عن غيرها من الدول المتقدمة؛ لأن هيكل سوق العمل في مصر يعتمد بدرجة أكبر على القطاعات التقليدية والخدمات منخفضة التكنولوجيا. كما تشير الدراسات إلى أن الاقتصاد المصري يواجه مفارقة مزدوجة في هذا المجال متمثلة في ضعف انتشار المهارات الرقمية، ووجود فرص كبيرة في الاقتصاد الرقمي والعمل عن بعد حيث بدأت في السنوات الأخيرة تظهر فئة جديدة من العمالة المصرية تعمل ضمن سلاسل القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي، مثل: ( تصنيف البيانات - تدريب النماذج - مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي )؛ وغالبًا يتم هذا العمل عبر منصات العمل الرقمية الدولية؛ لكن المشكلة أن هذه الوظائف غالبًا ما تكون منخفضة الأجر وغير مستقرة وتعتمد على العمل المؤقت عبر الإنترنت.
وختم "رضوان" حديثه بأن الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا وفرصة في الوقت نفسه لسوق العمل في مصر والعالم العربي. فبينما قد يؤدي إلى تراجع بعض الوظائف التقليدية، فإنه يفتح الباب أمام ظهور قطاعات اقتصادية جديدة ؛ ويبقى العامل الحاسم في تحديد النتائج هو قدرة الدول على الاستثمار في التعليم الرقمي، وإعادة تأهيل القوى العاملة لمواكبة الاقتصاد التكنولوجي الجديد.