رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

في بيت ثروت عكاشة.. حكايات مشروع قومى للثقافة


13-3-2026 | 14:20

.

طباعة
بقلـم: د. زينب العسال

كان الدكتور ثروت عكاشة صاحب نهضة ثقافية لافتة خلال فترتي توليه وزارة الثقافة. فهو المقاتل والفنان والمبدع، وصاحب مؤلفات رائدة عن الفن المصري، والفن العراقي القديم، والفن الإغريقي، والفن الفارسي القديم، والفن الروماني، وفنون العصور الوسطى وعصر النهضة، إلى جانب ترجمته للأعمال الكاملة لجبران خليل جبران، وتحقيقه لكتاب «المعارف» لابن قتيبة، وإعداده المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية.

 

قبل لقاء الدكتور ثروت عكاشة كنت في ضاحية المعادي، لكننا لم نستدل بسهولة على العنوان؛ فكل شوارع المعادي متشابهة. كنت متوترة للغاية، خاصة أن ذلك كان قبل اختراع الهاتف المحمول. دلّنا شيخ كبير على المكان، فوصلت أخيرًا. كانت فيلا صغيرة، لكن تصميمها يعكس ذوقًا رفيعًا؛ بلا بهرجة، وأصص الزرع في كل مكان، وأشجار متنوعة تحيط بالمكان.

الفيلا من طابقين، ويتصدر الطابق الأول مكتب مرتب للغاية. مكتب أنيق تتصدره صورة للدكتور ثروت عكاشة وزوجته، تحيط بها كتب ومراجع ولوحات فنية معلقة على الجدران.

استقبلني مرتديًا بدلة أنيقة، وقال مبتسمًا:

«تأخرتِ ساعة عن الموعد».

جلست أمامه وأنا أفكر: إذا كنت أمام ثروت عكاشة، فلا بد أن تتلمس الخطة التي رسمها للثقافة في فترة حساسة مرت بها مصر؛ كيف تم التحول نحو نهضة ثقافية دعمتها كوادر كان لها دور بارز في تنفيذ هذه النهضة، مثل نجيب محفوظ، ويحيى حقي، ومراد وهبة، وزكي نجيب محمود وغيرهم.

قال إن الرؤية الثقافية بدأت بالترجمة:

«لم يكن هناك مجلس أعلى للترجمة، لكن كان رأيي أن يفد من الخارج المسؤول القادر على وضع الأساليب والوسائل الصحيحة. فالترجمة لا تخضع للصدفة أو الاجتهاد الشخصي. خلال فترة تولّيَّ الوزارة تُرجمت أمهات الكتب، وأسندناها إلى أعظم المترجمين، وكانت كتبًا منتقاة، رغم التقتير المالي».

وأضاف:

«لا يمكن لوزير واحد أن يغطي هذه المساحة الشاسعة، لا بد أن يتم العمل بالتوالي؛ بمعنى أن كل وزير يأتي يستكمل ما سبق، ويبتكر ويضيف؛ لأن الإنسان، مهما يكن، ليس معصومًا من الخطأ، ورؤيته محدودة».

أما في المسرح فكان شعاره: «دع كل الزهور تتفتح».

يوضح: «عندما ننظر إلى خريطة الأعمال المسرحية نجد أقصى اليمين ممثلًا في رشاد رشدي وعلي أحمد باكثير، وأقصى اليسار ممثلًا في ميخائيل رومان ولطفي الخولي. كل الاتجاهات كانت موجودة في الخطة المسرحية، ولم نقتصر على المسرحية المصرية فقط؛ فقد أخذنا من الجزائر كاتب ياسين، كما عدنا إلى التراث القديم. كلفت أستاذي وصديقي الدكتور لويس عوض بترجمة مسرحية «حاملة القرابين»، وطلبت من الحكومة اليونانية متخصصًا في المسرح التراجيدي ليفيد منه عدد من الشباب».

ويضيف:

«قدمنا «ثورة الزنج» لمعين بسيسو، و«دائرة الطباشير القوقازية»، و«الليلة نرتجل» لبيرانديللو، وغيرها من المسرحيات المهمة عبر لجان متخصصة، وبصفتي قائد كتيبة، كان لا بد أن أضع روحي في العمل؛ لأنني مسؤول عن هذا القطاع.

وعن السينما قال:

«أنا فخور جدًا بالسينما في تلك الفترة. ورغم أن الدولة كانت تخوض حربًا، فإننا أحسنا الاختيار».

وأشار إلى التعاون مع المخرج الإيطالي روسلليني، قائلًا:

«جاء إلى القاهرة، وقدمت له شادي عبد السلام مع فنانين آخرين. وكان سيناريو فيلم «المومياء» جاهزًا قبل التصوير في مكتب الدكتور مجدي وهبة. لكن قامت الحرب فسافر روسلليني».

وأضاف:

«قدمنا أفلامًا مهمة مثل «البوسطجي» المأخوذ عن قصة يحيى حقي، وهو عمل ملحمي يرقى إلى مستوى أعظم الأفلام العالمية، و«قنديل أم هاشم»، و«الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي، و«صلاح الدين»، و«شيء من الخوف» لثروت أباظة، و«يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم، و«جميلة بوحيرد»، و«ميرامار» لنجيب محفوظ، و«الرجل الذي فقد ظله «لفتحي غانم».

وتابع:

«في وزارتي الثانية أنشأت مؤسسة السينما. ومن ناحيتي أنا لم أؤمم شيئًا، لكن كانت هناك شركات مُنيت بخسائر كبيرة، فقمنا بضمها وصنعنا أعمالًا لها قيمة».

وعن المؤتمرات الثقافية التي دعا إليها قال:

«عقدنا ثلاثة مؤتمرات مسجلة في كتب، وهناك كتاب آخر بعنوان «نحو الانطلاق الثقافي». وأعددنا خطة مطبوعة تشمل الكتب والأفلام والأعمال الفنية في التراث والآثار».

وعندما سألته: لماذا لم تستكمل هذه الخطة؟ قال:

«ما حدث في عام 1967 جعل العمل أقل، لكننا لم نتنازل عن الكيف».

سألته عن رأيه في الواقع الثقافي الحالي، فأجاب:

«لا أحب أن أتحدث عن أعمال غيري. لا يجب أن يتحدث المسؤول السابق عن أعمال من يخلفه. عندما كنت وزيرًا للثقافة كانت أمامي كل «الكروت»، وكنت أفكر في القدرات والإمكانات الموجودة لاستغلالها أفضل استغلال، كما نقول في القوات المسلحة: الحشد مع الاقتصاد في القوة».

وعن نصيحته للأدباء الشباب قال:

«على كل شاب أن يطلع على التراث الإنساني، سواء الأجنبي أو العربي. هذا الاطلاع يفيد الإنسان حتى بعد أن يترك مرحلة الشباب. لا بد من معرفة الأساطير والمسرحيات والأوبرا، والرجوع إلى التراث العربي الإسلامي، وكذلك العمارة والمنمنمات».

وأضاف:

«أنا قرأت في طفولتي أعمال دوستويفسكي باللغة الإنجليزية، وقد عهدت إلى سامي الدروبي بترجمتها، وأمضى فترة طويلة حتى قدم للمكتبة العربية 21 جزءًا».

وعندما سألته: ما الذي يشغلك الآن؟ قال:

«انتهيت من ثلاثة كتب عن الريسانس والباروك والروكوكو، وهي عناصر النهضة. أعتبر ذلك متحفًا خياليًا، أو متحفًا بلا حوائط».

ثم أضاف بصوت هادئ:

«لقد حوربت حربًا شعواء لا أريد الخوض في تفاصيلها، ثم توفيت زوجتي، وأنا أدين لها بالكثير، وقد أصابني موتها بحزن مقيم».

وتابع:

«الآن أعمل على استكمال سلسلة «العين تسمع والأذن ترى»، وهي نتيجة رحلاتي أثناء وجودي في البنك الأهلي، وهي فترة أتاحت لي السفر وزيارة المتاحف والمعابد في العديد من بلدان العالم».

 

أخبار الساعة