«ما بين الهيبة والانكسار» صراع وجدانى يطل به علينا بعد أن طال أمد الانتظار للنجم الكبير طارق الدسوقى بأدائه الرائع لشخصية «منصور الجوهرى» فى مسلسل «على كلاى» داخل الماراثون الرمضانى هذا العام، حيث كان من المعروف أن طارق الدسوقى قد ابتعد عن الساحة الفنية بسبب سطوة «الفوضى الدرامية»على حد وصفه لمسلسلات العنف والبلطجة على الدراما التليفزيونية ما جعل البعض يظن بأنه قد اعتزل الفن ..!
إلا أن «منصور الجوهرى» الذى استحوذ على إعجاب المشاهدين جعل الدسوقى يظهر
بـ «نيولوك جديد» لم يعتد عليه من قبل لحرصه على التنوع فى تجسيده للشخصيات المختلفة وتنفيذا لفكرة مخرج المسلسل محمد عبدالسلام فى الوقت نفسه، يعترف طارق الدسوقى بأن الجمهور زعل منه بسبب صفعه للعوضى بالقلم ضمن أحداث المسلسل الأمر الذى ذكر البعض بالمشهد نفسه الذى جمع العندليب الأسمر وعماد حمدى فى فيلم الخطايا..!
وإليكم نص الحوار..
غيابك عن الساحة الفنية لعدة سنوات جعل البعض يظن بأنك اعتزلت التمثيل فما أسباب هذا الغياب ثم العودة؟!
لم أعتزل الفن أو التمثيل، لكن ابتعادى عن الساحة الفنية منذ 2011 كان بسبب وجود نوع من الفوضى الدرامية إن جاز التعبير، حيث أصبحت كل الأعمال الفنية بعيدة كل البعد عن هويتنا بكل ما تحمله من عادات وقيم وتقاليد ومثل عليا ولغة، بينما كثرت أعمال البلطجة والعنف على الشاشة الصغيرة، وبدأت تسطو على أحداثها سلوكيات غريبة على مجتمعنا المصرى الأصيل، فصارت المسلسلات تتناول تجارة المخدرات والشعوذة وكل هذه الأشياء بعيدة تماما عن هويتنا الثقافية والاجتماعية والتربوية، لذلك فضلت الابتعاد عن الساحة الفنية خاصة أننى طوال مشوارى الفنى قدمت أكثر من ثمانين مسلسلا و15 فيلما سينمائيا و40 مسرحية كللتها بمسرحية «الملك لير» لوليم شكسبير، والعديد من الأعمال الإذاعية والسهرات الدرامية، ولا يوجد من بينها عمل واحد من الممكن أن يوصم بأنه عمل تافه أو سطحى أو دون المستوى أو مبتذل لأن هناك عدة معايير جادة وصارمة وضعتها لنفسى منذ البداية تحكم اختيارى لأى عمل فنى أقدمه للجمهور، وحاولت أن أحافظ عليها طوال مشوارى الفنى فكان هذا هو أحد أسباب ابتعادى خلال هذه الفترة الماضية، وفى المقابل فإننى لم أكتف بالجلوس فى منزلى «لأضع يدى على خدى» لكن بالعكس مارست دورى التثقيفى والتوعوى على الوجه الأكمل من خلال عملى كمحاضر للدراسات العليا بكلية الآداب جامعة القاهرة، ومحاضر فى معهد إعداد القادة، ومستشار ثقافى لمؤسسة التعليم أولاً، ولدى العديد من الأنشطة الاجتماعية والسياسية والخيرية التى أحرص عليها، وشاركت فى الحوار الوطنى، وكنت متحدثا رئيسيا فى معظم الندوات والمؤتمرات التى تناولت نبذ ظواهر مثل العنف والتطرف والإرهاب، وكذلك أيضاً التى تطرح قضايا هامة مثل الوحدة الوطنية ودورها فى الحفاظ على أمن مصر القومى، وأيضاً حرصت على دعم ملف الثقافة والفن والدراما، وإلقاء الضوء على أهميته فى بناء الوعى لدى الإنسان والتأكيد على الهوية، فكل هذه الأدوار الوطنية مارستها أثناء فترة ابتعادى عن الساحة الفنية لإيمانى الشديد بأهميتها وأنها لا تقل عما أقدمه من أعمال فنية.
أما بالنسبة لأسباب عودتى للساحة الفنية تتلخص فى كونى ممثلا وأفتخر بهذا ومؤمن بأهمية الرسالة التى يقدمها الفن والفنان، لذلك دائما كان التمثيل واحشنى وكذلك الظهور على الشاشة والجمهور واحشنى كثيراً، لذلك رجعت مرة أخرى للفن عودا حميدا من خلال المسرح والتليفزيون والإذاعة..
يقال إن أداءك المتميز لشخصية «جلوستر» فى مسرحية «الملك لير» كان سبب ظهورك فى الدراما التليفزيونية هذا العام من خلال شخصية «منصور الجوهرى»؟!
نجاحى فى دور «جلوستر» بمسرحية «الملك لير» ليس له علاقة بعودتى للدراما التليفزيونية، ولكن اشتراكى فى مسلسل «على كلاى» كان بناء على اتفاق مع المخرج محمد عبدالسلام منذ فترة طويلة قبل اشتراكى فى مسرحية «الملك لير»، ومن ثم يتضح أن ترشيحه لى للاشتراك فى هذا المسلسل من دون أن يشاهد أدائى فى «الملك لير» هو والنجم أحمد العوضى فهما اللذان رشحانى لدور «منصور الجوهرى» فى مسلسل «على كلاى» حيث اتصلا بى وحدثنى أحمد العوضى بنفسه معرباً عن رغبته بأن أشاركه بطولة هذا المسلسل خلال الموسم الرمضانى الحالى، والحقيقة أن المخرج والعوضى قد أبديا تمسكهما وترحيبهما وإصرارهما على اشتراكى معهما فى هذا المسلسل ما جعل لدى إحساسا بالشجاعة ومنحنى دفعة قوية لقبولى هذا العمل الفنى، وبناء على ذلك طلبت أن أقرأ المسلسل بالكامل ووجدته مسلسلا جيدا ودورى به متميز فقبلت الاشتراك به على الفور.
المتأمل لأدائك لدورى «جلوستر ومنصور الجوهرى» يلمس مدى انعكاس دراستك لعلم النفس على إلمامك بالأبعاد النفسية من صراعات ودوافع وميول لكل منهما؟
من دواعى سرورى أن عودتى للمسرح قد جاءت من خلال مسرحية «الملك لير» مع النجم الكبير يحيى الفخرانى على خشبة المسرح القومى وهذا شرف كبير لى أن أشاركه بطولة هذا العمل الكلاسيكى لشكسبير وعلى المسرح القومى الذى يعد أقدم خشبة مسرح فى العالم العربى من خلال أدائى لدور جلوستر الذى يعد شديد الأهمية بالنسبة لى لأنه المعادل الموضوعى لشخصية «الملك لير» كما أننى سعدت جداً بإشادة جميع النقاد المسرحيين والفنانين والجمهور بتجسيدى لهذه الشخصية، وأوافقك فى الرأى تماماً بأن التركيبة النفسية لـ«جلوستر ومنصور الجوهرى» شديدة التعقيد خاصة أن منصور الجوهرى فى مسلسل «على كلاى» يعتبر الشخصية الوحيدة بالمسلسل المركبة فتتأرجح مشاعره فى صراع نفسى ما بين الطيبة والشر فرغم أنه ذو هيبة ومكانة كبيرة فى عالم قطع غيار السيارات إلا أنه فى الوقت نفسه كسر نفسياً عندما قدم أول تنازل وقبل شروط زوجته «ألمظ» بأن يدعى بأنه متبن «على كلاى» رغم أنه ابنه بالفعل وقام بإخفاء هذا السر عنه لمدة ثلاثين عاماً، وفى المقابل يحاول أن يعوضه بالمزيد من مشاعر الحنان والحب الزائد تجاهه ويميزه عن إخوته ويجعله ذراعه اليمنى كنوع من التكفير عن ذنبه فى إخفاء هذا السر عنه، والذى يعد نقطة ضعف فى شخصية منصور الجوهرى جعلت انفعالاته وسلوكياته تعيش صراعا نفسيا مع ابنه على كلاى ما بين الشد والجذب ويظهر هذا الصراع النفسى فى شخصية «منصور الجوهرى» من خلال تلون صوته وتعبيرات وجهه المؤثرة ولغة جسده، لذا أرجو أن أكون قد وفقت فى توصيل كل تفاصيل الحالة الوجدانية والانفعالية الخاصة به إلى الجمهور.
أما «جلوستر» نفس الشىء فهو ضحية إخلاصه الشديد ووفائه «للملك لير» وافتقاده فى الوقت نفسه للبصيرة بعدم تمييزه ما بين الخير والشر، ولم يستطع أن يعرف من الذى يحبه ومن الذى يكرهه من ابنيه فسقط فى فخ الخديعة التى اصطنعها ابنه الشرير «إدموند» وكانت النتيجة أنه يلقى المصير نفسه «للملك لير» فى نهاية العرض فكلتا الشخصيتان تندرجان تحت مفهوم الشخصيات المركبة ولذلك فإن العامل النفسى فيهما يلعب دورا كبيرا جداً فى تشخيصهما.
أعلنت ابتعادك عن الساحة الفنية بسبب أعمال العنف والبلطجة لأنك «دقة قديمة» ترفض الاشتراك فى هذه النوعية من المسلسلات فلماذا عدت مع «على كلاى» رغم ما به من أحداث تتنافى مع قناعاتك الفنية؟
لا يوجد مشهد واحد بمسلسل «على كلاى» يظهر فيه تدخين السجائر أو الشيشة أو استخدام السنج والمطاوى والسيوف فمسلسلى يخلو من كافة أشكال البلطجة ومشاهد الاختطاف لكن طبيعة أحداث هذا المسلسل تدور حول ملاكم يحب الملاكمة كرياضة ويجد فيها متنفساً لإثبات وجوده تعويضاً عن شعوره بأزمة أنه مجهول النسب التى يعانى منها وفى الوقت نفسه يمارس عملا خيريا بإنشائه دارا للأيتام على قطعة أرض يمتلكلها ويقوم بإنفاق جزء كبير من دخله سواء من مباريات الملاكمة أو من تجارة قطع غيار السيارات على دار الأيتام تعبيراً عن رغبته فى توفير الحماية الاجتماعية وتوفير السند الإنسانى لحالات الأطفال المماثلة لظروفه ما جعل شخصيته تندرج تحت مفهوم البطل الشعبى الذى ينتصر دائماً للحق فى كل مجريات وأمور حياته ويدافع عن الضغفاء فى حين أنه يعانى من الظلم طوال الوقت ومن ثم لا أعتقد أنه يوجد بهذا المسلسل بلطجة أو عنف أو حض على رذيلة معينة داخل المجتمع.
من صاحب فكرة ظهورك فى هذا المسلسل بـ «نيولوك جديد» أضفى عليك وسامة رغم تخليك عن شعرك؟
الفضل فى ظهورى بهذا الشكل الجديد علىّ يرجع إلى المخرج محمد عبدالسلام الذى اقترح علىّ حلاقة شعر رأسى كما أن الملابس من عباءات والعصا التى ظهر بها «منصور الجوهرى» كانت نتاج فكرة مشتركة ما بين المخرج محمد عبدالسلام والإستايلست دينا نصير وبالفعل كانت فكرتهما موفقة جداً، لذلك أدين لهما بالفضل لأن نجاح أى شخصية بنسبة 50فى المائة يرجع إلى الشكل الخارجى الذى تظهر به داخل العمل الفنى فكل هذه المفردات والعناصر مهمة جداً لاستكمال معالم أية شخصية يؤديها الممثل وتخدم أداء الممثل لدوره لأنه كان من الطبيعى أن أعود للدراما التليفزيونية بشكل مختلف وجديد ليكون مفاجأة للجمهور، وهذه التجربة الفنية تحديداً أراها مهمة جداً لأنه ينبغى على أى فنان أن يتنوع بتجسيده للشخصيات المختلفة التى يقدمها لجمهوره والتى تكشف أمامهم إمكانياته وإبداعاته المتعددة، لذلك كان هدفى من العودة أن يكون شكلى مختلفا عما هو معتاد عليه وبشكل يتناسب مع مرحلتى العمرية، وكنت أحرص على أن يلمس جمهورى أننى مازلت أتمتع بلياقتى الفنية التى لم تتأثر بغيابى عنهم بأى شكل من الأشكال.
وبالفعل فكل شىء فى هذا العمل جديد فهو أول لقاء فنى يجمعنى بالمخرج محمد عبدالسلام والنجم أحمد العوضى ودرة، ومعظم أبطال العمل الذين أعمل معهم لأول مرة فى حياتى، وكذلك شركة الإنتاج وحتى الفنيين «مديرى التصوير والإضاءة» وفى النهاية أشعر بالسعادة من رد فعل الجمهور تجاه عودتى وسعيد جداً بحفاوة استقبالهم وحبهم لى أثناء تواجدى فى حفلات الإفطار والسحور التى حضرتها حتى الآن، وردود أفعال الجمهور فى الشارع تجاه شخصية «منصور الجوهرى» وعلى وسائل التواصل الاجتماعى، كما أن إشادة كبار النقاد والصحفيين بدورى فى مسلسل «على كلاى» أخجلتنى لأننى أعرف أنهم لا يجاملون أحدا ويقولون الحق فعلا، فأسعدونى بآرائهم وشعرت بأن إصرارى على احترامى لجمهورى وتقديمى لكل ما هو جيد كان مردوده جميلا جداً.
صفعك للعوضى بالقلم ذكر البعض بمشهد عبدالحليم حافظ وعماد حمدى فى فيلم الخطايا ألم تخش من عدم تقبل الجمهور لك وسخطه عليك بسبب هذا المشهد المؤثر؟!
عندك حق بأن ضربى بالقلم للعوضى يذكر البعض بضرب عماد حمدى لعبدالحليم حافظ بالقلم فى «فيلم الخطايا» فالكثيرون من المعجبين بأحمد العوضى زعلوا منى جداً ومن بينهم أولادى لأنهم يحبونه، وهم الذين أصروا على قبولى الاشتراك فى هذا المسلسل لأنهم يرون فى «على كلاى» شخصية البطل الشعبى الذى يتمتع بمواصفات ابن البلد الجدع فهناك بالفعل كثيرون زعلوا منى بسبب مشهد ضربى له بالقلم وتساءلوا كيف أفعل ذلك فى بطل المسلسل «على كلاى»؟!
خاصة أننى أقوم بحمايته وأحبه طوال أحداث المسلسل فتعجبوا من هذه النقلة الدرامية فى شخصية «منصور الجوهرى» علماً بأن هذا القلم كان مهم جداً درامياً خاصة بعد أن تسبب «على كلاى» فى ضياع أموال أبيه بمعاداته لمختار السندى الفنان «بسام رجب» كبير تجار سوق السيارات بسبب إجراء «على كلاى» صفقة شراء سيارات صينية من دون علمه فكل هذه الأمور كان يعى «منصور الجوهرى» مدى خطورتها لأنها تسببت فى ضياع ثروة عائلة الجوهرى وبالرغم من طرد «منصور الجوهرى» وضربه لابنه «على كلاى» بالقلم إلا أن الجمهور شعر بمدى تأثرى بهذا الانفعال تجاه على كلاى ورد فعلى بهذا المشهد أظهر تأثرى وحزنى لما فعلته مع ابنى على كلاى ولسان حالى ونظراتى المعبرة كانت تقول لماذا اضطررتنى أن أفعل ذلك معك يا «على» ؟!
لأن منصور الجوهرى يحبه ولم يكن يرغب فى قيامه بهذا التصرف معه، فشخصية «منصور الجوهرى» تعيش طوال المسلسل حالة من الصراع ما بين الحزم وانفعالاته الوجدانية ومشاعر أبوته لابنه «على كلاى» الذى يعد نقطة الضعف فى حياة «منصور الجوهرى» بسبب حبه له.
تجسيدك لدور «منصور الجوهرى» يراه البعض يمثل تهديدا للفنان الكبير رياض الخولى الذى انفرد خلال الفترة الأخيرة بتقديمه دور «كبير العائلة»؟!
عودتى لا تهدد الفنان الكبير رياض الخولى لأنه فنان كبير وصديق عزيز جداً وغالٍ، وعملنا سوياً زمان كثيراً جداً، وهناك فنانون كثيرون يقومون بنفس هذه الأدوار فى هذه المرحلة السنية، وكل فنان له طعم ولون وطريقة أداء لأدواره مختلفة تماماً، عن الآخر حتى لو قدموا شخصية واحدة فسنجد تناول كل فنان لها مختلفا عن الآخر، لأن شخصية كبير العائلة تستعرض مراحل معينة قد تختلف من شخصية لأخرى داخل الأعمال الفنية من حيث الأحداث والبيئة التى تعيش فيها، وبالتأكيد هناك اختلافات جوهرية تتعلق بطبيعة شخصية كبير العائلة داخل كل عمل فنى وفى النهاية التنافس الشريف داخل الساحة الفنية يهب الجودة لأى عمل ويلعب دوراً حقيقياً فى نجاحه.
هل مازلت تتمسك بحلمك القديم فى تقديمك لشخصية عمر بن عبدالعزيز التى سبق وأن قدمها كل من الفنانين نور الشريف ومحمود ياسين؟! وما أحدث أخبارك الفنية؟!
أتمنى بالفعل أن أجسد شخصية عمر بن عبدالعزيز خامس الخلفاء الراشدين للمرة الثالثة بعد نور الشريف ومحمود ياسين لأنه الإمام العادل وشخصيته بها كل مواصفات البطل التراجيدى وتتعلم منها الأجيال الحالية دروسا مستفادة فى كيفية علاقة الحاكم بالمحكوم ورعيته فهذه الشخصية ثرية جداً وتغرى أى فنان لكى يؤديها.
أما فيما يخص آخر أخبارى الفنية فقد تلقيت اتصالات من بعض الشركات الإنتاجية لأشترك فى أعمال فنية جديدة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة ولم أتخذ حتى الآن قرارا نهائيا لتقديم أى منها، كما أننا سوف نستأنف عرض مسرحية «الملك لير» فى ثانى أيام عيد الفطر بالمسرح القومى، علماً بأنه كانت هناك خطة لعدة سفريات لعرض مسرحية «الملك لير» داخل بعض الدول العربية لكنها أرجأت بسبب الحرب القائمة داخل منطقة الشرق الأوسط.