بين ليلة وضحاها انقلبت الأوضاع الاقتصادية فى العالم رأسا على عقب، ودخل الاقتصاد العالمى فى متاهة معقدة نتيجة الحرب المشتعلة فى الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذى أحدث ارتباكا شديدا فى سلاسل الإمدادات على مستوى العالم، وأثار مخاوف من تأثيراته على الأسواق المحلية والدولية، وهو ما تنبهت له الحكومة؛ فاتخذت إجراءات استباقية لتأمين المخزون الاستراتيجى ودعم الإنتاج المحلى، ما انعكس اليوم فى مؤشرات الجاهزية والاستقرار، مدعومة بمخزون آمن وإجراءات وقائية عززت قدرة الدولة على مواجهة أى تداعيات خارجية وضمان استمرار تلبية احتياجات المواطنين دون أى اضطرابات.
أكد اتحاد الصناعات أن مصر كانت سباقة فى اتخاذ خطوات استباقية على مدار الأعوام الماضية، عبر إنشاء شبكة متكاملة من الصوامع والمخازن الاستراتيجية، بهدف حماية السوق المحلية من أى صدمات خارجية، سواء كانت تذبذبًا فى الأسعار أو تعطلاً فى سلاسل التوريد، بما يعكس رؤية واضحة للحفاظ على استقرار الاقتصاد وضمان أمن المواطنين الغذائى.
وقال حازم المنوفى، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية: إن التصعيد المتواصل بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل خلق حالة قلق عالمى فى أسواق السلع الأساسية، وأن السوق المصرى يمتلك من عوامل الاستقرار ما يسمح له بتجاوز تأثيرات الأزمة بأقل ضرر ممكن، فالسنوات الماضية شهدت بناء منظومة قوية للأمن الغذائى، تشمل تنويع مصادر الاستيراد وزيادة القدرة الإنتاجية المحلية وتوسيع المخزون الاستراتيجى للسلع الأساسية.
وأشار إلى أن قطاع الصناعات الغذائية على سبيل المثال يعد واحدًا من أكثر القطاعات المرنة أمام الصدمات الخارجية، مشيرا إلى أن الأزمات الدولية السابقة من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية - الأوكرانية اختبرت بالفعل قدرة القطاع على التكيف، وهو ما يجعل تأثير الحرب الحالية أقل حدّة مما قد يحدث فى دول أخرى، فالتوتر فى منطقة الخليج وجنوب إيران والبحر الأحمر قد ينعكس على تكاليف الشحن العالمية، فى حين أن مصر قامت خلال العامين الماضيين بتوسيع بدائل الشحن وتوقيع اتفاقات جديدة، ما يسمح باستمرار تدفق واردات الخامات الغذائية دون توقف.
وأوضح أن الجانب الأكثر تعقيدا هو أسعار الخامات المستوردة التى تدخل فى الصناعات الغذائية مثل الزيوت ومحسّنات الخبز والمواد المضافة، فالاضطرابات العالمية قد ترفع أسعار بعض السلع، لكن القطاع لديه قدرة على امتصاص جزء كبير من هذه الزيادات دون تحميل المستهلك عبئًا مباشرًا، خاصة أن المخزون الاستراتيجى الذى تبنيه الدولة بصفة مستمرة يلعب دورا رئيسيا فى حماية الأسعار من التقلبات، ما يحدّ من تأثير الأزمة على السوق المحلى، والتعاون بين شعبة المواد الغذائية والحكومة والجهات المعنية يجرى على مدار الساعة لرصد أى تغيرات قد تمس سلاسل الإمداد، كما أن التنسيق الحالى يسمح باتخاذ إجراءات استباقية مثل زيادة الواردات من أسواق بديلة، وتسهيل الإفراج الجمركى، وإعطاء أولوية للسلع الغذائية داخل الموانئ.
ونوه بأن الحرب الحالية، مهما كانت حدّتها، لن تهدد الأمن الغذائى فى مصر، فالقطاع الخاص يعمل بالتوازى مع الحكومة لزيادة الإنتاج المحلى وترشيد الاعتماد على الواردات، خاصة فى المنتجات التى يمكن تصنيعها داخل البلاد، وهناك توجه قوى نحو توطين الصناعات الغذائية وتقليل فجوة الاستيراد، وهو ما يعزز مرونة القطاع فى مواجهة أى اضطراب دولى.
وكشف «المنوفي» عن أن المستهلك لن يشهد تغيرات كبيرة فى الأسعار فى الوقت الحالى، وأن الأسواق تعمل بشكل طبيعى دون نقص فى أى سلعة، فالقطاع يتعامل بحذر وهدوء دون اتخاذ أى قرارات تسعيرية غير مبررة، وأن الانضباط فى السوق ناتج عن وفرة السلع، وزيادة الإنتاج وتدخل الدولة عند الحاجة لضبط أى انحرافات سعرية، مؤكدا أن الرسالة الأساسية للجمهور هى أن قطاع الصناعات الغذائية مستعد، والسلع آمنة، والسوق المصرى قادر على الصمود أمام أى تطورات فى الحرب الدولية الجارية.
قال الدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، إن «سوق الدواء فى مصر لا يشهد حالياً أى أزمات فى الإمدادات، فالمخزون المتاح من المواد الخام ومواد التعبئة إلى جانب الأدوية الجاهزة يكفى لفترة آمنة تمتد لعدة أشهر، رغم التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب فى المنطقة».
«عوف» شدد على أن «مخزون المواد الخام ومواد التعبئة لدى شركات الأدوية يكفى لمدة 6 أشهر، بينما يتوافر مخزون من الأدوية المنتجة بالفعل لدى المصانع والموزعين والصيدليات يكفى نحو 4 أشهر، ما يعنى أن إجمالى الحد الآمن للمخزون الدوائى فى مصر يصل إلى نحو 10 أشهر، كما أن شركات الأدوية تعتمد على نظام لإدارة المخزون يقوم على البدء فى طلب شحنات جديدة من المواد الخام عندما ينخفض المخزون إلى نحو 3 أشهر، بهدف الحفاظ على مستوى ثابت من المخزون يبلغ 6 أشهر».
كما أشار رئيس شعبة الأدوية إلى أن «تطورات الحرب الأخيرة قد تفرض تحديات جديدة على سلاسل الإمداد الخاصة بالمواد الخام الدوائية، فإغلاق أو اضطراب الملاحة فى منطقة باب المندب قد يدفع السفن إلى سلك طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يؤدى إلى زيادة زمن الشحن وارتفاع تكلفته»، مضيفًا أن «شركات التأمين الدولية أعلنت أيضاً رفع أسعار التأمين على الشحنات بنحو 50فى المائة بسبب المخاطر المرتبطة بالحرب، وهو ما يمثل عبئاً إضافياً على تكلفة الاستيراد، وكل هذه تحديات تضغط على المنتجين، وشركات الأدوية يمكنها فى الوقت الحالى تحمل التكاليف الحالية لمدة تقارب 3 أشهر، لكن مع بدء دورة استيراد جديدة للمواد الخام قد يصبح من الضرورى النقاش مع الحكومة لضمان الحفاظ على استقرار السوق وضمان استمرار توافر الأدوية».
ولفت «د. علي» إلى أن «تداعيات الحروب عادة ما تستمر لفترات طويلة»، مستشهداً بالحرب الروسية _ الأوكرانية التى استمرت لسنوات، وهو ما يجعل من الصعب التنبؤ بموعد انتهاء التوترات الحالية أو آثارها الاقتصادية على سلاسل الإمداد العالمية.