رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«أنس AI».. تربية بالصوت والصورة


13-3-2026 | 14:17

الدكتور مصطفى عبدالكريم.. أمين الفتوى بدار الإفتاء والمشرف العلمى على المسلسل

طباعة
حوار: أميرة صلاح

فى زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه حدود الواقع بالعالم الافتراضي، بات السؤال ملحًا: كيف يمكن للخطاب الدينى أن يواكب هذه المتغيرات دون أن يفقد أصالته؟ وكيف نخاطب طفلًا وُلد فى عصر الشاشات الذكية والذكاء الاصطناعى بلغة يفهمها، دون أن نفرط فى الثوابت أو نختزل القيم؟

من هنا جاءت تجربة مسلسل «أنس AI» لدار الإفتاء بوصفها محاولة جادة لمدّ الجسور بين القيم الدينية الراسخة وأدوات العصر الحديثة، عبر قالب كرتونى يجمع بين التشويق والبناء التربوى الرصين.

فالعمل لا يقدّم مجرد حكايات للأطفال، بل يطرح رؤية متكاملة لكيفية التعامل الواعى مع التكنولوجيا.

 

 

الدكتور مصطفى عبدالكريم، أمين الفتوى بدار الإفتاء والمشرف العلمى على المسلسل، تحدث فى حوار مع «المصور» عن فلسفة العمل وأبعاده الفكرية، وحدود توظيف الذكاء الاصطناعى فى المجال الديني، والدور الذى تضطلع به المؤسسة فى مراجعة المحتوى وضبط رسائله. كما نناقش معه مفهوم تجديد الخطاب الدينى فى العصر الرقمي.

وقال «عبدالكريم»: يعد القالب الكرتونى اللغة العالمية الأكثر جذبًا للأطفال والأقدر على النفاذ إلى مخيلتهم وتشكيل وجدانهم بعيدًا عن أسلوب التلقين المباشر الذى قد يبعث على الملل. وعلى ذلك، فتحويل القيم المجردة إلى شخوص وأحداث بصرية يجعل من المعلومة الدينية تجربة حية تُحفر فى الذاكرة، مما يسهل عملية الاقتداء والتعلم بالقدوة من خلال أبطال العمل. كما أن الرسوم المتحركة تتيح مساحة واسعة من الخيال لتبسيط مفاهيم معقدة مثل «الذكاء الاصطناعي» وربطها بالأخلاق المحمدية بطريقة مشوقة تناسب الطبيعة الفطرية للطفل. نحن نؤمن أن التربية بالصورة والصوت فى العصر الرقمى أصبحت ضرورة ملحة لمزاحمة المحتويات التى قد لا تتناسب مع هويتنا، وتقديم بديل آمن يجمع بين المتعة البصرية والسمو الروحى والفكرى لجميع أفراد الأسرة المصرية.

وأضاف: تتمحور الفكرة الأساسية للمسلسل حول رحلة طفل مصرى ذكى يدعى «أنس»، يعيش فى كنف أسرة مترابطة، ويخوض مغامرات يومية يتداخل فيها الواقع، الذى يتسم بغلبة التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعى عليه. ويسلط العمل الضوء على كيفية التعايش فى هذا العصر ومع التطور التكنولوجى الهائل دون فقدان البوصلة الأخلاقية أو الهوية الدينية التى تشكل جوهر شخصيتنا.

وأوضح: يعمل المسلسل على «أنسنة» التكنولوجيا عبر وضعها فى سياق مواقف حياتية واقعية يواجهها الطفل المصري، مثل التفاعل مع منصات التواصل الاجتماعى أو البحث عن المعلومات عبر الإنترنت. فنحن نربط بين قيمة «التثبت» القرآنية وبين مخاطر الأخبار الزائفة والنتائج المضللة التى قد يقدمها الذكاء الاصطناعى أحيانًا، ليتعلم الطفل أن النقد والتدقيق جزء من إيمانه. الهدف هو إيجاد لغة حوار بين الأطفال والقائمين على التوجيه والتربية، وأيضًا لا يخلو المسلسل من توجيهات خاصة للمربين من خلال ما يتعرضون له فى مواقفهم مع أولادهم ومن يربونهم.

وعن توظيف مفهوم الذكاء الاصطناعى داخل عمل دينى موجه للأطفال، قال «عبد الكريم» إن استخدام (AI) إشارة إلى الذكاء الاصطناعى فى هذا العمل هو مجرد رمزية لطبيعة العصر الذى نعيش فيه ونربى فيه أبناءنا، فلا بد من الاعتراف بأننا نعيش فى عصر «الرقمنة الشاملة»، وأن الخطاب الدينى يجب أن يكون مواكبًا لهذه المتغيرات وليس بمعزل عنها. من خلال المواقف التى تحصل فى المسلسل نسعى إلى غرس مفاهيم «الأمانة» و«مراعاة الخصوصية» فى نفوس الصغار، وتعريفهم على مكارم الأخلاق وحسن التصرف فى المواقف المختلفة. إنها محاولة جادة لصناعة وعى دينى ذكي، يفهم أدوات عصره ويستخدمها فى عمارة الأرض ونشر الخير.

وأضاف : حرص المسلسل على بيان أن الفتوى أمر غاية فى التخصص ولا يمكن للذكاء الاصطناعى أن يحل محل الإنسان المتخصص الذى ميزه الله بالعقل والذى بذل أوقاته وحياته فى سبيل التعلم حتى ينفع نفسه وغيره بالفتاوى الرشيدة التى تحفظ الإنسان وتعمر الأكوان. فالفتوى هى صناعة شرعية تتطلب إدراكًا للواقع وفهمًا لمقاصد الشريعة. نحن نوضح للأطفال والأسرة أن الفتوى «توقيع عن رب العالمين» لا يمكن أن ينهض بها محرك بحث، لأنها تحتاج إلى قلب يشعر وروح تدرك مآلات الأفعال، وهو ما تفتقر إليه الآلة الصماء.

«عبدالكريم» أوضح أنه بالرغم من أن المسلسل يتخذ من الطفل «أنس» بطلاً له، إلا أنه عمل «عائلي» بامتياز يستهدف الأسرة المصرية بكافة مكوناتها، من الأجداد وصولًا إلى الأحفاد. نحن ندرك أن التحديات التكنولوجية لا تواجه الطفل وحده، بل تضع الوالدين فى حيرة من أمرهم حول كيفية التوجيه والرقابة دون قمع أو تسلط، ولذلك يقدم العمل نماذج لحوار أسرى راقٍ. يجد الآباء فى المسلسل إجابات عن تساؤلات صعبة قد يطرحها الأبناء، ويجد الأبناء فيه لغة تحترم ذكاءهم وتلبى شغفهم بالابتكار، مما يجعله نقطة التقاء ثقافية وقيمية بين الأجيال. إن المسلسل يسعى لترميم العلاقات الأسرية التى قد تكون التكنولوجيا فرقتها، من خلال جمع العائلة حول شاشة واحدة لمناقشة قضايا تمس واقعهم المعاصر.

وقال تمت كتابة الحلقات اعتمادًا على دراسات فى علم نفس النمو والتربية، لضمان أن اللغة المستخدمة بسيطة بما يكفى للأطفال، وعميقة بما يكفى لإقناع الكبار وإثارة تفكيرهم. كما حرصنا على استخدام مفردات بيئتنا المصرية الأصيلة التى تعزز الشعور بالانتماء، مع دمج المصطلحات التقنية الحديثة بشكل تدريجى ومبسط ليتمكن الطفل من استيعابها ضمن سياقها الصحيح. كما تمت مراعاة التنوع فى طرح القضايا، فبعض الحلقات تركز على السلوك الأخلاقى البسيط، بينما تذهب حلقات أخرى لمناقشة مفاهيم فلسفية عن الوعي، لتغطى قضايا هذا الجيل من الأطفال والأسرة جميعًا. هذا التوازن الدقيق يضمن أن يخرج كل مشاهد بفائدة تناسب سنه وخلفيته الثقافية، مما يحقق شمولية الفائدة واستدامة الأثر التربوى للعمل.

ولفت إلى أن المسلسل فى قالب يجمع بين التشويق وكوميديا الموقف، إضافة إلى أنه خاطب الأطفال بما يشغلهم من أفكار وطموحات وأساليب تواصل، مما ساهم بشكل كبير فى جذب الأطفال إليه، وقال إن التعاون مع أكاديمية البحث العلمى يضمن تقديم محتوى دقيقًا مبنيًا على أسس علمية سليمة، ويساهم فى إكساب العمل عمقًا معرفيًا ومصداقية عالية، بما يحقق التكامل بين القيمة الفنية والرسالة التربوية الهادفة. إضافة لذلك، فإن هذا التعاون يؤكد مدى تكاتف مؤسسات الدولة المصرية وحرصها على تقديم محتوى هادف يساهم فى وعى النشء وغرس القيم الدينية والتربوية والوطنية، بما يخدم مصلحة الوطن ويرسخ قيم الانتماء والمسؤولية. كما يعزز صورة المؤسسة الدينية كداعمة للابتكار والبحث العلمي، ويؤكد أن دار الإفتاء المصرية تمد يدها لكل التخصصات من أجل تقديم محتوى وطنى متكامل يبنى الإنسان المصرى بناءً شاملاً.

وتابع أن المسلسل لم يهدف فقط إلى تقديم القيم الدينية والتربوية، إنما اهتم أيضًا بالجانب العلمى وكيفية تنميته وتشجيعه عند الأطفال. تم توظيف مفاهيم الذكاء الاصطناعى بناءً على أسس تقنية صحيحة، وليس مجرد تخيلات مرسلة. من الناحية التربوية، غرس هذا التعاون فى وجدان الطفل أن «العالم» و»الشيخ» يعملان معًا من أجل مصلحة المجتمع، مما ينهى الفجوة الذهنية بين العلوم الشرعية والعلوم التجريبية. لقد تحول المسلسل من مجرد قصص كرتونية إلى «منهج حياة» يجمع بين القيم الروحية وأدوات العصر، مما ينمى لدى الناشئة التفكير النقدى والقدرة على فهم العالم الرقمي.

وحول ردود الفعل عن المسلسل أكد «عبدالكريم» أن الأفعال جاءت لتؤكد أن الشعب المصرى الواعى يتطلع بشغف إلى وجود أعمال فنية راقية هادفة، تلبى احتياجات أبنائه التربوية والثقافية. كما عكست هذه الردود حجم الثقة والمصداقية التى تحظى بها دار الإفتاء المصرية لدى الجمهور، وهو ما يحملنا مسؤولية مضاعفة فى توظيف مختلف الوسائل الحديثة لخدمة رسالتنا فى حماية الأسرة المصرية وتعزيز القيم الأخلاقية والتربوية وبناء وعى النشء على أسس سليمة. كشفت ردود الفعل عن «تعطش» حقيقى لدى الأسر المصرية لمثل هذا المحتوى الهادف، وشملت الإشادات جانب الرسوم والتحريك، ما يعزز ثقتنا فى المنهج المتبع. هذه الردود تعكس وعى المجتمع بضرورة وجود خطاب دينى معاصر يخاطب الأجيال الجديدة بلغتهم، بعيدًا عن الجمود.

وأوضح أن مسلسل «أنس AI» هو جزء من سلسلة تربوية بدأت بالمسلسل الإذاعى «حكايات أنس»، الذى عُرض على إذاعة راديو مصر لمدة 3 سنوات. تم اختيار اسم «أنس» لبطل العملين لما يحمله من دلالات تربوية وإنسانية؛ فالاسم يدل على الألفة والطمأنينة والقرب، وهى معان نسعى إلى غرسها فى نفوس الأطفال، كما يرتبط بالصحابى الجليل أنس بن مالك الذى نشأ فى بيت النبوة وتربى على أخلاقها، فكان نموذجا فى الأدب والعلم والدين. إضافة إلى ذلك، الاسم مألوف ومحبب لدى المجتمع المصري، مما يجعله معبرًا عن رسالة العمل فى تقديم نموذج طفل إيجابى قريب من القلوب، يبعث على الطمأنينة ويجسد القيم الدينية والتربوية بأسلوب جذاب يلامس وجدان الأطفال ويؤثر فى سلوكهم.

وذكر أن مسلسل «أنس AI» هو قلب عملية «تجديد الخطاب الديني» التى تتبناها دار الإفتاء، فهو تجديد فى «الوسيلة» مع الحفاظ على «الثوابت». التجديد هنا يعنى ألا نظل نحدث الأطفال عن الفضيلة بأساليب قديمة لم تعد تجذبهم، بل نذهب إليهم فى عالمهم الرقمى ونقدم لهم القيم فى قالب «الأنيميشن» الذى يعشقونه. فهذا المسلسل نموذج عملى لتجديد الخطاب الدينى عبر أدوات معاصرة، من خلال تقديم القيم الدينية فى قالب فنى جذاب ولغة بسيطة تناسب عقلية الطفل وواقع العصر الرقمي.

وأضاف هناك توجه جاد لدراسة تقديم مواسم جديدة من المسلسل، إلى جانب توسيع التجربة لتشمل أعمالًا تربوية وفنية مشابهة، تستهدف مراحل عمرية مختلفة وتواكب تطورات الواقع الرقمى واحتياجات النشء. وذلك فى إطار رؤية شاملة لبناء محتوى هادف ومستدام، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعزز القيم الدينية والتربوية بأساليب مبتكرة وجذابة. وبطبيعة الأمور، فإن النجاح المبدئى والتفاعل المجتمعى القوى يدفعنا بالتأكيد للاستمرارية.

أخبار الساعة