فى ليلةٍ من ليالى الموالد بالصعيد، كانت الساحة تضجّ بالبشر كما لو أن القرية كلّها خرجت من بيوتها دفعةً واحدة، وأظنك تتخيل المشهد الآن القارئ العزيز: أضواء خافتة تتدلّى فوق الرؤوس، غبارٌ خفيف يرتفع مع حركة الأقدام، وهمسات تنتظر الانفجار. ثم صعد هو. عمامته البيضاء تميل قليلًا إلى اليمين، ووجهه الأسمر يلمع تحت الضوء المرتجف، وعيناه نصف مغمضتين كأنه يستمع إلى نداءٍ داخلى قبل أن ينطق. وما إن خرج الصوت حتى تغيّر كل شىء.
لم يكن صوتًا عاديًا، بل اندفاع كالسيل يشقّ صمت الليل ويطرق القلوب طرقًا. توقفت حركة الباعة، وارتجفت أكتاف الرجال، وبكت نساءٌ لم يعتدن البكاء أمام الناس. هنا، يا عزيزى، لم تكن تسمع تلاوة فحسب، بل تشهد عاصفة. كان ذلك هو الشيخ السيد متولى عبدالعال، الصوت الذى صار أسطورة فى الشوارع قبل أن تعترف به المنصّات.
من هنا تبدأ الحكاية، لا كسردٍ تقليدى لسيرة مقرئ، بل كظاهرةٍ صوتية صنعت فضاءً خارج الضوء الرسمى. وُلد السيد متولى عام 1930 فى صعيد مصر، فى بيئةٍ تعرف القسوة كما تعرف الصبر، وأنت تعلم يا صديقى كيف يصنع الصعيد رجاله من نارٍ هادئة. حفظ القرآن صغيرًا وتشرّب أصول التلاوة، لكن ما ميّزه لم يكن مجرد إتقان الأحكام، بل تلك الطاقة الخام التى تسكن حنجرته، ولُقّب بالحنجرة الفولاذية، وكان اللقب وصفًا لقدرةٍ استثنائية على الإمساك بالنفس طويلًا ثم إطلاقه دفعةً واحدة كإعصارٍ رخيم يهزّ الساحة ومن فيها.
غير أن السر لم يكن فى القوة وحدها، وهنا يا عزيزى تبدأ طبقة أعمق من الحكاية. كثيرون امتلكوا أصواتًا جميلة، لكن قلّة فقط عرفوا كيف يطوّعون المقام لخدمة المعنى. كان يتعامل مع المقامات كما يتعامل الفلاح مع أرضه؛ يعرف متى يزرع ومتى يحصد. يبدأ بالصبا لا ليغرق فى الحزن، بل ليصنع منه غضبًا نبيلًا، ثم ينتقل إلى البيات كأنه يفتح نافذة رجاء. انتقالاته لم تكن استعراضًا، بل ضرورة شعورية، فإذا مرّ بآية وعيد شعرت أن صوته يضرب الأرض تحت قدميك، وإذا لامس آية رحمة أحسست أن شيئًا فى داخلك ينكسر لينفتح.
هنا تكمن فرادته يا القارئ العزيز. لم يكن صوتًا مروّضًا يناسب الاستوديوهات، بل صوت حيًّ يناسب الساحات. بينما كانت أصوات القاهرة الرسمية تتزيّن بتعقيداتٍ مقامية محسوبة، اختار هو المباشرة القوية والنبرة الصافية التى تخترق الضجيج. صوته لا يلتفّ حول المعنى بل يقتحمه. ولذلك أحبه البسطاء الذين وجدوا فى قوته تعويضًا عن ضعفهم اليومي. كان إذا مدّ النفس فى آية طويلة شعر المستمع أن الصبر يتمدد معه، وأن الإيمان لا ينقطع ما دام الصوت متصلًا.
وتُروى عنه واقعة فى إحدى قرى الصعيد تجسّد هذا الفارق. سبقه مقرئ مشهور من العاصمة بقراءةٍ متقنة أبهرت الحضور، لكن الساحة بقيت باردة. وحين جاء دور السيد متولى، جلس بين الناس لا فوقهم، وعدّل عمامته وبدأ من سورة ق. اختار آية النفخ فى الصور، ومدّ النفس مدًّا بدا متحديًا حدود الجسد. ارتفع صوته فجأة، قويًا، جارفًا، كأن القيامة قامت فى المكان. صرخ الرجال الله، وانقلب الصمت إلى موجة تفاعل عارمة. لم يكن انتصارًا فنيًا فقط، بل انتصار هوية؛ صوت الهامش يهزم صوت المركز.
ومع ظهور أشرطة الكاسيت وجد هذا الصوت طريقه إلى الناس. لم ينتظر اعتراف الإذاعة، ولم يحتج إلى رعاية مؤسسة. انتشر فى الأسواق والمقاهى والبيوت، يتنقل من يدٍ إلى يد حتى صار جزءًا من الحياة اليومية. خلق لنفسه فضاءً لا تحكمه المنصّات، بل القلوب.
ورغم شعبيته الجارفة، بقى بعيدًا عن النجومية المصنوعة. لم يسعَ إلى صورةٍ لامعة، ولم يبدّل جلسته أو نبرته لتناسب الذوق الرسمى. كان يرى نفسه حاملًا للقرآن قبل أن يكون نجمًا. يُحكى أنه رفض أجرًا مضاعفًا حين شعر أن الدعوة لا تليق بحرمة التلاوة. كان يعرف أن الصوت إذا فقد صدقه فقد كل شيء.
إن الحديث عن الشيخ السيد متولى عبدالعال ليس استعادةً لاسمٍ شعبى فحسب، بل قراءة لمرحلةٍ كاملة من تاريخ التلاوة فى مصر. مرحلة خرج فيها صوتٌ من قلب الصعيد ليقول إن الهيبة لا تُصنع فى الاستوديو، بل فى الساحات، وإن القوة لا تعنى الخشونة بل الصدق. لقد أعاد تعريف العلاقة بين القارئ وجمهوره، فجعلها علاقة مشاركة لا عرض.
ربما تشعر الآن بشيءٍ من الدهشة يا عزيزى القارئ. كيف مرّ اسمٌ كهذا دون أن يحتلّ مكانته فى الذاكرة العامة؟ ولماذا سمعنا عن نجوم المنصّات أكثر مما سمعنا عن سلطان الساحات؟ ذلك السؤال هو ما يجعل هذه السلسلة ضرورة لا ترفًا.
السيد متولى لم يكن مجرد حنجرة فولاذية، بل كان موقفًا. وإذا كان قد رحل عام 1998، فإن أثره لم يرحل؛ ما زال يتردد فى تسجيلٍ قديم يُشغَّل فجأة فى مقهى شعبي، وفى قارئٍ شاب يحاول أن يمسك بالنفس طويلًا كما كان يفعل هو.
وهنا فقط ندرك، يا صديقي، أننا لم نرفع سوى طرف الستار. فى الأسبوع القادم نقترب من سلطانٍ آخر، وصوتٍ يحمل سرًا جديدًا من أسرار التلاوة. الرحلة بدأت تشتعل، ومن يواصل السير معنا سيكتشف أن وراء كل صوتٍ عظيم تاريخًا يليق به، وقصةً أكبر مما سمعنا.