فى شهر رمضان، تتبدّل ملامح الحياة فى مصر لتغدو أكثر دفئًا وقربًا بين الناس. فقبل دقائق من أذان المغرب، تتصاعد روائح الطعام من البيوت، بينما تمتد موائد الإفطار لتجمع القلوب قبل الأجساد. فى هذه اللحظات التى تتكثف فيها معانى الرحمة والتكافل، لا تبقى روح رمضان حكرًا على المسلمين وحدهم، بل تمتد لتلامس وجدان المصريين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، فى مشهد إنسانى يعكس عمق التعايش وروح المحبة التى تميز المجتمع المصرى.
الراهب الكاثوليكى، أنطونيوس أبوالخير الفرنسيسكانى، يرى فى حوار مع «المصور» أن أجواء رمضان فى مصر تحمل طابعًا خاصًا من الروحانية والدفء الإنساني، إذ تزدحم الشوارع قبيل الإفطار بالحركة، وتتعالى أصوات المساجد بالدعاء، بينما تتجسد قيم المشاركة والتضامن بين الجيران والأصدقاء. وفى هذا الحوار، يتحدث الراهب عن انطباعاته تجاه رمضان، وما يلمسه من معانٍ روحية وإنسانية مشتركة بين الصوم فى الإسلام والتقاليد الروحية فى المسيحية، إضافة إلى رؤيته لدور هذه الأجواء فى تعزيز التفاهم والتعايش بين أتباع الديانات المختلفة.
وعن الملامح المشتركة بين الصوم الإسلامى والصوم فى التقليد الكاثوليكي، قال «أنطونيوس» إن هناك ملامح إنسانية وروحية مشتركة عميقة، ففى الإسلام كما فى المسيحية، الصوم هو زمن توبة، وضبط للنفس، وعودة إلى الله، وتضامن مع الفقراء.
وتابع: فى التقليد الكاثوليكي، خاصة فى زمن الصوم الأربعيني، نعيش دعوة الإنجيل إلى «متى صمتم فلا تكونوا عابسين» (متى 6). الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تحرير القلب من الأنانية. وهذا المعنى نجده حاضرًا بقوة فى شهر رمضان عند إخوتنا المسلمين: جهاد النفس، الصدقة، صلاة، قرآن، رحمة.
ويضيف: «الاختلاف العقائدى موجود بطبيعة الحال، لكننا نرى فى الصوم قيمة مشتركة: الإنسان أكبر من رغباته، والله يستحق أن يكون الأول فى حياته، وهنا نتذكر أبانا القديس فرنسيس الأسيزى الذى عاش الصوم كطريق فرح وتحرر، لا كحزن أو تشدد».
وعن مشاهد المشاركة الوجدانية بين المسلمين والمسيحيين فى مصر خلال شهر رمضان، أكد أن هذه المشاهد ليست مجاملة اجتماعية فقط، بل هى تاريخ حياة مشتركة. حين يهنئ المسيحى جاره المسلم برمضان، أو يشاركه الإفطار، فهو لا يذوب فى عقيدته، بل يعلن: «نحن نختلف دينيًا، لكننا نتشارك إنسانيًا ووطنياً».
والمحبة لا تعنى التنازل عن الإيمان، بل تعنى أن الإيمان الحقيقى يولّد احترامًا وسلامًا. وهذا قريب جدًا من الروح الفرنسيسكانية، لأن القديس فرنسيس الأسيزى ذهب للقاء سلطان مصر فى زمن الحروب الصليبية، لا بسيف بل بقلب مفتوح.
وبشأن كون رمضان مناسبة لتعميق مفهوم “العيش المشترك”، أوضح أنطونيوس أن رمضان فى مصر هو مساحة روحية واجتماعية واسعة: «موائد رحمة، زيارات، مصالحة، أجواء تسامح»، وكلها قيم تخدم فكرة العيش المشترك.
ويتابع: العيش المشترك فى مصر ليس شعارًا سياسيًا، بل هو اختيار يومي: أن أرى فى الآخر مواطنًا وأخًا فى الإنسانية، حتى لو اختلفت معه عقائديًا.. كمسيحيين كاثوليك نؤمن أن الله خلق الجميع، وأن الكرامة الإنسانية سابقة على أى انتماء دينى.
أما دور رجال الدين فى مواجهة خطاب الكراهية خاصة فى المواسم الدينية، فيوضح أن الدور أساسى وخطير فى الوقت نفسه، فرجال الدين مدعوون إلى «تفسير النصوص بروح الرحمة، وتذكير الناس أن الله لا يحتاج إلى مدافعين غاضبين بل إلى شهود محبة». وفى المواسم الدينية تزداد العاطفة، وهنا يجب أن ترتفع الحكمة.
وعن جوهر الصيام هل هو عبادة أم تربية للنفس قبل كل شيء، أشار «أنطونيوس» إلى أنه فى الفهم الكاثوليكي، هو عبادة وتربية فى آن واحد. هو عبادة لأنه موجَّه لله، وهو تربية لأنه يكشف حقيقتى أمام نفسى، فإذا خرجت من الصوم «أكثر رحمة، أقل غضبًا، أكثر سخاءً، أعمق صلاة»، إذن نجح الصوم. أما إذا بقى مجرد امتناع جسدى، فهو لم يصل إلى القلب.
والصوم الحقيقى هو أن أصوم عن الإدانة، عن القسوة، عن الكلام الجارح، وهذا ما يجعل الصوم طريق قداسة، لا مجرد عادة دينية.
أما الرسالة التى يحب توجيهها إلى المسلمين فى شهر رمضان، فيقول: «رسالتى من قلب مصرى مسيحى كاثوليكي: إخوتنا المسلمين، رمضان، ويزيد فى بيوتكم الرحمة، وفى قلوبكم الغفران».
ويختتم «أنطونيوس» حديثه قائلاً: نحن نختلف فى العقيدة، نعم، لكننا نتشارك «وطنًا واحدًا، شوارع واحدة، أحلام أولادنا، مستقبل بلدنا»، ليجعلنا الله جميعًا أدوات سلام فى أرضنا. ولتكن عبادتنا سبب بركة لمصر والمنطقة كلها. كما قال يسوع المسيح: «طوبى لصانعى السلام».